دلالات عاصفة الحزم

دلالات عاصفة الحزم
 
د. عمرو عبد الكريم
الأحد, 29 مارس 2015 16:09

لا لوقت لمزيد من البكاء على لبن العرب المسكوب في الجهات الأربع، وفي العمق، وفي الأطراف.
لكن لأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا.
جاء التحرك السعودي في مواجهة السيطرة الحوثية المتنامية على كامل التراب اليمني: شماله وجنوبه، مؤسساته ومقدراته، ليوقف الاستحواذ الكامل للدولة الإيرانية على رابع دولة عربية (بعد العراق وسوريا ولبنان) ليتغير الميزان الاستراتيجي كاملا بين إيران من جهة والدول العربية مجتمعة.
وكأنه محكوم على العرب أن يختل ميزانهم الاستراتيجي مجتمعين في وجه الأعداء التاريخيين والحاليين: إيران وإسرائيل، دع عنك القوى الدولية، وما تملكه من شبكة تحالفات ومصالح وامتدادات في العمق وفي الأطراف، بما يجعلها حاضرة في كل قضية إقليمية أو حتى محلية.
معادلات العلاقات بين الدول لا تعترف إلا بما هو واقع على الأرض، وبما هو متعين في كيانات وحدود ومكونات مادية، ولا تعترف بأي اعتبارات أخلاقية أو نظرية ولو كانت اتفاقات ومعاهدات دولية، فمن أبجديات العلوم السياسية أن الاتفاقات بين الدول تأتي لتنظم العلاقة بين منتصر ومهزوم بعد الحرب، وما دور الاتفاقية إلا تقنين أو شرعنة الواقع الذي نتج عن هذه الحرب، وكل الاتفاقات والمعاهدات تستمر متى استمر ميزان القوى الذي نتجت عنه، ومتى تغير ميزان القوى كان أول شيء يقوم به الطرف المغبون هو تمزيق تلك الاتفاقية وما حوته من بنود ولوائح، هذا هو أحد أهم دروس تاريخ الصراعات الدولية.
حاول الحوثيون خلق واقع على الأرض يتفاوضون من خلاله على تقسيم غنائم الحرب التي خاضوها على مدار سنوات طويلة سواء في مواجهة الدولة اليمنية زمن علي عبد الله صالح أو تحالفا مع صالح نفسه في مواجهة خلفه هادي.
وعلى مدار الأيام القليلة الماضية كان الهدف الحوثي هو الوصول إلى العاصمة المؤقتة (عدن) وفرض السيطرة عليها، أو بمعنى أدق فرض الأمر الواقع عليها، حتى إذا جاء مؤتمر القمة العربية كان كل شيء منتهيا، وكان ثمة واقع يتم التفاوض اعترافا به أو حتى انتقالا منه، وكان هذا الواقع هو الذي سيفرض معالم أي هدنة تتم ولو إلى حين.   
كان الحلم الحوثي هو الوصول إلى ميناء الحديدة بما يجعل الدعم المتدفق عليهم من إيران تسليحا وعتادا مباشرا ولا يمر عبر مؤسسات الدولة التي تلاشت تحت سنابك خيل التمرد الحوثي الذي سيطر فعلا لا قولا على مقاليد الدولة في اليمن في القسم الشمالي وأخضع الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الدفاع، وكاد أن يجمع مقدرات الدولة بين يديه لولا واقع الانقسام اليمني بين الشمال والجنوب، ولولا البعد الطائفي الواضح في مخططات الحوثيين، ولولا التبعية السافرة التي جعلت منهم مجرد أداة من أدوات الدولة الإيرانية: تتلاعب بها أو تتفاوض عليها في سبيل مشروعها النووي.
خاض الحوثيون حربهم بالوكالة ضد الدولة اليمنية لصالح الحلف الإيراني في محاولة لتطويق السعودية والخليج العربي، وتكثير أوراق التفاوض الإيرانية على مذبح مشروعها النووي، وكانت التصريحات الإيرانية الكاشفة بأن صنعاء رابع عاصمة عربية تسقط في الميزان الاستراتيجي الإيراني مؤشرا كاشفا بالغ الدلالة على عمق ما وصلت له السيطرة الإيرانية داخل العالم العربي: حواضره وأطرافه، وعلى اللعب بالمكونات الطائفية بما يخل بأي ميزان قوى بين الدول العربية مجتمعة والدولة الإيرانية.
جاء التحرك السعودي ومعه بلدان الخليج العربي ليفرض واقعا جديدا على الأرض، ويعدل من ميزان القوى المختل بين الحوثيين وبقية مؤسسات ومكونات الدولة اليمنية الرافضة للسيطرة الحوثية، وما يتبعها من دلالات طائفية في أرض الحكمة اليمانية.
جاء التحرك السعودي مستهدفا أساسا تحييد سلاح الجو اليمني الذي سيطر عليه الحوثيون في إطار تحالفهم مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وفي إطار معادلة أكبر من الدولة اليمنية ذاتها.
لقد أوشكت المفاوضات بين الولايات المتحدة والدولة الإيرانية حول المشروع النووي أن تصل إلى منتهاها، وجوهرها اعتراف متبادل بين الطرفين بالأمر الواقع، تسلم فيه إيران مرحليا بشروط الولايات المتحدة والمجموعة الدولية على أن تنتهي المفاوضات بحق إيران في السلاح النووي.
وفي هذا الإطار تأتي الورقة اليمنية كأحد أوراق اللعب في يد المفاوض الإيراني:
وبها، وبالعواصم العربية الثلاثة الأخرى التي يملك زمامها: يقايض.
وعلى الأقليات المذهبية التي يمدها بأسباب المناكفة مع دولها ومجتمعاتها: يفاوض.
فجاء التحرك السعودي الاستباقي ناجحا: 
إن على صعيد العمل العسكري على الأرض، وبناء تحالف عسكري من عشر دول إقليمية مع تأييد دولي ملحوظ.
أو على صعيد العمل الدبلوماسي الذي أمّن غطاء إقليميا ودوليا داعم ومؤيد للتحرك، وموافق على تداعياته ونتائجه.

 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus