عصام درباله . رجل بأمة " مشاهد موحية من جنازته "

عصام درباله . رجل بأمة " مشاهد موحية من جنازته "
 
المستشار ناجي درباله
الخميس, 20 أغسطس 2015 15:47

( 1)

فى منزل العائلة ببنى خالد بمنيا الصعيد  البوابة " كما يطلق عليها أهالى  الناحية " وما حولها من طرق وحتى مسجدها " مسجد آل درباله " والتى  ضاقت على جانبيها بمشيعى الشيخ الداعية المجدد عصام دربالة من رفاقه وتلاميذه ومحبيه وعارفى فضله ، 
" ضاقت – أيضاً - الصدور بألم حبيس وغضب مكتوم ، واستقر فى أقصى أعماق العيون والقلوب حزن دفين أليم مبعثه الجور الذى وقع عليه بحبسه  وهو الداعى للسلمية المقاوم للعنف مع مرارة الفقد المبكر ( 57 سنة فقط ) لرجل  بهذه القامة والقيمة وما لبس وفاة الشيخ ونيلة الشهادة من ظروف  كان يمكن فى القليل تجنبها بأدنى قدر من الرعاية الصحية والتى كانت كافية لاستنفاد الطاقة فى التماس أسباب النجاة ، كما زاد استعار المشاعر تأخر إجراءات التصريح بالدفن وطول الانتظار مما عده المشيعون – وهم بالآلاف – يحمل قدراً من الاستهانة بمشاعرهم والاستخفاف بآلامهم ، وما أن انقضت التكبيرات الأربع لصلاة الجنازة حتى تسابقت الأيدى  فى حمل الجثمان الشريف فوق الأعناق ، وانطلق الموكب الطاهر متخذاً شكل طريق البلدة الرئيسى من أوله إلى آخره بما فيه من تعرجات والتواءات حتى يظن الناظر من علىٍ ، وكأن المكان نفسه والأرض ذاتها تندفع للتتحرك لتشييع
الشيخ ، ويتولى أحد تلاميذ الشيخ قيادة الهتاف بالهتاف المحبب للنفس بنعى الشهيد وإيداعه بين أيدى ربه " لا  إله إلا الله – الشهيد حبيب الله" وبالهتاف الذى يتجاوب مع أنات القلوب وما يجيش فيها من استنصار بعدل الله " حسبنا الله ونعم الوكيل " ، ولكن القلوب والنفوس تفيض لدى كثيرين من رغبة فى الإفصاح عن ثأر من ظالمين يتطلعون أن يجرى فى  دنيا الناس قبل آخرة الدنيا فى رحاب رب الناس فيخرج هتاف من  حنجرة ثكلى صارخاً
" دم بدم ورصاص برصاص " وعندها يتناول أحد كبار المشيعين من قادة  الجماعة الإسلامية ويعلو صوته فى مواجهة الشاب الذى أطلق الهتاف قائلاً له فى صوت مفعم بالألم والحزن والحزم والحسم فى آن : " هل هذا هو ما علمه لك شيخك عصام درباله الذى تشيعه .. ألم يعلمك أنه لا عنف بل سلمية .. ألم يعلمك لا رصاص بل حوار ..  ألم يعلمك أنه لا دم بل عصمه للدم .. أنت تخون الشيخ . فأصمت " .

       وياللعجب يصمت الشاب ويومىء معتذراً وتفيض العبرات من عينيه ويهتف " حسبنا الله ونعم الوكيل " واهتف داخل قلبى ونفسى وروحى معه " حسبى الله ونعم الوكيل " وتنتظم المسيرة فى صوت واحد حتى وورى الثرى فى رحاب ربه ذو الرحمة ليجازيه بعدل الأخرة عن ظلم الدنيا .

( 2)

تتوق نفسى أن أتجاوب مع الرجاءات الحارة الصادقة لكبار الجماعة الإسلامية وغيرهم من الدعاة ومدركى قيمة الشيخ العالم المجاهد الزاهد . أن تسمح العائلة بأن تكون صلاة الجنازة والتشييع من مسجد الرحمن بمدينة المنيا الذى شهد نشأة الجماعة وشباب دعاتها  وقادتها التاريخيين – وهو منهم - ، ملتمسين ألا أحرمه من تشييع يليق به وبجهاده الذى أفنى فيه عمره ومنهم من يقول : لا تحرمه أن يشيعه من يعرفه ومن لا يعرفه ومن لا يعرفه بل سمع منه ومن لم يسمع منه بل سمع عنه ومن لم يسمع عنه بل ساقه القدر أن يعرف  نتفاً من سيرته الكريمة  " لا تحرمه أن يشيعه الآلاف المؤلفة فى ميادين المدينة العامرة وفى ضوئها الباهر لا فى عطفات القرى النائية وضوئها المنزوى ، ولكنى اعتصم بجلد عقلى الذى كان يقول لى : ثم ماذا بعد ربما جنازة مهيبة تنقلب إلى مأساة دامية فى صدام لا أريده بل لا يريده الشيخ نفسه الذى يحدثنى وهو جثمان طاهر قائلاً تجنب الصدام وأسبابه ما وسعك  إلى ذلك سبيل فكانت كلمتى الحاسمة للأخوة – وهم المحبين : - سنمضى على هدى عائلتنا – من أجيال وعقود فننقل الجثمان  إلى قريتنا ونصلى عليه بمسجدها  حيث نواريه الثرى بمقابرها . ونتلقى العزاء على قبرة بعد أن أدفنه بيدى  إلى جوار أبيه وله فى الجهاد سبق وعمه ، وله فى دعمه يد ، وكانوا - مشكورين -  متفهمين لقرارى مرحبين به – وإن على مضض – وكنت استرجع هذا – وغيره -  وأنا أجلس بديوان العائلة [ البوابة ] متلقياً العزاء ممن لم يلحق بالجنازة لبعد الشقة ونأى الطريق وبكور التشييع حتى لمحت  رجلين يرتديان زيهم الأسود المعلوم يدلفان إلينا ويصعدا درجات سلم الديوان فيقابلهما أهلى ويصاحبهما  إلى حيث أجلس فيعزيانى  ويعرفنى بأسميهما عمدتنا [ ابن عمى ] . - إذ هيئتهما دالة عليهما - أنهما من رجال الكنيسة الموقرة – الأب ديمتريوس والأب كراس راعيا الكنيسة حضرا لتقديم العزاء فى فقيدنا .

والحق أن ما دار فى رأسى فى تلك اللحظة أنها مجرد تعزية روتينية لعائلة كبيرة فى القرية فلا تخرج عن ذلك المعنى البسيط فلا تتعداه إلى معان أكثر عمقاً وأبعد مغزى .

فإذا بالأب ديمتريوس بعد أن عرف أن من يتلقى العزاء هو القاضى الشقيق الأكبر للشيخ يبادر فيقول : 

-  أنا مبعوث من قبل الأب أثناسيوس اسقف ملوى والأشمونين وبتوجيه من الكنيسة المرقسية لتقديم خالص العزاء فى الشيخ عصام درباله .

ثم يواصل محدثاً الحاضرين : الكنيسة  فى بنى خالد لم يمسها سوء فى أثناء الأحداث التى تلت 30/6/2013 ، حتى تكاد تكون نموذجاً منفرداً فى المنطقة وكان هذا بفضل
ما بثه الشيخ فى نفوس أهل قريته من واجب فى حماية إخوته المسيحيين وكفالة حقوقهم ورعايتهم عندما حضر  إليهم والتقى رعاة الكنيسة وكبار رجالها وألقى محاضرة باهرة فى جمع من مسلمى ومسيحيى القرية فوأد فتنة كانت تلوح فى الأفق .

       وكأننى أتذكر قول مشهور للشيخ الشهيد انتشر بين الأخوة المسيحيين حتى صار القول علماً عليه  وصار الشيخ علماً – لديهم – به " لا يصح قتال الأقباط أو قتلهم لمجرد كونهم من أهل الكتاب حتى لو كانت القدرة متوفرة لأن سبب القتال أصلاً غير قائم ]

-      رحم الله الشيخ

_______________

( 3)

-       أجلس بين الأهل والمعزين مستعرضاَ فى مخيلتى كيف جرت الأحداث على هذا النحو ويمثل تلك السرعة .

منذ القبض عليه يوم 12/5/2015 وإيداعه حبسه الانفرادى فى زنزانة سيئة [ أو قل عديمة التهوية ] بسجن العقرب ، وشكواه من ندرة جرعات الدواء [ وهو المريض بالسكرى وأزمات التنفس ] أو انعدامها وسوء محبسه وحرمانه من التحريض والتى بلغت غايتها عندما التقيته - للمرة الأخيرة – بنيابة أمن الدولة العليا عند تجديد حبسه يوم 21/6/2015 ونقلت شكواه لرئيس نيابة أمن الدولة الموقر الذى يتولى التحقيق معه فتجاوب مع شكواه وأصدر أمره بإدخال الأدوية إليه ، ثم إلى منع الزيارات عن السجن بأكمله زهاء شهرين
[ أسرته لم تتمكن من زيارته سوى مرة واحدة فى بداية اعتقاله وحتى وفاته يوم 8/8/2015 ] ، ثم  إلى إصابته بغيبوبة السكر مرتين ( مرة بانخفاض فى نسبته وأخرى بارتفاع معدله بدمه ) وإصابته باختناق وفشل فى أداء جهاز التنفس لدوره ، ومحاولات رفاقه فى المحبس فى حث  إدارة  السجن على إنقاذه ، ومحاولات محاميه الدائبة لإدخال الأدوية إليه ونتائجها المخيبة ، وإلحاحنا اليائس لإنقاذه بعد تلك الأزمات والاتصال بمكتب وزير الداخلية يوم الجمعة 7/8/2015 ، وإبلاغ مدير مكتبه بحالته وإخطارنا بأن الوزير قد أحيط علماً بالحالة وسيبادر بإجراء اللازم ثم تسليم مذكرة مكتوبة منى وبخط يدى – مشفوعة بالمكالمة  الهاتفية المشار إليها  آنفاً – تحوى كل تلك الوقائع وتبسط المخاطر التى يتعرض إليها وتناشد الوزير نقله للمستشفى لتلقى العلاج على نحو عاجل لإنقاذ حياته
( تم تسليم المذكرة لأمن وزارة الداخلية فى العاشرة من صباح يوم السبت الموافق 8/8/2015 وكانت معنونة باسم العقيد مدير مكتب وزير الداخلية وأبلغت بأنها وصلت إليه فى التو واللحظة ) ، ثم الاتصال  بمدير مصلحة السجون لإبلاغه عن الحالة ومناشدته انقاذها  ، ثم بدلاً من  نقله  إلى المستشفى إذ بالسجن ينقله إلى معهد أمناء الشرطة لتجديد حبسه، فتتردى حالته ولا يقوى على المثول أمام القاضى وعندما ينبهه المحامون لحالته يقرر إدخال الأدوية إليه فلما  يطالبوه بنقله إلى المستشفى لسوء حالته يخبرهم بأنه لا حاجة لذلك وعندما يطالبونه برؤيته للوقوف  على حالته يكتفى بأن يخبرهم بأن الدواء  يكفى لعلاجه يجدد له الحبس لمدة  15 يوم إضافية ، ثم وفاته بعد ذلك بأقل من ساعة .

شريط هائل من الكآبه والألم والقهر والعجز والضعف وقلة الحيلة  والهوان على الناس يقابله إيمان لا  يتزعزع بالثبات و الصدق والنصفة وكنت أردد بينى ونفسى ابتهال الرسول صلى الله عليه وسلم " اللهم إنى أشكو لك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى  على الناس " حينما ربت كتفى أحد شباب العائلة طالباًَ  منى أن أتابع مقطع لفيديو لبرنامج الصحفى الكبير ومقدم البرنامج العفوى الشجاع الأستاذ سيد على والذى أعلن فيه أن الشيخ عصام دربالة هو " رمز الاعتدال و السلمية " ويردد آسفة على وفاته وإصراره على موقفه الشجاع  بإعلان كلمة الحق فى شأن الشيخ الشهيد رغم علمه بأنه سيلاقى من يحاول ذبحة ومن ينصب حفلاً على جثمانه .

ويقول : إن الاختلاف مع 30/6 ليس كفراً بل هو اجتهاد لابد أن يسمح به ولا يعامل من يعارضه على أنه مس مقدساً لأن 30 يونيه ليست قرآناً أو إنجيلا ً .

ثم يتابع الشاب فيطلعنى على قول مأثور للشيخ " يدافع فيه عن الدولة الوطنية أنه
يخشى إدخال الوطن فى حالة صراع مرير مليء بالضحايا والأخطار والنارات
قد توظفه بعض الأطراف الدولية وإسرائيل لتفتيت البلاد وهذا ما لا ينبغى أن نسمح به أبداً " .

وسألت نفسى ماذا كان يضير الدولة الوطنية لو سمحت لرمز الاعتدال والسلمية أن يتلقى جرعة الأنسولين أو ينقل للمستشفى لمحاولة إنقاذه مع عملهم  بحالته وقت القبض عليه 

وكم من رجل يُحرم  الآن من مثل هذا وهو كان موقفه السياسى – رهين المحبسين الحبس والمرض مستقراً كوديعه  فى يد المستأمنين عليه .

رحم الله الشيخ ولعل وفاته أن تكون شفيعاً لإنقاذ غيره ممن ينساهم الناس ويذكرهم المولى عز وجل . فيتأكد بغيابه حضوره الطاغى . فبعض الحضور يتأكد أحياناً بالغياب

 

* نائب رئيس محكمة النقض

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus