الفريق يوسف عفيفي ....رجال صنعوا النصر

الفريق يوسف عفيفي ....رجال صنعوا النصر
 
أبوالحسن الجمال
الأربعاء, 07 أكتوير 2015 16:13

هو رجل أخلص لمصر منذ زمن طويل ، منذ أن تخرج من الكلية الحربية عام 1948م ، ثم يذهب مباشرة إلى الجبهة في "الفالوجا" ليشارك في معارك حرب فلسطين – الجولة الأولى العربية الإسرائيلية ، ويشترك مع جمال عبد الناصر الذي كان يشغل منصب أركان حرب إحدى الكتائب المشاة التي يقودها القائمقام السيد طه (الضبع الأسود) الذي دوخ الصهاينة، وكذلك أبطال تلك المعارك واستفاد منهم مباشرة مثل: البطل أحمد عبدالعزيز، وصلاح سالم، وحسين الشافعي، وعبد المنعم السباعي، من الذين شاركوا فى ثورة يوليو بعد بضع سنوات، ويشترك معه زملاء دفعته: شمس بدران، وإبراهيم رشيد، و أحمد بدوى، وفؤاد عزيز غالى وغيرهم، وشهد حصار الفالوجا الذي علّمه الصبر والجلد والتحمل، واستفاد من هذه المواقف بعد ربع قرن عندما كان يقود الفرقة 19مشاه أثناء حرب أكتوبر المجيدة، وتعرضها للحصار ضمن قوات الجيش الثالث فتصرف مع هذه لموقف بحكمة تعلمها منذ حصار الفالوجا.

 

  وعندما عادوا كان في استقبالهم جماهير الشعب، فلم يكن لهم يد في الهزيمة التي مُنى بها العرب وإنما لظروف وتخاذل من بعض القوى التي اشتركت في هذه الحروب، وشهد يوسف عفيفي الحفلة التي أقامتها كوكب الشرق "أم كلثوم" في منزلها العامر القابع على نيل الزمالك لأبطال الفالوجا، وكانت ليلة جميلة أردت الثقة إلى هؤلاء الأبطال، وينضم بعد ذلك إلى تنظيم الضباط الأحرار الذي تغلل في صفوف الجيش في هذا التوقيت،  الكل يريد التغيير وينجح التنظيم في القيام بثورة يوليو التي قضت على الطغيان وأقامت حياة ديمقراطية سليمة وأنشئت جيشاً قوياً يعمل له حساب .

   

  وعند تأسيس جهاز المخابرات العامة عمل مع أول رئيس له زكريا محي الدين، وبعد أن مكث به فترة يخرج منه، مفضلاً العودة إلى الميدان، ويذهب في بعثة عسكرية إلى الأراضي اليمنية مبكراً في عام 1955م ، ويشارك في تدريب القوات اليمنية، ويضع الوثائق الخاصة بالتدريب، فلم يكن موجودا  لدى هذه القوات أية خرائط أو وثائق فأحضروا تلك الخرائط من ايطاليا ، التي صنعت خريطة للمكان أيام كانت تحتل حيبوتى في هذه الفترة، ونجحت البعثة في معرفة طبيعة الشعب اليمنى، واستطلاع أراضيه، ومعرفة عقيدة  القبائل القتالية، وكتبوا تقرير مفصلاً عن أداء البعثة، التي لو أخذت بها القوات التي ذهبت إلى اليمن عند قيام الثورة عام 1962م لما تعرضت للخسائر الفادحة في المعدات والأرواح، ويعود من اليمن ليذهب في بعثة أخرى إلى دولة سوريا الشقيقة قبيل الوحدة معها للكشف عن قرب حول إمكانيات قيام هذه الوحدة ويكتشف هناك أن الشعب السوري يتندر بإيمانه أن هناك قيامتين الأولى وهى الصغرى إذا تعرض حبه للتجارة والمال للخطر والقيامة الثانية اليوم الأخر، إذن القرارات الاشتراكية لا تصلح لهذا الشعب، وعندما طبقت بعد ذلك في بداية الستينيات وأثناء الوحدة عجل ذلك بانتهائها .. إذن كان للبعثات بُعد نظر دائماً، لأنها كانت تتفانى في عملها وتصل الليل بالنهار من أجل إنجاز مهامها .

 

  يعود يوسف عفيفي للتدريس بالكلية الحربية، يدرس مادة "التكتيك"، وكذلك دّرس بمعهد المشاة وكلية القادة والأركان، وقد تخرج على يديه  كوادر علمها التفاني في العمل، والتدريب الشاق الذي يوفر الدم أثناء المعركة ، فهو طول الوقت يذكر الطلبة والضباط بأمجاد العرب المسلمين  وتاريخهم المشّرف الذين نشروا النور بقوتهم في أرجاء المعمورة ، وكان هو نفسه قارئ للتاريخ في كل عصوره.

 

  وعندما تندلع حرب اليمن في عام 1962م يذهب مشاركاً ولم تكن البلاد غريبة عنه، بل عرك تلك الأراضي من قبل، وتولى رئاسة أركان اللواء العاشر مشاة ، ومكث باليمن عامين، يشارك التخطيط للمعارك التي استنزفت مصر في العتاد والرجال، ويرجع من اليمن ليعين مساعداً لرئيس مكتب المشتريات في "بون"  من 1964حتى1965م، لينتدب بعد عودته رئيساً لأركان الحرس الجمهوري مع العميد الليثى ناصف قائد الحرس، وينظم قوات الحرس الجمهوري ويسحب الدبابات الموجودة بمنشية البكري، ويوزعها في أماكن متفرقة، وكذلك وضع الخطط الأزمة ومساعدات التدريب، ووحد الزى بين جميع أفراد الشرطة والجيش الذين يخدمون بالحرس الجمهوري ...

 

  كان شعلة نشاط  كان مثار إعجاب الرئيس جمال عبدالناصر وفى تلك الأثناء تقرب من رجال المشير فيعين قائداً للكتيبة 12مشاة التي دخل بها حرب يونيو 1967م ، ولم تعط الفرصة للجندي المصري كي يحارب فصدرت له التعليمات مباشرة بالانسحاب دون خطة تحافظ على القوات عند الارتداد، ويتكاتف العقيد أركان حرب يوسف عفيفي مع جنوده ويضع لهم خطة ارتداد وينجح في الحفاظ على أفراد ومعدات الكتيبة دون خسارة تذكر، اللهم إلا سبع جنود فقط وكان هو أخر من عبر القناة.

                      

     المؤلف مع الفريق يوسف عفيفى فى منزله 

  

  وبعد أن أعلن الرئيس جمال عبدالناصر حقيقة النكسة، عزل المشير عامر من كافة وظائفه العسكرية، ومحاكمة كل من تسبب في الهزيمة، ولم يرضخ المشير لتلك القرارات ، فأعلن الاعتصام ، يؤيده رجاله حتى رحل في سبتمبر من نفس العام، وقبض على رجاله والمحسوبين عليه، ومنهم: العقيد أركان حرب يوسف عفيفي الذي وضع قيد التحفظ لمدة عام، ثم أحيل للمعاش حتى قامت ثورة التصحيح في 15مايو 1971، وتوسط له صديقه القديم الفريق الليثى ناصف لدى الرئيس محمد أنور السادات للعودة للقوات المسلحة، ويعود إلى صفوف القوات المسلحة كأنه غادرها بالأمس القريب، فيعين مديراً للتدريب بالجيش الثاني الميداني، يباشر مروره على الوحدات ويفاجئهم بالزيارات ليعرف مدى ما وصلوا إليه من تدريبات والتزامات ، استعداداً ليوم الثأر الذي كان الجميع يدرك أنه قادم بلا محال ، وينجح في عمله الحساس هذا.

   

  ثم يعين قائداً للفرقة 19مشاه،  فيواصل مشوار التدريب الشاق ليل نهار، يثير الحمية في قلوب الضباط والجنود حتى انبلج فجر الظلام، وأتى يوم السادس من أكتوبر يغسل العار الذي جلل مصر ست سنوات عجاف، وتنجح الفرقة في إحراز النصر المبين والاستيلاء على أهم النقاط الحصينة في خط بارليف منها: النقاط 146، و147، و148، و149، وعيون موسى، ولسان بور توفيق، وجبل المر،  والجباسات، وسطر رجال الفرقة بطولات خارقة ، فها هو العقيد الفاتح كريم يحرر جبل المر في عملية أشبه ما تكون بالانتحارية، يشاركه العقيد على الغليظ،  والرائد محمد زرد الذي كان يشغل رئيس شئون إدارية إحدى الوحدات المشاة فيذهب إلى قادته مصمماً على القتال ، ويستولى هو ورجاله على النقطة الحصينة 149  أقوى الحصون مناعة، وتحدث الثغرة ويحاصر الجيش الثالث ويحاول العدو السيطرة على السويس ولكن قوات الفرقة تصليه ناراً، فيدرك أنه قد وقع في شرك عظيم يتكبد الخسائر يومياً بفضل الجنود وشعب السويس الذي سطر أعظم ملحمة روتها حرب أكتوبر، ويمكن أن نطلق علي الفريق يوسف عفيفي "بطل السويس وحاميها"، ويكرم بعد الحرب بأمر من السادات شخصياً، بعد أن حاولت جهة حجبه عن هذا التكريم الذي تم بمجلس الشعب، ويمنح وسام نجمة الشرف العسكرية .

  

  وقد تولى بعد أن وضعت الحرب أوزارها نائب رئيس هيئة العمليات، ثم ملحقاً عسكرياً بموسكو من عام 1975حتى عام 1978م ، وهنا أحس أن جهة ما تريد إبعاده بالرغم أن  أبناء دفعته قد عينوا في أرفع المناصب، يعود من موسكو فيجد أن الفريق أول محمد الجمسى وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة يعرض عليه قيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية، فيقدم استقالته التي لم  يقبلها الجمسى فعينه قائداً للجيش الثالث الميداني خلفاً لدفعته اللواء أحمد بدوى، الذي رقى لرتبة الفريق وعين رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة، ثم يختم حياته العسكرية بتعيينه مساعداً لوزير الدفاع ورئيساً لهيئة البحوث العسكرية، ثم يتقاعد برتبة الفريق الشرفية بعد حياة أمضاها بالقوات المسلحة لمدة 35 عاماً حافلة بالجهاد والنضال فقد حضر كل الحروب التي خاضتها مصر مع إسرائيل، وشارك في ثورة يوليو، وحروب اليمن وأحد صناع الوحدة مع سوريا وأحد أبطال أكتوبر 1973م ، تقاعد ليبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن حياته العسكرية، وهو تحويل بقعة نائية "الغردقة"  تشبه أحد نجوع الصعيد إلى عاصمة السياحة العالمية ... حولها لمصدر هام من مصادر الدخل القومي وقد عانى كثير في بداية المشوار، حتى استعان في تنفيذ مشروعه هذا بالكوادر العبقرية التي ساعدت على سير ركب التنمية في هذا الإقليم، وقد تنقل يوسف عفيفي من نجاح لنجاح فما من مسئولية يتولاها، وإلا ويضع فيها بصمات خارقة سواء في عمله ضابطا بالقوات يصد عن الخطر ويزود عنه، في الإدارة المحلية سار على المنوال في الغردقة ومدن البحر الأحمر، وفى محافظة الجيرة ، وقد زرته مرارا كنت أجلس معه بالساعات دون ملل فكل اللقاءات كانت تستمر من الساعة الثانية ظهراً وحتى الثانية عشر منتصف الليل.. نتذكر تلك الأيام ففتح لي صندوق ذكرياته ولم يبخل بأي معلومة ، يمثل التواضع الجم الذي يسيطر على سلوكه .

 

القاهرة /مصر الجديدة في يوم الاثنين : نهاية العام الهجري 1432هـ ( 6/12/2010م ) .

 

 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus