أين نحن منك يا أمير المؤمنين؟!

أين نحن منك يا أمير المؤمنين؟!
 
د. أحمد علي سليمان
الأربعاء, 15 يوليو 2015 17:53

كان سيدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين (رضي الله عنه) من الخلفاء القلائل الذين سعت لهم الخلافة دون أن يسعوا إليها، أو يحاولوا الحصول عليها؛ بل إنه كان حريصًا علي إبعادها عن نفسه، ويرى فيها امتحانًا قاسيًا يثقل عليه حمله، ولكن سليمان بن عبد الملك كان يُظهر إعجابه به ويراه أنه أكفأ بني قومه، فلما مرض سليمان استشار وزيره رجاء بن حيوة فيمن يعهد له بالخلافة، وسأله رأيه في عمر بن عبد العزيز، فأثني رجاء على عمر، وحسن لسليمان أن يعهد إليه، وأدرك عمر بفطنته اتجاه سليمان إليه، فخلا برجاء بن حيوة، وقال لـه: يا رجاء، إنني أرى أمير المؤمنين في الموت، ولا أحسبه إلا سيعهد، وأنا أناشدك الله إن ذكرني بشيء من ذلك إلا صددته عني، وإن لم يذكر ألا تذكرني لـه في شيء من ذلك. وأراد رجاء أن يصرف عمر بن عبد العزيز عن الحديث في ذلك الموضوع فقال لـه: لقد ذهب ظنك مذهبا بعيدًا، ما كنتُ أحسبك تذهبه، أتظن بني عبد الملك يدخلونك في أمورهم..!!

وهكذا خدع عمر فسكت ولم يتكلم بعد ذلك في هذا الموضوع، ولكن الأمر كان قد دبر على نحو الاتفاق الذي تم بين سليمان وبين رجاء؛ فإن سليمان عهد لعمر بن عبد العزيز، وجعل من بعده يزيد بن عبد الملك، وكتب بذلك عهدًا، وأعطاه لرجاء، وطلب سليمان من بني أمية ومن قادة الجند أن يبايعوا مَن ارتضاه الخليفة لهم، فبايعوا، ومات سليمان بعد ذلك، فتكتم رجاء خبر وفاته، وجمع وجوه الناس وطلب منهم تكرار البيعة ففعلوا، ثم نعي رجاءُ لهم سليمانَ وفضَّ الكتابَ، وأعلن أن عمر هو الخليفة الجديد، فاسترجع عمر حين ذلك وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته قط في سر ولا علانية..

ثم صعد المنبر وانطلق يقول: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة لي، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، وأخذ عمر ينزل من فوق المنبر، ولكن الناس صاحوا به: قد اخترناك، وأقبلوا عليه وبايعوه.. وبذلك تولى الخلافة، وكان ذلك سنة99 حتى سنة 101هـ.

تغيرت الحياة:

ورجع عمر (رضي الله عنه) بعدما دفن سليمانَ وقد أصابه الهم والغم، فقال له مولاه: مالي أراك مغتما يا أمير المؤمنين؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم.. ليس أحد من الأمة إلا وأنا ملزم أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلىَّ فيه، ولا طالبه مني!!... وهكذا كان إدراك عمر للمسؤولية منذ اللحظة الأولى. يروى أن زوجته دخلت عليه عقب توليته الخلافة فوجدته يبكي فقالت لـه: ألشيء حدث؟ قال: لقد توليت أمر أمه محمد (صلى الله عليه وسلم) ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمقهور، والمظلوم، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، وعرفت أن ربي سائلي عنهم جميعا، فخشيت ألا تثبت لي حجة: فبكيت..!!.

وعاد عمر بعد ذلك إلى نفسه يحاسبها، فجرَّد نفسه من كل نعيم، وردَّ القطائع التي كان قد ورثها اعتقادًا منه أنها لم تكن حلالاً طيبًا. ونزع ثيابه واستبدل به كساء بثمانية دراهم، ويروي ابن الحكم أن عمر كان قبل خلافته يرى الكساء الذي يبلغ ثمنه ثمانمائة درهمًا، يراه خشنًا، فأصبح يرى الكساء الذي يبلغ ثمنه ثمانية دراهم لينًا، ويبحث عن كساء أكثر منه خشونة، وغسل عمر الطيب عن نفسه، ودعى الحجام فقص فضلة شعره، وباع ما عنده من ملبس وعطر، ووضع الثمن في بيت مال المسلمين، وترك ألوانَ الطعام الجميلة، وأخذ يأكل الطعام الجاف، وتولى خدمة نفسه بنفسه ولم يسمح لأحد أن يخدمه...

وانثنى عمر إلى زوجته -وهي حفيدة خليفة وأخت خلفاء، وقد انحدر لها من هذا المحتد أغلى الجواهر واللآلئ وأثمن المتاع والرياش- فقال لها عمر: قد علمت حال هذا الجوهر، ومن أين أصابه ذووك، فإما أن تختاريني وتدعي كل هذا المتاع، وإما أن تختاري متاعك وأسرحك. فاختارته وقبلت العيش معه في البساطة التي أرادها....

وكان الخدم حين استخلف عمر قد ظنوا أنهم قد سادوا الناس، فلما صارت حالهم إلى حال من التقشف، حزنوا لولايته وتفرقوا عنه، وكان له غلام يقال له درهم: فقال له عمر بعد أن مضت أيام من خلافته: ما يقول الناس يا درهم؟ فأجاب: وما يقولون؟ كلهم بخير، وأنا وأنت بشر: فقال عمر: كيف ذلك؟ قال: إني عهدتك قبل الخلافة عطارًا لباسًا فارِه المركب، طيب الطعام، وليت رجوت أن أستريح وأتخلص، فزاد عملي شدة، وصرت أنت بلاء.. فقال عمر: أنت حر فاذهب عني ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجا..

وبذلك أصبح عمر وزوجته، وبيته في حالة متواضعة،.. فأين نحن منكم يا عمر؟!

 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus