فتاوى الاغتراب .. هل تكون الطائف حلا ؟

فتاوى الاغتراب .. هل تكون الطائف حلا ؟
 
مصطفى كمشيش
الخميس, 03 يوليو 2014 17:47

حين اتابع بعض المشاركات عبر مواقع التواصل الإجتماعي أشعر برعب وقلق وخوف بالغ من التغيير الفكري الهائل لدي بعض الشباب, بما يعكس إهدارا لجهود عظيمة بُذلت عبر عقود من علماء ومفكرين ودعاة , حين قدموا لأمتهم منارات نور تعكس الاعتدال والوسطية ونبذ العنف .. إن أسر اللحظة وآلامها مفهوم .. ومفهوم ومعلوم أيضا ما حدث من تجاوزات مؤلمة .. لكن الوفاء للقيم الاصيلة أهم ألف مرة .. وهي تحتاج للنبلاء من الفرسان ..

حين لام بعض الناس على فتاوى لم يدرك أصحابها الواقع على نحو صحيح, فإن اللوم يمتد لفتاوى تأثر اصحابها بمعطيات اللحظة, فلم يكبحوا جماح اندفاع بعض الشباب بل ساهموا في تأجيجه..

افهم واقدر مشاعر الألم والاغتراب الداخلي والخارجي .. لكن وفاء صاحب الفتوى للعلم والمصلحة يقتضيان منه لجم غضبه حين يقوم بالإفتاء, لأن الفتوى ليست تنفيسا عن مشاعر غضب أو اغتراب من هذا الشيخ أو ذاك , أو من شاب متحمس من هنا أو هناك , فيأتي الرأي أو الفتوى مُحرضة أو مُفسرة أو مُبررة للعنف ..

حين يكتب أحدهم فينقل من أقوال ابن تيمية أن الأهم هو إقامة الحد , وليس المهم من يقيمه , متعللا بغياب الحكم العادل الرشيد , فهذا خطر بالغ جدا ,لأنه يفتح طريق لا نهاية له .. فمن يحدد إقامة الحد ؟ ومن يطمئن لتوافر شروطه ؟ ومن يؤكد على ثبات التهمة؟ ومن حاور المتهم فأقام عليه الحجة؟ ومن يقوم بدور القاضي ؟ ومن يقوم بتنفيذ الحد ؟

لقد حذر مخلصون كثر من خطر تنامي فكر العنف بسبب غلق الطريق السياسي والاعتماد على الحل الأمني كحل وحيد, ولم يدرك كثيرون أن مثل هذا المناخ هو المُفرّخ (المُنتج) الأكبر لفكر العنف والتشدد, فقد نشأ تنظيم الجهاد سنة 1966 , بعد ما جرى لجماعة الإخوان في 1965, وابتدأ (كالعادة) بأفراد ليتحول مع الوقت الى جماعة وتنظيم معتمدا على افكار مقتبسة من فتاوى ابن تيمية وكتابيه "الإيمان الكبير - والصارم المسلول" وايضا كتاب المودودي " المصطلحات الأربعة" حينما قدم تفسيرا لمعاني ( الإله – الرب – العبادة – الدين ) وقد ختمه بقوله عن الدين : [بملاحظة جميع ما ورد في القرآن من تفاصيل لقصة موسى عليه السلام وفرعون، لا يبقى من شك أن كلمة (الدين) لم ترد في تلك الآيات بمعنى النحلة والديانة فحسب، إنما أريد بها الدولة ونظام المدينة أيضاً. فكان مما يخشاه فرعون ويعلنه: أنه إن نجح موسى عليه السلام في دعوته، فإن الدولة ستدول وإن نظام الحياة القائم على حاكمية الفراعنة والقوانين والتقاليد الرائجة سيقتلع من أصله. ثم إما أن يقوم مقامه نظام آخر على أسس مختلفة جداً، وإما ألا يقوم بعده أي نظام. بل يعم كل المملكة الفوضى والاختلال]

استطاع "محمد عبد السلام فرج" تجميع هذه الأراء المتناثرة ونظمها في كتاب صغير سماه "الفريضة الغائبة" وكان ذلك سنة 1980  ليكون مرجعا فكريا وعقديا لجماعة الجهاد, واستمر الأمر على هذا الحال, تتأسس جماعة فتتلقي ضربة أو ضربات فتضعف أو تختفي, لتتأسس بعدها جماعة أخرى تختار أن تكون على يمينها (أكثر تشددا) فكانت القاعدة والسلفية الجهادية وغير ذلك ولن تتوقف هذه الظاهرة عند "داعش" التي تثير صخبا هذه الايام.

هذه الظاهرة لا تنتعش ولا تنمو إلا في مناخ بعينه, خاصة حين يقدمون لأتباعهم مآلات نماذج اتبعت سبيل التغيير السلمي عبر آليات العمل العام والمعلن, ثم عبر آليات الديموقراطية والانتخابات والأحزاب, فلم يفض بهم هذا الطريق إلا للقتل أو الاعتقال أو التنكيل (لذلك استكرت الجماعات المتشددة هذا النهج المعيب والمختل من وجهة نظرها – راجع كتاب الحصاد المر 60 عاما للإخوان -  لمؤلفه أيمن الظواهري) 

ماذا حدث من قبل ؟

استطاعت تيارات الاعتدال عبر جهودها الفكرية والدعوية والحركية أن تدشن تيارا ضم مئات الآلاف يتعامل مع المجتمع والعصر والعالم وفق آلياته ( فكانت الأحزاب والانتخابات والبرامج والإيمان بالديمقراطية والتعددية والتغيير السلمي) ,ويتعامل مع مؤسسات الدولة بفكر اصلاحي لا ثوري, وظلت هذه التيارات في حالة حوار فكري ضاغط من بعض المفكرين والباحثين  ممن يطالبها بضرورة استكمال طريقها (كفصل الدعوى عن السياسي ,وتبني خيارات واضحة بشأن المرأة واتباع الديانات الأخرى وفكرة المواطنة والعقد الاجتماعي .. الخ ) وبين من يطالبها بترك العمل السياسي والتفرغ للدعوة (علماء التيار السلفي) , وبين من يطالبها بترك العمل السياسي والكفر بالديموقراطية (التيارات الجهادية) , ولم تستطع هذه التيارات ارضاء أحد , لا التيار المدني ولا الجهادي ولا السلفي ,ولا الثوري ,لكنها كانت على طريق أقرب للمجتمع من غيرها من التيارات الاخرى, ونجحت محاولات الضغط عليها من المجتمع عبر اسهامات معتبرة من بعض المفكرين والباحثين والسياسيين لتتطور فتقبل بعضا ما كانت ترفضه من قبل.

ما يحدث الآن

ما يحدث حاليا (بسبب معطيات الواقع ) هو مراجعة عكسية انتقالا من فكر الاعتدال وإيمانا بفكر المواجهة ففيما مضى كسبت تيارات الاعتدال ارضا خصما من تيارات التشدد, حينما كان طريق العمل العام مفتوحا بطريقة أو أخرى عبر بعض الحلول السياسية , الآن تكسب تيارات التشدد أرضا جديدة, بل وتضم اليائسين من فكرة العمل العام وفق آلياته المعروفة ,وليس المقصود الانضمام التنظيمي, لكنني اقصد الانضمام الفكري لقناعات كانت مرفوضة من قبل, بل وكانت مُحاربة منهم أيضا ..

وهنا الخطر الكبير, ليس على دولة بعينها, ولكن على الاقليم والعالم , فما حدث لجبهة الانقاذ في الجزائر في الثمانينيات  دشن رافعة تشجيع للفكر المتشدد حين يرون فشل تجربة إثر أخرى , زاد ذلك مع تجربة فوز حماس ومحاصرة القطاع, ولعله يتشجع أكثر الآن مع غياب الحل السياسي لمشكلة الإخوان  ..

الحل المقترح على اصعدة ثلاث

مسارعة العقلاء الى فتح باب للحل السياسي, فلن يستطيع أحد مهما بلغت قدرته وقوته أن يظل ملوحا بيد مقبوضة دون أن يحتاج الى بسطها يوما , وقد ينجح الحل الأمني في القضاء أو اضعاف جماعة أو تنظيم, لكن التاريخ علمنا أنه لم ينجح في القضاء على فكرة, فستمر الايام ويتمحور حول الفكرة اتباع جدد قد يكونوا أكثر تطرفا وتشددا, بما يجعل بعض العقلاء يتحسرون على غياب التظيم القديم ويدركون فائدته للمجتمع حين كان يقطع الطريق أمام الفكر المتطرف.

من ناحية أخرى, فعلى عقلاء التيار الإسلامي ااصدار كتاب أو وثيقة تعبر عن روح الإسلام وقيمه الأصيلة وفاء للدين وقيمه,على أن تكون متحررة من آلام اللحظة وعذاباتها , ولعل المثل الذي نكرره كثيرا حين تصدى الراحل حسن الهضيبي لما رآه من ظهور فكر التشدد والعنف فكتب كتابه (دعاة لا قضاة) , فالرجل لم يكتب الكتاب في مكتبه , بل كتبه داخل الزنزانة  في وقت عذابات وألم ,لكنه لم يدع لمشاعر الغضب والألم أن تتحكم فيما يكتب ويقول , بل كان الوفاء للفكرة الناصعة في اعتدالها ووسطيتها وهي التي أوقف عمره لها ..

من ناحية ثالثة, فإن حالة العناد المسيطرة على مكونات المشهد ربما تتطلب وسيطا مقبولا يستطيع أن يقترح ويجمع على طاولة .. ولعل حل كحل الطائف (سبتمبر 1989) الذي انهى حربا أهلية استمرت في لبنان 17 سنة يكون نموذجا جيدا للتكرار, حين انتقلت الخصومة من الميادين الى ساحات السياسة ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus