زيارة القدس من وجهة نظر القانون الدولي (1/2)

زيارة القدس من وجهة نظر القانون الدولي (1/2)
 
أ.د. جعفر عبد السلام
الخميس, 24 أبريل 2014 18:21

استولت السلطات الإسرائيلية على مدينة القدس كاملة في حربها مع الدول العربية سنة 1967 إلى جانب أراضي الضفة الغربية وسيناء والجولان.. وكانت هذه الحرب الخاسرة والتي زعم قوادها بإنهم يملكون قوات ضاربة ستقذف بإسرائيل وقواتها في البحر.. وصدقت الأمة العربية هذه الحكاية وكانت المأساة الفاجعة ليس في خسارة الحرب بل أيضاً قي احتلال اسرائيل الكامل للقدس.. ولا يمكن أن تنسى الذكرة العربية صيحات جنود إسرائيل على أبواب المسجد الأقصى (محمد مات خلف بنات). تلك إهانة لا تمحى وعار لا ينسى !؟ القدس بالنسبة للعرب والإمة الإسلامية قضية أساسية وإن تجاهل أهميتها بعض العرب فلا يمكن ان يساوم عليها المسلمون وبقية العرب الشرفاء لأنها جزء أساسي من تاريخهم وتراثهم الديني والوطني فجذورهم ضاربة في أعماق تاريخ هذه المدينة التي بناها العرب وهذه حقيقة .. وعمرها المسلمون منذ هذا التاريخ. أمتزج فيه التراب بالدم بالبناء .. وبالتالي مهما إدعى اليهود بأن القدس عاصمتهم فإن هذا الادعاء زيف وبهتان. لقد قال اليهود إنهم سيدعون على احتفال عالمي في القدس بمناسبة مرور ثلاث الآف سنة على تاريخهم فيها وهذه أكذوبة أخرى! ومهما حاولوا أو نشطوا في ترويجها فهي أكذوبة أيضاً صحيح ان بعض قوى العالم المسيحي وغيره تؤيدهم .. لكن هناك عدداً من الحُكماء لا يمكن أن يقبلوا استمرار هذا الزيف لأهم مدينة تاريخها الحضاري والديني والثقافي معروف وموثق في المراجع والمصادر التاريخية والأثرية المشهودة. 
لقد أسرى الله سبحانه وتعالى برسوله محمد صلى الله عليه وسلم من البيت الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى في هذا المكان المقدس وسجل ذلك في أياته الكريمة (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الاسراء:1) والتفاصيل التي تروى بها قصة الإسراء والمعراج تجعلنا نستلهم وجوهاً من البركة والتقديس تجعل عقول وأفئدة المسلمين في كل زمان ومكان تهفو إليه؛ ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصل إلى المسجد الأقصى ليجد الأنبياء في انتظاره لكي يؤمهم في الصلاة, ويكفي أنه صعد من المسجد إلى الأفق الأعلى ليتلقى التوجيه الرباني عند سدرة المنتهى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى , عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى , عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى , إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى , مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى , لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى).
وكان من الطبيعي أن يتقدس هذا المكان عند المسلمين, كما كان من الطبيعي –والإسلام خاتم الشرائع ورسوله خاتم النبيين, ورسالته تكمل كافة الرسائل والدعوات التي سبقته- أن يسعى المسلمون لقتح بيت المقدس وقد تحقق لهم ذلك في فترة ازدهار الدولة الإسلامية وحرص الخلفية عمر بن الخطاب رضي الله عنه على دخول القدس والصلاة فيها وقد كتب عهداً للحاكم المسيحي للمدينة ((العهدة العمرية)), هذا العهد كان يتضمن وضع المدينة تحت حكم والحماية الإسلامية وعدم السماح بدخول اليهود إليها أو العيش فيها وظل هذا الحكم الإسلامي لبيت المقدس فترة طويلة بدأت في عام 736 وأنتهت في عام 1917 عندما دخلت القوات الإنجليزية المدينة. وهكذا فبينما حكم اليهود المدينة لمدة 70 عام حكمها المسيحيون لمدة 300 عام وحكمها المسلمون لمدة تزيد على ألف عام. كما أن الحكم الإسلامي هو آخر مراحل حكم المدينة حيث المكان والسكان وكافة مظاهر الحياة والعمران فيها تنطق بهذا الحكم العربي الإسلامي.
فاختياري للقدس وللحديث عنها بالذات كونها بلداً للمقدسات إنما يعكس العلاقة التي تتوافر دائماً بين نظام الحكم والطبقة المسيطرة على البلد وبين التقديس التى تعطى لأماكن عديدة فيها.
إن القدس تفرض نفسها على البحث باعتبارها المدينة الوحيدة في العالم التي تجمع مقدسات تنتمي إلى كافة الديانات الكبرى في العالم وهي الإسلام واليهودية والمسيحية. ولو كانت هذه المدينة قد استمرت تحت الحكم العربي الإسلامي كما كانت في معظم فترات تاريخها لما كانت هناك مشكلة ولكن خضوع هذه المدينة للحكم الإسرائيلي, وقيام إسرائيل بضمها إليها في نطاق ما يعرف ((بالقانون الإساسي)) وذلك بعد أن تمكنت من الحاق هزيمتين بالدولة العربية الأولى عام 1948, والثانية 1967 .
لقد كان لخضوع هذه المدينة المقدسة في قبضة اسرائيل أثار ضارة بالإنسانية كلها حيث شرعت في تغير الطبيعة الجغرافية والديمغرافية للمدينة, وأخذت تطبق عليها سياسة التهويد بما يتضمنه ذلك من الاستيلاء على الأراضي لإقامة المستوطنات الإسرائيلية عليها, وإقامة أبنية أخرى تخالف الطابع العام للمدينة فضلاً عن الإعتداء على الأماكن المقدسة للديانات الأخرى, بالحرق تارة وبالهدم والتغيير تارة أخرى, إلى غير ذلك من الوسائل المعروفة التي اتبعتها اسرائيل ولازالت في فلسطين المحتلة, بل والتوسع على حساب الدول العربية الأخرى.
وتمثل الممارسات الإسرائيلية مخالفات قانونية دولية. وموضوع هذه المدينة وإنما يقتصر بمل ما تقترفه القوى الصهيونية من مخالفات المتعلقة بالإساءة إلى المقدسات بشكل عام والمقدسات الإسلامية والمسيحية بشكل خاص.
إن قداسة الأماكن في هذه المدينة فد جعلت الصراع الدولي عليها قوياً منذ أقدم الأزمنة ونستطيع أن نقرأ من تاريخها تعاقب القوى التي سادت ثم بادت في أتون الصراعات الدولية التي وجدت منذ التاريخ الإنساني واستمرت حتى الآن.
وقد قامت الأمم المتحدة منذ أن وضعت المشكلة الفلسطينية في جدول أعمالها بواسطة بريطانيا باعتبارها الدولة التي كانت منتدبة على فلسطين بدور له أهميته النظرية والعلمية على الأفعال تقوم بها اسرائيل فيها هذا الجهد اضطلعت به الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل رئيسي وكان لمجلس الأمن كذلك دوره وإن كان هذا الدور لم يكن فعالاً أبداً بسبب التدخلات الني تمارسها الدول الكبرى – وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا- من أجل عدم صدور أي قرار قوي يدين اسرائيل أو يحاول توقيع أية عقوبات أو إيضاح بعض الحقائق الإساسية التي أقتنع بها المجتمع الدولي بالنسبة لمدينة القدس على وحه الخصوص, حيث إننا نجده يدين التغيرات التي تدخلها اسرائيل على طبيعة المدينة وتؤكد ما يجب أن يتوافر للمقدسات الدينية فيها حماية.
ونستطيع أن نؤكد في هذه الدراسة أن القانون الدولي يضفي حماية واسعة على المقدسات التي توجد في المدينة وأن كافة مصادره تتضمن أحكاماً لها أهميتها فنجد هذه الحماية واردة في ((المباديء العامة للقانون)) إذ إن الأنظمة القانونية الرئيسية للدول المختلفة تنظمه؛ كذلك الأعراف الدولية وأخيراً تضمنت هذه الحماية مجموعة اتفاقات هامة اقرت حماية واسعة لهذه المقدسات في وقت السلم وفي وقت الحرب , وفي ظل نظام الاحتلال كذلك. وللحديث بقية

 

* أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر
الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية
 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus