كيف واجه النبي تحديات إنشاء الدولة الإسلامية؟

كيف واجه النبي تحديات إنشاء الدولة الإسلامية؟
 
أ.د. جعفر عبد السلام
الإثنين, 13 يناير 2014 16:20

جاهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) منذ بعثه الله تعالى لهداية البشرية ونشر دعوة الإسلام إلى إقامة دولة الإسلام  على أسس العدالة والمساواة ومراعاة حقوق الإنسان والحيوان والنبات وحتى الجماد؛ فبعد أن انتقل إلى المدينة لم تكن عملية بناء الدولة أمرا سهلاً أو ميسورا، فقد واجه العديد من المشكلات والعقبات التي لو صادفها غيره لأحبط ولقلت عزيمته؛ وفي هذا المناخ اهتدى الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى عناصر بناء الدولة في وقت مبكر من عمر الإنسانية، حيث أتى العام الأول من الهجرة وقد هداه الله إلى ضرورة تحديد إقليم الدولة التي يمارس فيه اختصاصه، وإقامة سلطة تحكم هذا الإقليم وإن ركزها فيه في بداية الأمر لأن الدولة الجديدة تحتاج إلى تركيز السلطة وإقامة كيان مركزي يحكمه ويحدد أسسه.

 

والصعوبة البالغة التي صادفته هي تلك المتصلة ببناء عنصر الشعب؛ لأن إقامة شعب موحد هو أساس قيام أي دولة وهو ما واجهه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقوة وعزيمة. ومن هنا كانت أهمية وضع الوثيقة النبوية الأولى لبناء الدولة، وهو ما عرف تاريخيًّا باسم الصحيفة التي حددت عناصر الدولة ووضعت أسساً ذكية لتوثيق العلاقات بين سكان المدينة. وهكذا نجد أنفسنا أمام لجنة تأسيسية هي كل بطون المدينة والمهاجرين إليها فضلاً عن قائدها ونبيها، تضع عقداً اجتماعياً ترسي فيه مبادئ دستورية، توضح أساس التعامل بين مختلف فئات المجتمع، وبينهم وبين الجماعات المجاورة لهم، إننا أمام عقد حقيقي.

 

والواقع أن ما تضمنته وثيقة المدينة من مبادئ، إنما كانت بمثابة الخطوط الأساسية التي سارت عليها الدولة بزعامة رسولها (صلى الله عليه وسلم)، لذا فشأنها شأن المبادئ الدستورية تضع الكليات وتترك المجال لأدوات وتشريعات أخرى لكي تضع التفاصيل، تلك التفاصيل التي أولاها الرسول (صلى الله عليه وسلم) عنايته طوال حياته، لذا فإن العديد من الأعمال والوثائق اللاحقة من القرآن الكريم والسنة القولية أو الفعلية أو التفسيرية قد تكفلت بوضع هذه التفاصيل وأوضحت المعنى الحقيقي للمبادئ التي وردت بالوثيقة، لاسيما وأن الوحي لم يكن قد اكتمل بعد وقت كتابة الوثيقة، بل ظل ينزل على الرسول حتى وفاته، أي استمر قرابة عقد من الزمن بعد كتابة هذه الوثيقة، ولا شك أن الوحي قد تضمن أحكاماً جديدة وعلم الرسول والمسلمين العديد من الأمور، وحسم لهم العديد من المشاكل التي واجهتهم في المدينة.

 

ومع ذلك فإن قوة الدولة وضعفها، وتقدمها وتأخرها، إنما تعتمد على عناصر أخرى، أهمها مدى تفوق السكان، والكم ليس هو العنصر الحاسم في هذا الصدد، بل الكيف هم الأهم، وقد كشفت تجربة الإسلام عن أهمية الكيف هذه، إذ غلبت قلة من الأفراد المتميزين في أخوتهم وعقيدتهم، كثرة ساحقة ذات حضارات أقدم وتجارب أوسع، وولجت هذه القلة أسباب التقدم العلمي والاقتصادي والثقافي باتحادهم وتعاونهم. من هنا فإذا كان يكفي لوجود الدولة أن توجد جماعة بشرية كافية فإن الدول تعطي أهمية كبيرة لضرورة وجود قدر من الانسجام والتجانس في هذه الجماعة، أي أن تكون "أمة". والأمة تعني اصطلاحاً "جمع من الناس يرتبطون بروابط مشتركة من وحدة الجنس والدين واللغة والعادات". مما لا شك فيه أن الدولة التي تقوم على أمة واحدة هي أفضل من الدولة التي تحتوي أكثر من أمة، كما أنه من الواجب أن تضم الأمة الواحدة دولة واحدة، لا أن نوزع الأمة الواحدة على أكثر من دولة.

 

وهكذا شهدت أرض يثرب عملية بناء ضخم، فقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يبحث عن إقليم الدولة، الإقليم الذي يأوي إليه لكي يتمكن من نشر دعوة الإسلام، وبناء الأمة الإسلامية، وإظهار كلمة الله في الأرض، وجد الرسول ضالته في المدينة بعد أن استحالت إقامته وإمكان نشر دعوته بمكة، لذا اهتم بأمر هذا الإقليم، فحدده وجعله حرماً آمناً لمن يأوي إليه، كما أقامه أهل يثرب سلطاناً دنيوياً إلى جانب كونه الزعيم الديني والنبي المرسل لهم، ومن ثم تولى شؤون دينهم ودنياهم في هذا الوادي الجديد. وإذا تتبعنا حياة الرسول في المدينة نجده قد اهتم بالنسبة للعوامل الدينية بالمآخاة بين المهاجرين والأنصار، ووضع الوثيقة التي نتحدث عنها وهي وثيقة دستور المدينة، وبناء المسجد الذي اعتبر وحدة دينية واجتماعية وسياسية في نفس الوقت، وفرض الأذان وصلاة الجماعة. من هنا كانت الأهمية الفائقة لهذه الوثيقة، إذ بدأ الرسول(صلى الله عليه وسلم) أعمال التنظيم والتشريع بها، فقد تضمنت وضع اللبنات الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي، ولتحديد علاقة المسلمين بغيرهم ممن يعيشون معهم في المدينة، ثم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى، أو الجماعات الأخرى الموجودة خارج المدينة. وهكذا كانت المشكلة صعبة أمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) فليس الأمر يتصل بجماعات متنافرة لم تتعود على الخضوع لسلطة أو الالتفاف حول شخص بحسب، بل إن الأمر يتصل بعناصر غير متجانسة وبقوم غير قومه، ومنهم يهود ووثنيين، ومنهم أيضاً المسلمين المهاجرين من مكة، ومن الأنصار أهل المدينة.

 

وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد قام بعملية من أهم العمليات التي جرت في العالم، وهي عملية المآخاة والتكافل الاجتماعي بين المهاجرين والأنصار، وجعلهم أمة واحدة من دون الناس، فإنه قد أسس للسلام الاجتماعي بكتابة هذه الوثيقة التي وضحت الحقوق والواجبات المتبادلة بينهم من ناحية، وطبيعة العلاقة بينهم وبين العناصر الأخرى التي يتشكل منها شعب المدينة من ناحية أخرى. كان هذا الإخاء عملية فريدة في التاريخ الإنساني كله، والعجيب أنها تمت بشكل قانوني، لقد دعا الرسول أصحابه من المهاجرين والأنصار، وأخذ يآخي بينهم كل باسمه، ولم يستثن نفسه من القاعدة فآخى بينه وبين علي ابن أبي طالب، وأصبح هذا العمل بالشكل التعاقدي. ومن إنجازاته (صلى الله عليه وسلم): إحداث التصالح بين قبيلتي الأوس والخزرج تحت لواء العقيدة الجديدة، وموادعة اليهود وعمل على ترغيبهم  على الدخول في الدين الجديد، باعتبار أنهم أصحاب كتاب، وأنه خاتم المرسلين والأنبياء، ويبدو أنهم كانوا يتطلعون إلى مبعث نبي جديد في هذه الفترة. كانت العلاقة بينهم وبينه في هذه الفترة في أزهى صورها. وجلسوا إليه في فناء منزل (دمنة بن الحارث) في ظلال النخيل وهو يقرأ عليهم الصحيفة.

 

لاشك أن الوثيقة تعد نقطة بدء في عملية مهمة، تعد من أهم أحداث التاريخ؛ لأنها عملية بناء للرجال، وهي أشد أعمال البناء على الإطلاق. لقد تعب الفلاسفة والحكماء وهم يتصورون مجتمعاً مثالياً يقوم على التآلف والتآخي بين أفراده فما نجحوا سوى في الكتابة والتصور، أما خلق أمة متجانسة قوية، وتأسيس جماعة بهذه الروح التي عجب منها كافة من تصدى للكتابة في التاريخ الإسلامي، فهو أمر خصَّ الله سبحانه وتعالى به نبيه (صلى الله عليه وسلم).

 

لذا غير (صلى الله عليه وسلم) الرابطة القبلية، وأبدلها برابطة جديدة، قوامها المساواة بين الناس كل الناس، وعدم التمييز بينهم بسبب الجنس أو اللون، أو الدين وجعلها أساساً في الدولة الجديدة. بعبارة أخرى، لم يعتبر الإسلام في تكوين الدولة الجديدة، الجنسية، أو العنصرية ولا حتى التوطن في بلد معين، وإنما وحد بين الجميع بالفكرة أو العقيدة التي يعتنقها الكل عن رضا وإيمان.

 

ولقد تمت هذه المهمة الضخمة بالنجاح، ولما انتقل محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى جوار ربه، كانت السكينة ترفرف على أكبر جزء من شبه الجزيرة العربية بصورة لم تكن القبائل العربية تعرفها من قبل، مع شدة تعلقها بالتدمير وأخذها بالثأر، وكان الدين الإسلامي هو الذي مهَّد السبيل لهذا الائتلاف. فهلا تعلمنا الإخاء والتكافل والرحمة وقبول الآخر من رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام.

 

* الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية

 
 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus