الأحد 07 مارس 2021
توقيت مصر 05:12 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

طارق البشرى.. الأصالة كلها هنا

 
قد دعوت الله سبحانه وأرجوه أبدا أن أكون لا على ملك أحد من الناس.. وأن أكون على حكم ملكه تعالى.. ورجوته  وأرجوه تعالى أن يبقي على ملكي التام.. تلك المساحة الصغيرة التي لا تجاوز حجم الحصاة.. والتي تقع بين سن القلم وسطح الورق.. وأن يبقيها لي حرما آمنا لا تنفتح لغير النظر والفهم.. ولا تنفتح لدخل أو غصب أو غواية.. وفي النهاية يرد الصواب والخطأ.. صواب مجتهد وخطأ مجتهد.. اللهم هذا قسمي فيما أملك.. فلا تؤاخذني على قسم فيما لا أملك.. مما زاغ عنه البصر أو غفل عنه الخاطر أو ند عنه الفكر أو قصر عنه الفهم.. والحمد لله.  

سمعت منه هذه الكلمات وأيضا قرأتها .. وها أنا أكتبها.. فلا تملك دمعك الذي تجمع في عينيك حبا وإكبارا وإجلالا لقائلها .. إنه (طارق البشرى ) .. المعنى الكبير الذى منح حياتنا ألف معنى ومعنى .. الجسر الممدود بين المدينة الفاضلة والمدينة الممكنة  يروح ويغدو بينهما ناصحا أمينا.. حكيما فى قوله وفعله.. وبين كل ذلك قلبا كبيرا يتدفق نورا وحبا وحنانا..                                                                                                  إذا تحدثت عنه فلن تجد أوفى وأكمل من وصف(الأصالة) بيتا أصيلا.. خلقا أصيلا.. فكرا أصيلا ..عمرا من الأصالة كلها . 

**** 

كان ذلك في شتاء 2005م في دار أخبار اليوم .. وكانت فرحتى بلقائه وحضوره ومجالسته تفوق أى شعور أخر..  كانت ندوة مغلقة عن (العلاقة بين أبناء الوطن الواحد) كان الراحل الكبيرجمال الغيطانى قد دعا إليها في أخبار الأدب وكان هو على رأس الحضور.. كنت أول مرة ألتقية.                            كان هناك أيضا الراحل د. ميلاد  حنا وهو معروف بيساريته الطريفة والتى تخفي تحتها إيمانا قويا.. وكان موجود أيضا د. نبيل عبد الفتاح الباحث المعروف بمركز الاهرام و الذي كان قريبا من دوائر الكنيسة القبطية وقتها والأستاذ سمير مرقس  المعروف عنه إهتمامه بفكرة الجماعة الوطنية..                الحاصل أن صاحب كتاب(المسلمين والأقباط في إطار الجماعة الوطنية)  تحدث يومها حتى أشبع اللفظ والمعنى  وغرفت أنا من إنائه - كما يقولون - وقلت بعد انتهاء كلمته  كلاما يشابه كلامه ويقترب منه كثيرا .. مما أهلني لأن أسير في صحبته من مبنى أخبار اليوم حتى ميدان التحرير واضعا يده في ذراعي كصديقين حميمين رغم أنه اللقاء الأول.                                ونشأت بيننا صداقة  جميلة يملؤها _من جانبى_ الحب والاحترام والفرح ، وزادا واسعا من الفهم للحياة والناس... 

**** 

تقترب حقائق الأشياء من بصيرته فيراها أكثر مما يراها غيره ..هكذا هو(الحكيم) .. والحكمة يؤتيها الله من يشاء. هو قد جرت من تحت قلمه أنهار مديدة في كل ما يتعلق بـ(الجماعة الوطنية) سواء ما يخص الحالة القبطية أو ما يخص فكرة (الدولة) نفسها كتنظيم إداري صلب لا علاقة له بشخص الحاكم .. وكان قلقا من فكرة شخصنة الدولة فى شخص (مبارك) الرئيس الأسبق ..كانت فترة حكمه قد طالت بأكثر مما ينبغى وتشابهت بأكثر مما ينبغى وتجمدت بأكثر مما ينبغى ..   

لا خير في الدنيا إن لم تزر حبيبا ** ولم يفرح بزيارتك حبيب.. كان حبيبا ولازال وسيظل أبدا ..وكان الحديث معه دائما غوصا في الأعماق.. أعماق كل شىء يتناوله ..هو لا يقترب من شىء لا يعرفه  لكنه يعرف أعمق المعرفه ما يقترب منه ويتناوله ..قد يبدو لك أنه بعيدا غائبا لكنه  دائما في صميم المشهد ..    ذات مرة حدثني عن الشعر الحديث والشعر العمودي حديثا واسعا تتوقعه من ناقد أدبي أو باحث في اللغة العربية أما وأن تسمعه من قاض وفقيه دستورى ومفكر ومؤرخ  فهذا هو طارق البشرى .. وسمّع عن ظهر قلب قصيدة مشهورة لخليل مطران.. ذاكرة حاضرة بالوعي والمعنى..  وعقل يُسبغ على أي فكرة بعدا وعمقا جديدا وضبطا هائلا في استخدام الألفاظ. 

**** 

أخذنا الحديث ذات مرة عن مجتمعات (ما بعد العلمانية) .. العلمانية أصبحت مثل أفلام الأبيض والاسود  غادرت الزمان والمكان والناس والحياة .. هناك الإيمان والوعى بالمصير والمسألة الاخلاقية استنادا للفكرة الدينية .. وأعربت له عن تأثري الكبير بما قاله في ذلك ابن مدرسة فرانكفورت المفكر الألمانى الشهير (هابرماس) الذى قال : أن الثقافة الغربية تجاوزت محنة الإيمان بجدلية العلاقة بين المرجعية الدينية والديمقراطية مؤكدا على الدور الهام للدين في التكوين الاجتماعى والسياسي للشعوب..                                                                   

فأضاف هو بعدا أعمق لكلام (هابرماس) عن العلمانية، وقال : إن العلمانية حينما تقول لي استقل سياسيا واقتصاديا تفقدني الهوية التي بها أستقل وتفقدني إرادة الاستقلال.. فاستقلالي هنا لا يكون بإرادة حقيقية.. ويضيف: الفكر العلماني في مأزق حقيقى لأنه يؤدي إلى تجريد الإنسان من هويته المرتبطة بعقيدته وحضارته بالإضافة إلى أنه مناقض لقيم الديمقراطية .. لأن الديمقراطية في النهاية تكوينات شعبية لها استقلالية ذاتية في إدارة شؤونها الخاصة وانصياع لحكم الغالبية من الناس الذين قد اختاروا الموقف الديني والموقف العقائدي أساسا لرؤيتهم ودنياهم...                        اليسار المصرى حانق على الرجل لكنه يكن له احتراما كبيرا...ولا أنسى كلمة الأستاذ الراحل محمود أمين العالم عنه: طارق البشري مهما حدث فهو إبن اليسار.. كتابه الهام (الديمقراطية و23 يوليو) وكتاب (الديمقراطية والناصرية) من أصدق وأدق ما كتب عن المرحلة الناصرية رغم خلافنا الجميل كلما جاءت هذه السيرة ويقول: اسمح لى يا هشام فقضية استقلال الإرادة الوطنية كانت أهم قضايا جيلنا  وفي هذه الفترة تحديدا تحقق لنا قدر من استقلال القرار. 

**** 

ليكن رأيك وعقلك، فلا يعظمن عليك فوت ما فات ولا تأخير ما تأخر.. هكذا يقول أهل الطريق .. قال في أحد حواراته عن لحظة اليقين التى جاء بها العرفان والإشراق في عمره: كانت قمة استعادتي لهويتي الإسلامية رحلة الحج التي قمت بها عام 1983 ولم أسافر للحج إلا بعد أن وجدت نفسي خلصت لهذا الأمر وأعدت بنائي الفكري والسلوكي على أساس إسلامي .. وقد أخذ مني ذلك وقتا كبيرا حتى أسافر وأنا نظيف.
وهناك شعرت كأنني خرجت من جاذبية كوكب معين إلى جاذبية كوكب آخر وحينما رأيت الكعبة سألت نفسي: من الذي أتى بي إلى هنا ؟ وشعرت بهداية الله وتذكرت قوله تعالى: (ثم تاب عليهم ليتوبوا). 

**** 

وهل يتعايش الناس بينهم إلا بالحب والوفاء..قالها(عمر) وأودعها قلوب أهلها فعاشوا بها سعداء وإن أضنتهم.. مطمئنين وإن آلمتهم ..وما أضناهم وما ألمهم  إلا من حب على حب و من وفاء على وفاء .. يتقلبون على ذكرى ويتهاتفون على حنين ولا يملكون إلا عبرة ودمعة وخاطر حزين يطوف بهم على أرواح سكنوها وسكنتهم يتلمسون منها سلوى وعزاء وقبس من روح من أحبوا .. 

الأستاذ طارق يمر الأن بظرف صحى .. وأطباؤه الكرام يولونه كل رعايتهم وحبهم .. وإذا شاء الله وخرج لأهله وأصدقائه وتلاميذه بالسلامة فالحمد لله كثيرا ..وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ..