الجمعة 27 نوفمبر 2020
توقيت مصر 16:03 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

الشجرة المسمومة وثمارها الخبيثة فى حياة المصريين

 
سيلفت نظرنا أن الإسلام تعامل مع الإنسان تعاملا تجريديا من حيث كونه أدمى(خام) يحمل كل خصائص الخير وكل خصائص الشر في نفس الحال.. وأن حياته على الأرض ما هى إلا عملية (اختيار) بين هذا الخير وهذا الشر والآية الكريمة فى سورة البلد واضحة في بيان هذا المعنى( وهديناه النجدين) وسنرى أيضا أن النفسية الإنسانية باتساعها الشاسع قادرة على إرتكاب أبشع أنواع الجرائم وقادرة على أنبل أنواع التضحيات ..كما سنفهم من الإسلام أن التركيبة الإنسانية تخلو من الكمال والعصمة..وأن أعظم تجليات السلوك الإنساني هو الخطأ والندم ..ان تخطئ وتندم هو أن تكون(إنسانا)..والإسلام لايتعامل مع صفات ليس لها وجود في الإنسان فهناك غرائز لا يتهمها الإسلام ولكنه يتفهمها :كما يقول العلامة على عزت بيجوفيتش في كتابه العمدة(الإسلام بين الشرق والغرب)..ويذهب في فهم معنى سجود الملائكة للإنسان على تفوق ما هو إنساني على ما هو ملائكي.. 

 كما سنرى أن الإسلام ينظر إلى الخلاف بين البشر على أنه حقيقة من حقائق الحياة بل وضرورة من ضرورات الوجود الإنساني والآية الكريمة في سورة هود تنص على أنه (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ... إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)الخلاف بين الناس إذن أمر طبيعي وصفة إنسانية أصيلة وكما يقول الشاعر: ليس يخلو المرء من ضد ولَو**حاول العزلة في رأسِ الجبل ..                             

و سنرى أن الإسلام زودنا بأوضح وأسهل السبل للعيش الصحيح المشترك مع كل هذه المكونات.. وهذه أحد أهم الصفات التى يتصف بها الإسلام.. إنه دين وحياة (قل أمنت بالله ثم استقم)..فالسلوك الإنساني الأمثل يقوم على الكمال الروحى والآية الكريمة(الذين امنوا وعملوا الصالحات ..) تتكرر في القران أكثر من 50 مرة.. وهى تفرق بوضوح بين الإيمان والأخلاق ولكنها تأمر بضرورة أن يسير الاثنان معا.. ولا يمكن ولا يكون أحدهما أبدا في غياب الأخر .. يقولون أن الأخلاق ما هى إلا دين تحول إلى قواعد وسلوك..وفى حقيقة الأمر لا يمكن تصور أى إصلاح أخلاقي حقيقي بدون يقظة دينية.. حرفيا ..ليس هناك ضمان للثبات الأخلاقي إلا بالدين والبير كامو الأديب الفرنسى المشهور(1913 -1960م) له رواية جميلة اسمها (الغريب) مشهورة جدا .. يقول فيها ساخرا إن كل شيء جائز طالما أنه ليس هناك إيمان وأن الإنسان يموت..                                                                      باختصار سنجد أن المجتمع المؤمن مجتمع تسيطر عليه مشاعر الحب والتضامن والتضحية ..مجتمع الأخوة والصداقة والعدالة . فهناك إيمان وهناك موت وهناك بعث وحساب والأية الكريمة في سورة القيامة تقول بوضوح (أيحسب الإنسان أن يٌترك سدى)...بلا تكليف ولا حساب ..استحالة طبعا ..  

**** 

أقول ذلك وعيني تنظر إلى واقع حياتنا بكثير الحزن.. فنحن مؤمنون.. ولكن يا بعد ما بيننا وبين تجليات الإيمان في حياتنا وسلوكنا اليومي .. يقولون أن الشخصية المصرية  تميزت على مر العصور بصفات وسمات أصيلة (الذكاء/ التدين/ الطيبة/ السخرية البريئة/ الميل للاستقرار) وهي الصفات التي تكاد تكون أبرز ملامح الخريطة الأساسية لهذه الشخصية الفريدة في وعي المصريين بأنفسهم  ووعي غيرهم بهم.. كان المصريون لا يعيشون إلا في أجواء من العلاقات الطيبة الحميمة الجميلة وخصوصا وقت الشدائد ..وكانوا لا يشعرون بوجودهم إلا من خلال هذه الأخلاق  أزمات تلو أزمات وما كان المصريون إلا يدا واحدة من الترابط والحب والمحبة والعطاء . 

لكن كثيرا من الباحثين يرصدون تحولات عميقة ومقلقة في هذه الصفات والسمات ..تغيرات حادة وعميقة أصابت المصريين وحياتهم صاحبها اهتزاز عنيف في البنية الأخلاقية والطبع المصري وأعرافه الأصيلة.. يقولون إن الأخطاء الصغيرة يضاف إليها عامل الزمن فتتحول إلى كوارث كبيرة.. ثم أتت أم الهزائم (5يونيو 1967 والتي كانت نموذجا أسود للخداع والكذب والتضليل وأحدثت صدمة عاتية وتغيرات جذرية عميقة في الشخصية المصرية.  

*** 

أصبح العنف سمة عامة فى سلوكيات المصريين اليومية ..فلا يخلو شارع ولا حارة بدون عنف وصراخ على مستوى الاحتكاك بين الناس في أدنى صور المعاملات  مصحوبا بألفاظ نابية كادت تكون لغة رسمية فى التعامل العادى وعلى نحومرعب..أصبح كل ذلك سلوكا اعتياديا و بصورة متكررة  .. مدفوعا بمواقف غير مفهومة من الغضب المصحوب بالإحباط دفاعا عن الذات أو الممتلكات مع رغبة شرسة فى الانتقام والتشفى وما يترتب عليه من إلحاق أذى بدني أو مادي أو نفسى بالآخرين .هذه الظاهرة أصبحت مستشريه فى الشارع المصرى حاليا وبشكل لافت للنظر خاصة فى الآونة الأخيرة..و كلما قل الوعى كلما زاد معدل تلك الظاهرة ففضلا عن تفشى ظاهرة العشوائيات(والتى تحاول الحكومة السيطرة عليها) والاختناقات المرورية والزحام والإحساس بالغبن وانتشار السلوكيات السلبية مثل الانتهازية والنصب والاحتيال والكذب ومحاولة الكسب السريع بغير جهد أو بأقل جهد والرشوة والمحسوبية ..وكثير مما يساعد على نشر شعور عام بالظلم الاجتماعى.  

كل ذلك سندركه بسهولة بمجرد الخروج إلى الشارع والنظر فى وجوه الناس.. متأزمون غاضبون متحفزون عدوانيون..وستتضح لك الصورة أكثر إذا كنت(عجوزا)تقارن وجوه الناس وأحوالهم بفترات سابقة كان المصريون فيها يتسمون بالطيبة والمرح والتفاؤل والإيثار..ستنقلب الصورة 180 درجة لترى القسوة والكآبة والتشاؤم والأنانية والانتهازية والفهلوة والرغبة العارمة فى الكسب السريع بأى شكل من الأشكال ..اختفت(الطيبة) بوضوح وحل محلها الميل للعنف والعدوانية والشراسة.  

**** 

كلام سيجموند فرويد(1856 -1939م) عن أن الإنسان كائن عنيف وعدوانى بطبعه ..ولديه أهواء وغرائز تحتم عليه القيام بسلوكيات ذات نزعة تدميرية بقصد إشباع تلك الغرائز يرفضه الدين جملة وتفصيلا ..وقد رأينا سخرية البير كامو من هذا الكلام في إشارته إلى الإيمان والموت ..الإنسان البسيط العادى يملك دينا وعقلا يقوى على كبح جماح كل تلك( النزعة التدميرية) ..فى أدبيات الدين عندنا: أن تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك.. هكذا يقول الدين يا عم فرويد.  

لكن نماذج (التدين) لدى المصريين بعضها أصيل وعميق وسمح وبعضها غير ذلك. .وغير ذلك وجد له فراغا هائلا تمدد فيه طولا وعرضا. .وأكتسب ما يصفه العلامة د/عبد الوهاب المسيرى(1938- 2008م) بـ(تدين بلا أعباء)..الأخلاق ليت سلوكا سهلا ولا محبوبا في كل الأوقات..ستحتاج أحيانا الى أن تعانى كى تكون(أخلاقيا)..تذكر الأية الكريمة في سورة الحشر (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) .. والشح ليس شح المال فقط ..صحيح هو أبرز أشكاله ..لكن القسوة شح في الرحمة..الأنانية شح في الإيثار..إنكار الفضل شح في الشكر..البلادة شح في الشعور..وكثير هو ذلك (الشح ) الذى يأمرنا الدين بوضوح مباشر بالعمل على وقاية أنفسنا منه. 

**** 

صحيح أن الدين جزء لا يتجزأ من طبيعة الشعب المصري وهو يعيشه في تسامح يندر أن يكون له نظير في العالم وهو عند المصريين شديدة العمق التجذر.. بل  ويقولون إن تاريخ مصر في كل مراحلها وتطورها ما هو إلا تاريخ أديانها..لكن وللأسف الشديد غاب الدين عن السلوك ..الدين حياة كاملة يعيشها المسلم في أنفاسه وخطراته ومواقفه وأفعاله .. وإلا فلا وألف لا .. سنتذكر بنى إسرائيل وما كانوا عليه قبل مجيء السيد المسيح الذى قال لهم ( السبت قد خُلق لأجل الإنسان، ولم يخلق الإنسان لأجل السبت) ولكن عقول بنى إسرائيل توقفت عن فَهم ذلك كله...            

وقال لهم أيضا( ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولعلًة تطيلون صلواتكم !!.. لذلك تأخذون دينونة أعظم ..)..ثم جاء الإسلام ليؤكد لنا فى سورة البقرة (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون )..ويؤكد لنا أن من يصلى ويصوم ويؤذى جاره فهو في النار.. وإيذاء الجار هنا رمزية مفتوحة لمعنى الأذى.. وما أدراك ما موقف الإسلام من الأذى..ولن أتحدث هنا عن تيارات الصحوة ودورها الذى غاب ..والتى طلبت السلطان قبل القرآن ..والدولة قبل الدين .. 

**** 

على أن أسوأ أنواع التغير الذى لمس جوانب الشخصية المصرية هو المتمثل في الصراعات العائلية ..الأقربون.. هل تتوقع ممن يكون حاله مع أهله فى  حال الأذى والضر..أن يخرج الى المجتمع من  شخصا من أصحاب الخيرات؟ ولعلها الحكمة العميقة في الحض الدينى على إكرام (الأقربين)..فالإنسان كل لا يتجزأ ..والخير عادة كما يقولون ..خطاب الدين في شأن (الأسرة والعائلة الصغيرة والكبيرة الممتدة) خطابا صارما وقويا ..لأن الإنسان هنا..هو نفسه هناك ..هل نتحدث عن كم القضايا العائلية المنظورة أمام المحاكم ..؟من صراعات الأزواج وأكل الميراث وغيره من كافة أشكال الظلم والبغى بين الأقربين ؟..سنكتشف سريعا أنها الدائرة الملعونة من العائلة للمجتمع والعكس صحيح ..وهو ما يسمونه(الشجرة المسمومة) وفروعها الخبيثة الملتفة على أعناق الجميع ..  

وللأسف البلغ سنجد أن الدراما المصرية بعد أن كانت قوة عابرة ننشر بها ثقافتنا وقيمنا الدينية والأخلاقية.. أصبحت مضادة لنا تمحو هويتنا وتغرس قيم سلبية وتقطع أواصر الأسرة بصورة منهجية (مسلسل البرنس مثلا..مسلسلا يعمل على تعزيز الكراهية والانتقام بين أفراد العائلة الواحدة وبشكل مبالغ فيه..). 

**** 

وأختم بقول الشاعر الكبير محمد إقبال(1877 -1938م): إذا الإيمان ضاع فلا أمان *** ولا دنيا لمن لم يحي دينا.  ومن رضِي الحياة بغير دِين *** فقد جعل الفناء لها قرينا.. والتى ترجمها الشاعر الكبير الصاوى شعلان(1902-1982م) وشدت بها السيدة أم كلثوم في لحن من أروع ألحان رياض السنباطى(1906 -1981م).. (حديث الروح).