الجمعة 27 نوفمبر 2020
توقيت مصر 17:04 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

الإسلام والرومانتيكية الغربية

 
إذا قال باحث أو مؤرخ إن الرومانتيكية الغربية استلهمت بعض السمات و الشخصيات الإسلامية وخاصة النبي محمدا صلى الله عليه بشكل مباشر وغير مباشر ، فسوف يتفق معه الكثيرون ، بل  وربما يكون هناك إجماع نقدي على تلك المقولة ، فكتاب كبار في الرومانتيكية  الألمانية مثل جوته Geothe  و يوهان جوتفريد هردر Johann Gottfried Herderو(حتى المتأرجحين رومانتيكيا) مثل هاينه Heine  ، وكتاب كبار في الرومانتيكية الإنجليزية مثل بايرون وكوليردج وورث ، وكتاب كبار  في الرومانتيكية الفرنسية مثل جان جاك روسو و فيكتور هيجو ولا مارتين ،  وكذلك الرومانتيكية الأمريكية ممثلة في واشنطن إرفنج وإدجار ألان بو، كل هؤلاء  تناولوا  الإسلام في أعمالهم الأدبية وقصائدهم سواء كان هذا التناول مدحا أو ذما ، توقيرا أو ازدراء ، قبولا أو رفضا . لكن أن يخرج كاتب أو باحث ليعلن أن الرومانتيكة الغربية قد تأثرت خيالا وروحا نتيجة للاشتباك مع الثقافة الإسلامية ، وأن الإسلام يمثل أحد العوامل المهمة في تشكيل الروح الرومانتيكية وظهور الرومانتيكية الغربية ، فهذا لابد أن يثير جدلا كبيرا بين المؤرخين والنقاد و الباحثين ، وهذا ما فعله الكاتب الإنجليزي جيفري آينبودن   Jefrey Einboden في كتابه المعنون بـ: "الإسلام والرومانتيكية : Isalm and Romanticismالتيارات المسلمة ، من جوته وحتى إميرسون، الإسهامات الإسلامية و المسلمة في الثقافة والحضارة . وعلى الرغم من أن الكتاب صدر في عام 2014م ، فإن الثقافة العربية و النقاد العرب لم يلتفتوا إليه  كثيرا ، إما عمدا وتجاهلا أو رفضا وتكاسلا . فقضية بهذا الطرح ، لا تعني فقط أن الأرض (بتتكلم عربي) ، ولكن تعني أيضا أن الكون ذاته تأثر بالثقافة الإسلامية ، وربما تكون في هذه المبالغة  غمط لحق الآخرين في الإسهام الحضاري العالمي ، فالكل شركاء في إقامة هذا البنيان الثقافي قديما وحديثا . لكن بقليل من التأمل والمناقشة الهادئة يمكن أن نتقبل هذا الفكرة ، ونطرحها للبحث العلمي و الأكاديمي . وربما لا نتعجب عندما نستدعي مقولة هيجل : إن الإسلام مثل مرحلة مهمة في تطوير روح العالم ، ومع ذلك فهو قد أكمل دوره ، ولم نعد بحاجة إليه على حد تعبير هيجل.
وعلى الرغم من تحفظ هيجل على استمراية الدور الذي يلعبه الإسلام ، فإن كتابا آخرين ، لم يتحفظوا ، بل أعلنوا بحب وحماس عن الدور الذي يمثله الإسلام ونبي الإسلام في مركزية الإشعاع الحضاري للعالم ، ومن هؤلاء المتحمسين الكاتب البريطاني توماس كارلايل الذي وصف محمد صلى الله عليه وسلم بالنبي البطل. وإذا كان جان جاك روسو(1712-1778) يعرفه البعض بأنه أبو الرومانتيكية الغربية ، فإن جان جاك روسو قد تأثر إلى حد كبير بفكرة التسامح الإسلامي ، واعتبر أن الإسلام أحد المكونات الرئيسة في المجتمع الغربي. لكن يبدو أن الفضل الأكبر في التعرف على الإسلام يعود للكاتب  الفرنسي هنري ديبولنفيرس  Henri De Boulainvilliers   (1658-1722 ) الذي كان له تأثير كبير في أوروبا حتى يبدو أنه كان سببا رئيسا في تراجع فولتير عن النقد الذي وجهه لنبي الإسلام في بداياته الأدبية ، وأشاد به في أواخر حياته. لقد كان للشرق Orient   تأثير كبيرعلى الغرب Occident  من خلال ترجمات القرآن الكريم على الرغم من عدم دقتها ومغالطاتها ، ومن خلال الأدب الصوفي ،والفارسي ، وترجمة ألف ليلة وليلة حتى أصبح الشرق يمثل عالما سحريا للعقلية الغربية ، فكثرت هجرات الأدباء و المفكرين الغربيين للتعرف على الثقافة الشرقية و برزت أعمال أدبية تحمل اسم الشرق والشرقيات ومنها  الشرقيات Les orientales  لفيكتور هوجو التي تأثرت كثيرا بالحرب اليونانية التركية في ذلك الوقت ، والتي كانت تحمل غضبا واحدا ضد الشرق قبل أن يعيد هوجو القراءة الناضجة ، ويقدم أعمالا أخرى أكثر إعجابا وانبهارا. إن ادعء بعض المؤرخين الغربيين أن الرومانتيكية الغربية كانت تمردا على عصر التنوير ، دون تقديم مبررات لهذا التمرد ، ودون تحليل لعوامل هذا التمرد الذي جاء نتيجة للاشتباك كع روح  وثقافة الشرق ، يجعل الحاجة ملحة لإعادة كتابة التاريخ الغربي الوسيط والحديث لاكتشاف تأثير نبي الإسلام والقرآن في تشكيل الوجدان و الفكر الغربي فين كمثير من مراحله ومحطاته التاريخية ، تصديقا لقوله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .وفي النهاية هل يمكننا أن نتسم بشيء من الجرأة لنقول : إن كلاسيكية الشرق رومانتيكية الغرب.