الجمعة 21 يناير 2022
توقيت مصر 18:34 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

بعد كورونا الجنيه المصري إلى أين يتجه ؟

unnamed
ارشيفية
Native
Teads

 يوم الثالث من نوفمبر تشرين الثاني عام 2016 اتخذت الحكومة المصرية قرارا بتحرير و تعويم سعر الجنيه المصري مقابل العملات الأخرى و بالأخص الدولار الأمريكي، و كنتيجة حتمية  لذلك انهارت قيمة الجنيه المصري مقابل  الدولار الأمريكي. و لقد آثار هذا القرار الكثير من الجدل بين الخبراء  الاقتصاديين و الخبران ، و أيضا السخط بين عموم الناس بسبب ارتفاع مستويات التضخم و الكثير من  أسعار الأساسية  المستوردة.
الآن و بعد خمس سنوات من هذا القرار مازالت تبعات هذا القرار تؤثر على  الاقتصادي المصري ومعه الجنيه، و السؤال المهم هو، هل هذا التأثير سلبي أم إيجابي و هل سيستمر تراجع قيمة الجنيه المصري؟ و لكن قبل الاجابة عن هذا السؤال سوف نتطرق إلى مفهوم تعويم العملة و متى يطبق ، و أيضا لماذا لجأت إليه الحكومة المصرية في ذلك الوقت.

ما هو مفهوم تعويم العملة:

يُقال تعويم سعر العملة أو تحرير سعر العملة  أي جعل سعرها حر الحركة تماما، أي أن يرتفع و ينخفض(يتذبذب) بحرية حسب قانون العرض و الطلب (مثل السلع) دون تدخل أي جهة حكومية و التي هي الغالب البنك المركزي للدولة، في حالة مصر البنك المركزي المصري ، أم في الولايات المتحدة الأمريكية فهو البنك الاحتياطي الفدرالي. أغلب الاقتصادات المتطورة لديها عملات عائمة مثل الدولار الأمريكي و اليورو و الين الياباني و الجنيه الإسترليني و التي يمكن تداولها عبر الإنترنت  من خلال شركات الوساطة.

في المقابل هنا سعر العملة الثابت، أين يعمل البنك المركزي على الحفاظ على سعر العملة يتذبذب في نطاقات ضيقة جدا باستعمال التدخل المباشر في السوق أو بسن القوانين التي تصعب من حركة تداول العملات الأجنبية في البلاد. و من أشهر الدول التي تحافظ على قيمة ثابتة و  منخفضة لعملتها الصين من أجل دعم تنافسية صادراتها، و هو ما يثير حنق الكثير من الدول و خاصة الولايات المتحدة.
و هناك نوعين من تعويم العلمة، أولا التعويم التام (الخالص) و الذي تنسحب في الدولة تماما من التدخل المباشر في السوق، و تبقى تدخلاتها غير مباشرة عبر السياسة النقدية و أسعار الفائدة. و الثاني هو التعويم الموّج، أين يمكن للدولة أن تتدخل مباشرة في السوق في لتوجيه سعر العملة في اتجاه معين عند الحاجة.

لماذا قررت الحكومة المصرية تعويم قيمة الجنيه:

هناك جدلا كبير بين علماء الاقتصاد حول فعالية تعويم العملة و هل ايجابياته أكبر من سلبياته أم العكس، و تبقى الاجابة عن هذا السؤال نسبية و تختلف حسب ظروف كل دولة. و يرى التيار المؤيد لتعويم العملات أن تحرير  الأسعار ، كل الأسعار، سواء أسعار السلع والخدمات، أسعار العمل (الأجور)، أسعار الصرف و غيرها ، وترك عملية تحديدها للسوق وحده دون تدخل الدولة سوق يؤدي في النهاية إلى بلوغ حالة التوازن و الاستقرار. عادة تقوم الدول  بتعويم عملتها عندما تواجه اضطرابات في أوضاعها الاقتصادية و المالية تراجع قدرة البنك المركزي على التحكم في أسعار العملة المحلية مع تراجع احتياطات الصرف الأجنبي و خاصة الدولار الأمريكي.

بالنسبة للحالة المصرية، في عام 2016 كانت الحكومة تواجه وضعا اقتصاديا خطيرا و هشا مع تراجع حجم الاحتياطات النقدية من العملات الأجنبية إلى أدنى مستوياته عند 16,3 مليار دولار مقابل 36 مليار دولار في عام 2011. جاء ذلك بعد سنوات من التراجع المستمر في التدفقات الخارجية من العملات الأجنبية سواء من تحولات المهاجرين ، أو عائدات السياحة و أيضا الاستثمارات الأجنبية بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها مصر في تلك المرحلة.
وتعتمد مصر على الاستيراد لتلبية نسبة كبيرة من حاجاته ممن السلع الأساسية، وأدى نقص الموارد من العملات الأجنبية إلى تداعيات سلبية إذ تراجعت معدلات استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج وهذا ما انعكس سلبا على الكثير من القطاعات الصناعة والتجارة والتصدير.
 أيضا شهدت مصر ارتفاع مستويات المضاربة على الدولار  في السوق السوداء التي كانت لديها أسعارها الخاصة (المعوّمة)المرتفعة جدا التي كانت تبلغ حوالي 18 جنيه مقابل 8,9 جنيه الأسعار الرسمية في البنوك . وهو ما أدى إلى قيام الناس بسحب أرصدتهم من الدولار من النظام المالي الرسمي و البنوك.

و بالتالي فإن القضاء على هذه الظاهرة كان من أهم أهداف البنك المركزي هو الوضع الذي كان ينفّر المستثمرين الأجانب في ظل وجود سعرين للعملة ما يشكل عقبة كبيرة في تقييمهم للمخاطر و الأرباح من الاستثمار في مصر. كما أن تحرير سعر العملة كان أحد المطالب الرئيسية لصندوق النقد الدولي حتى يوافق على إقراض مصر 12 مليار دولار على مدى 3 سنوات. طبعا هناك الكثير من الأسباب الاخرى لا يتسع المجال لذكرها و لكن هذه هي الصورة العامة التي أدت إلى اتخاذ قرار التعويم.


أداء الجنيه المصري  مقابل الدولار بعد قرار التعويم:

كانت من النتائج المباشرة و المتوقعة لقرار تعويم الجنيه المصري هو انهيار تام لقيمته، حيث انخفض من مستوى 8,9 جنيه حتى 19,8 جنيه أي بأكثر من 120% خلال أيام معدودة ، قبل أن يقلص قليلا من هذه الخاسر و يرتفع  إلى مستويات قريبة من  17,7 جنيه بعد عام من القرار. مع بداية عام 2019 بدأ سعر الجنيه المصري رحلة بطيئة من التعافي و صلت به إلى حدود 15,5 جنيه أي بارتفاع فاق 20% من أدنى مستوياته التي سجلها عام 2016. هذه الحركة الإيجابية عرفت انعكاس مؤقت مع تفشي فيروس كورونا عام 2020 و تعرض الاقتصاد العالمي و معه الاقتصاد المصري للانكماش ، لكن سرعان ما استعاد الجنيه المصري زمام المبادرة مع التعافي السريع للاقتصاد المصري من تبعات أزمة كورونا.



هل حقق التعويم أهدافه؟

هذا النوع من القرارات الاقتصادية في العادة يكون له أهداف و آثار استراتيجية بعيدة المدى، فالتغيير الاقتصادي لا يحدث بين ليلة وضحاها، وغالبا ما تكون الآثار السلبية آنية و سبّاقة و يمكن أن تسبب الكثير من الاضطرابات السياسية و الاقتصادية، و م، أهم هذه النتائج المباشرة هي ارتفاع مستويات الأسعار و التضخم في مصر إلى مستويات قياسية حيث بلغت بعد الارتفاعات أكثر من 150%، أثرت بشكل سلبي كبير على فئة واسعة من المجتمع المصري وخاصة الموظفين من الطبقة المتوسطة و الفقيرة، و خسر الكثيرون نسبة كبيرة من قيمة مدخراتهم و تراجعت القدرة الشرائية.

في المقابل وبعد خمس سنوات من قرار التعويم فإن أهم هدف تم تحقيقه و بصورة جلية هو اختفاء السوق الموازية و تحول التداولات إلى القنوات الرسمية، ما شجع على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية التي بلغت أرقام قياسية قات 500 مليار دولار خلال 5 سنوات سواء من المصريين المقيمين في الخارج أو من المستثمرين الأجانب مع تحرر وتنظيم التداول عبر البنوك. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن 60% من إجمالي التعاملات بالدولار قبل التعويم كانت تتم في السوق الموازية، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة للبنوك.

 كما ارتفعت قيمة الصادرات المصرية مع ارتفاع أرباح المصدرين و اكتسابهم ميزة تنافسية مع تراجع قيمة المصري. فحسب الاحصاءات الرسمية زادت قيمة الصادرات المصرية بنسبة 59.3%، لتسجل 34.4 مليار دولار في 2020 - 2021 بعدما سجلت 21.6 مليار دولار في 2015 - 2016. و بالنسبة لاحتياطات  النقد الأجنبي، فقد ارتفعت بنسبة 108.2%، ليسجل 40.8 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2021 مقارنة بـ 19.6 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2016". بينما  ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 83.6%، لتبلغ 31.4 مليار دولار في 2020- 2021 مقارنة بـ 17.1 مليار دولار في 2015 -2016.

رغم أن الكثير من المصريين مازالوا يعانون من الآثار السلبية للإصلاحات المالية التي قام بها البنك المركزي و تعويم قيمة الجنيه المصري ، إلا أنه و بشكل العام يبدو أن نتائج هذه القرارات تيسير في الاتجاه الصحيح حتى الآن ، فمؤشرات الاقتصاد الكلية في مصر تشهد نموا ايجابيا حتى الآن على الرغم من تداعيات فيروس كورونا. و قيمة الجنيه مستقرة مع ميل طفيف نحو الارتفاع ، و شير أغلب توقعات المؤسسات المالية الدولية إلى استمرار حالة النمو الايجابي هذه على المدى المتوسط و هذا بدوره يمكن أن يعطي دفعة إيجابية للجنيه المصري.