الأحد 27 سبتمبر 2020
توقيت مصر 16:30 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

الحملة الفرنسية.. ومثقف الصفعات اللذيذة

222 سنة تمر هذا الشهر/العام على غزو نابليون لمصر(يوليو1798 - اكتوبر1801م) فى بداية مبكرة لما سيعرف بعدها بالاستعمار الغربى/ المسيحى لحواضر ومدن وعواصم الشرق الاسلامى ..ليس هذا هاما هنا فالغزوات الغربية المسيحية عرفت طريقها لبلاد الاسلام قبل هذا التاريخ بــ  700 سنة ..المهم هنا هو اعتبار بعض المثقفين أن تاريخ الغزو النابليونى لمصر هو تاريخ نهضة مصر الحديثة ويقظتها بعد نوم طويل..وأنه لولا الحملة الفرنسية لما عرفت مصر طريقها الى المعرفة والنهضة والتحديث ..وهو الكلام الذى ينطبق عليه وصف أمير الشعراء احمد شوقى أن(هناك عطب بأعلى الرأس)والعطب هو الخلل ..فمن المنظور التاريخى معروف أن الحروب والغزوات تقلب حال المجتمعات والأمم رأسا على عقب وتدفعها للإحساس بالخطر فتستيقظ وتنتبه وتراجع نفسها.. و كل ذلك يكون أصلا خاضعا لسنن التغييروحركة التاريخ ومدافعة القوى والمغالبه ..هذه الحقيقة يخبرنا بها القرآن الأية الكريمة فى سورة البقرة(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)هذا من اليقين العلمى فى التاريخ  يعرفه أى تلميذ صغير.
****

مافعلته حرب نابليون على مصر هو ما تحدثه كل الحروب فى كل الأوطان فى كل الأزمان(التحدى والإستجابة) لمواجهة هذا التحدى..فقام المصريون بثورتين كتبهما التاريخ وسجل أحداثهما وأبطالهما .. ثورة القاهرة الأولى فى فبراير 1798م  : سيهاجم الثوار مقرات الجيش الفرنسي بالحراب والبنادق القديمة ويقتلوا حاكم القاهرة الفرنسي ويتحصنوا بأسوار الحارات والأزقة وينصبوا المتاريس على مداخلها .. بطولة وكرامة وشهادة ..ولكن ولضعف الخبرة سيتركوا الأماكن المرتفعة المطلة على الحارات دون حماية والتى سيسارع نابليون باحتلالها وينصب عليها مدافعه لتدك أحياء القاهرة ويقتل الألاف من أجدادنا.. يومها عرف الفرنسيون أنهم لن يقضوا نزهة فى أخر الطريق ..
ستباغتهم  ثورة القاهرة الثانية مارس 1800م والتى ستدوم قرابة شهر حتى يتمكن  المعتوه كليبر من ضرب كل أحياء القاهرة ومتاريسها وإحراقها في ابريل عام 1800 م ..ستنتهى الثورة ويستمر النضال ضد الغزاة ولتكون الضربة القاضية فى يونيو1800م بقتل البطل سليمان الحلبي 24 عاما (إبن مدينة عفرين) لهذا المعتوه قائد الحملة بعد عودة نابليون الى بلاده ليجهز لإنقلاب عسكرى فيها.
ما الذى يمكن توقعه من مخاض بكل هذا العنفوان وكل هذه القوة؟ طبيعى أن يكتب  الوطن لنفسه ميلادا جديدا ووعيا جديدا وتاريخا جديدا..وهو ما حدث بالفعل بعدها..سيكون الحديث عن المطبعة وشامبليون ووصف مصر فى سياق تاريخى بهذه القوة ..كلاما فارغا ولا معنى له ..إذ أن ذلك كله سيكون تحصيل حاصل بعد كل هذا الزلزال الذى هز المجتمع من قواعده وقيعانه .
****
فى قصة (بدلة النقيب) لأنطون تشيكوف الطبيب الجميل الحزين وسيد كتاب القصة القصيرة..سيحكى لنا عن الخياط/الترزى (ميركولوف) الذى يخيط بدلة النقيب الجديد فى القرية..الرجل من فرحته يبيع بقرته الوحيدة ليشترى قماش البدلة ولوازمها. وحين ينتهى منها ويسلمها للسيد/النقيب لا يدفع سيادته ثمنها ويتطور الأمر بينهما  بأن يصفعه النقيب أمام زوجته..فتدمع عين الخياط ويضع يده مكان الصفعة قائلا لزوجته: أرأيت كيف يكون السادة الحقيقيين..!؟ بالضبط كما حدث عندما حملت المعطف الى البارون(شبوتيل) أخذه منى وطوحه بيده وصفعنى !!.
مثقف الصفعات اللذيذة لدينا هو النسخة المعاصرة من الترزى ميركولوف..عبد يبحث عن سيد يصفعه !..لن يتحمل الصفعة فقط  بل سيستمتع بها بتلذذ ملذوذ وليس هذا فقط بل بفخر واعتزاز ..عام 1998م فى عز سيطرة فاروق حسنى على وزارة الثقافة ..قررت فرنسا الاحتفال بمرور 200 عام على غزوها لبلادنا وكان الأمر مستفزا ومثيرا للغضب ..الحاصل أنه تكون فى الجو العام وقتها تياران ..
أحدهما رافض لهذه الفكرة الشاذه على رأسه د/زينب عبد العزيز والراحلة الكبيرة د/ليلى عنان صاحبة كتاب(الحملة الفرنسية تنويرأم تزوير)والسيدتان تشغلان كرسى أستاذ الحضارة الفرنسية بجامعة القاهرة ومعهما المستشار طارق البشرى والأستاذ فهمى هويدى..والأستاذ رجاء النقاش رحمه الله والذى وصف الفكرة بأنها(فضيحة تاريخية).
على الجانب الأخر اصطف عدد من المثقفين والكتاب اشتموا رائحة(الإسلام)فى رفض فكرة الاحتفال ..وبالتالى سيكونون فى الجانب الأخر(المؤيد للإحتفال) د. فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة..المؤرخ د. يونان رزق الذى قال(لا تلتفتوا الى خازوق سليمان الحلبى..التفتوا إلى أن السلطة الفرنسية أنتدبت محاميا للدفاع عنه ) و د/عاصم دسوقى الذى قال( يجب إعلاء قيمة العقل وتوسيع منهج النظر الى نابليون ليس فقط كقائد عسكرى) والشاعر أحمد عبد المعطى حجازى الذى وصف المعترضين بأنهم (معقدون)ويدعون الوطنية ..ولم يخرج الاحتفال بالصورة التى تمناها (ميركولوف واخوانه..).
****

إدوارد سعيد (1935-2003م) المسيحى العربى النبيل (أستاذ الأدب المقارن بجامعة كولومبيا)المدافع الصلب عن الإسلام والعروبة فى الغرب بما سيخلده فى تاريخ الحضارة الإسلامية فى كل الأوقات..والذى قلب الطاولة على رؤوس الجميع بكتابه الأشهر(الاستشراق)..ذلك النص الذى يروى الحكاية كلها بين الشرق والغرب وليكون به  واحدا من أكبر كتاب زمنه..يقول( سعيد)معلقا على هؤلاء البلهاء السعداء باستعمار الغرب وأفكار الغرب:(يمكن القول بأن العالم الإسلامى أصبح يعلم عن ذاته..ويتعرف عليها عبر صور وتواريخ ومعلومات تم إعدادها له فى الغرب )..إدوارد سعيد من أجمل وأروع النماذج الإنسانية والفكرية التى يجب على شبابنا وبناتنا مطالعة سيرته وشخصيته وحياته وأفكاره ..وهو كتب سيرته الذاتية بعنوان (خارج المكان) وحكى فيها أشياء مدهشة تٌقرأ بشغف وقوة كعلامة على عصره.
من سياق ومنظور أخر يطرح الأكاديمى الأسبانى(اميليو جونزاليس/ 55 سنة) فى كتابه المهم (عندما كنا عربا) رؤيته الإنسانية الصادقة عن الإسلام وثقافته وقيمه فيقول: ثقافة الإسلام هى التى شكلت الأساس الذى قامت عليه النهضة الأوروبية..فالحديث عن( الروح الانسانية فى علاقات البشر/ ومركزية الانسان وأن الكون والحياة خلقت له /وصون وحماية الأقليات / والحقوق المشتركة بين البشر..)كل ذلك عرفته أوروبا من الإسلام..جونزاليس له مقوله بديعة جدا يوصى فيها بأن لا نقول(تطرف اسلامى)..الصحيح أن نقول أن هناك من عمل على(أسلمة تطرفه)..هناك جماعة من الناس تبحث فى الإسلام عن نوع من التشدد والتطرف والارهاق والتعقيد..وخلعوا على أنفسهم ثوبا إسلاميا..(نهارك أبيض ياعم جونزاليس.!!).
هذا الكلام مهم جدا وإن كان يبعدنا عن موضوعنا الأصلى الأن.
****

د/ وسيم السيسى المثقف القبطى المعروف كتب سلسلة من ثلاثة مقالات فى جريدة(المصرى اليوم) بعنوان (المسكوت عنه فى الحملة الفرنسية) يكيل لها المديح أرطالا أرطال..وينقل (بذكاء رهييييب)عن الأخرين سبابا مهينا للمصريين الذين ثاروا ثورتي القاهرة الأولى والثانية..وكذلك للبطل(سليمان الحلبى) الذى وصفه بأنه أفاق وأحمق وطبعا نقلا عن أخرين حتى لا يٌتهم بأنه مثل(الجنرال يعقوب )قائد الفيلق القبطى الذى مات فى برميل خمره على ظهر سفينة فرنسية تحمل جنود الحملة المهزومين ..والذى نال ما يستحقه من إخواننا الأقباط وقتها وعلى رأسهم البابا(مرقس الثامن).. الجريدة نفسها ومن باب تشكيك الشك فى المشاكيك(أذكياء للغااااية) طرحت سؤالا بريئا:هل سليمان الحلبى  بطل أم أفاق ؟
الباحثون فى تاريخ الحملة الفرنسية يقولون أن الحملة الفرنسية انتهت يوم مقتل كليبر ..ما بعد مقتله كان فقط لملمة جراح و ترتيبات خروج وهروب .
39 شهرا قضتها الحملة الفرنسية فى مصر..مارسوا خلالها أفحش صور البربرية فى التاريخ ..كما ذكرت د/ليلى عنان فى كتابها الشهير عن الحملة ..والذى تفضح فيه زيف الأسطورة التي روج لها المثقف المعاكس لثقافة وأفكار وقيم وتاريخ مجتمعه  وأمته.. وأطلق عليها( تنويرا)فرنسيا لمصر.