الجمعة 18 سبتمبر 2020
توقيت مصر 18:52 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

من أقصى المدينة

هالة الدسوقي
ليست كثيرة لحظات الإحباط في حياتنا ... لكنها تمر علينا مرور السنوات ... وقد يظن أحدنا أنه لا مخرج من تلك المشاعر السلبية .. ويغلق عينيه على تلك الدوائر السوداء التي لا تنتهي ولا يرى لعينيه للنور من سبيل.
نُحبط .. ولكننا نتشبث بخيوط الأمل ونبحث عن مخرج دائما .. محاولين إبعاد الشعور باليأس عن تفكيرنا .. وواقنا الله من الوقوع في دائرة اليأس.. فلا يأس من رحمة الله أبدا .. فـ"لا يوجد في الدنيا كرب مادام هناك رب"، كما قال د. مصطفى محمود، رحمة الله عليه.
أما عن الضيق فسببه يرجع إلى أنك لا تتصور أن تأتيك الطعنة التي تقسم ظهرك من أقرب الناس إليك .. وهو ما يوجعك أشد الوجع، ويؤلم روحك أشد الألم .. فلا تستطيع الوقوف على قدمين مشلولتين إلا بعد محاولات ومصابرة وطول عناء.
وإن حدث فسوف تجد الدنيا تدور بك ولا تتوقف .. تحاول أن تتمالك نفسك وتمنعها من السقوط  ... وعلى قدر قوتك وعلاقتك بربك فسوف تجد بين الأمواج المتلاطمة، التي اتفقت في عنفوانها كافة على إغراقك – سوف تجد  طوق النجاة .. أنه أشبه بضوء ضعيف يأتي من بعيد ...يقترب فتتضح ملامحه شيئا فشيء حتى يظهر لك جليا.
ولنا في القرآن عبرة وقد جاء الأمل لنبي الله موسى،عليه السلام، بعد أن ضاقت به الأرض، حينما قتل أحدهم في المدينة -دون قصد - وهو ما كان يُوجب عليه العقوبة، إلا أن رجلا ناصحا جاءه من أقصى المدينة، كما جاء في الذكر الحكيم :" وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ  لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ "20" القصص 
وكان الخروج لسيدنا موسى بمثابة انقلاب في حياته وتغيير جذري هيأه لتحمل مهمة النبوة بعد ذلك، أنه الضيق الذي يؤهل للقيام بعظيم المهام، فالأزمات، كما نعلم جميعا – إن لم تقتل فهي تقوي.
ولمن عانى الظلم ..فقصة الرجل الآخر الآتي من أقصى المدينة تجعلهم يثقوا تماما أن الحق ظاهرا ولو بعد حين .. ولوكان على لسان فرد واحد. فلابد من أن يظهر ولو "جاء من أقصى المدينة".
 وكما جاء في سورة يس، قال تعالى :"وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27)
وتلك القرية التي أرسل الله لها رسولين فكذبوهما فعزز الله دعوتهم برسول ثالث، فكذبوهم جميعا، واجتمعوا على الضلال، وقرروا قتل الرسل، حتى أتى ذلك الرجل ليعلنها دون خوف من اتفاق الجميع على رفض الحق، فأعلنها مدوية أن الرُسل على حق بدليل أنهم لا يسألونهم الأجر.
لكن أهل القرية أصرت على العناد والكفر، بل وثبوا على شاهد الحق فقتلوه وكان جزاءه الجنة، فتمنى لو يعرف أهل قريته ما لقى عند ربه، ولكن من أظلم قلبه فلا يُبصر أبدا، ولو أضاءت له ألف شمس.
كلا الرجلين جاءا من أقصى المدينة للنصح ولإعلان الحق، وقد كان، فمهما طالت المسافات وتباعدت الأزمان فلابد من أن يأتي يوم الحق ويُزال الإحباط.