الخميس 22 أبريل 2021
توقيت مصر 16:08 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

الفكرة وأوانها والجرح وأشجانه.. معاوية و"نافذة العقاد"

 
هناك نظرية علمية تعرف بـ (نظرية الواقع المضاد) وهى نظرية تتصل بعلم الرياضيات والمنطق وتقوم على تصور واقع مفترض لو لم يحدث الواقع الذى نعيشه  ولم يكن موجودا.. و اتصور أننا جميعا وعلى المستوى الشخصى والعام تدورفي اذهاننا هذه الحالة الافتراضية التى تقوم على أكثر الأسئلة إرهاقا للعقل والنفس ..   ماذا لو ؟ لن يستطيع احد بالطبع تغيير الماضى ..لكن المفيد هنا قد يكون تصحيح الأخطاء وتجنب إرتكابها في المستقبل مرة أخرى إذا تم تطبيق هذا المبدأ فى حدود موضوعية وقابلة للتكرار .
فى عصرنا القريب ممكن نفترض مثلا (ماذا لو) لم يتفق الشريف حسين مع انجلترا ضد الدولة العثمانية ؟ أو ماذا لم أن نابليون لم يكن عسكريا ؟ أو ماذا لو لم يلتق جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر فى منقباد ؟ أو ماذا لو لم يدخل خالد الاسلامبولى الكلية الحربية ؟ وهذه فى نهاية الأمر مداخل للموضوع (الرعيب) الذى نتج عن هذه المقدمات ثم نبحث فى مسار الأحداث ونضع أيدينا على الخطأ (الرعيب) الذى أدى مثلا لانهيار الرابطة الإسلامية.. أو أدى إلى موت ما يقرب من 100 مليون إنسان فى الحربين الأولى والثانية ..أو هزيمة  1967م  واحتلال القدس والمسجد الأقصى.. أو تجميد مصر 30 عاما .
**** 
يقول الباحثون أن عدد قتلى معركة(صفين)كان سبعين ألف قتيل من الصحابة والتابعين ! شىء صعب تصوره لمن يتذكره ..هكذا كان وغفر الله للجميع  ورحمهم ..لكن المشكلة الأكبر أن العالم الاسلامى لازال يعيش إلى الأن(صفين)..فهى فى اليمن والعراق وإيران والبحرين وبدرجة ما فى السعودية..
وهنا تأتى نظرية(الواقع المضاد) وتقول : ماذا لو لم تكن صفين ؟ وصفين على فكرة تقع على الحدود العراقية السورية الأن ولازال ترابها للأسف مخضبا بدماء العرب والمسلمين .
كى نفهم(صفين) سنتذكر(حادثة السقيفة) وما كان من الأنصار رضى الله عنهم فيها والذين سرعان ما التقطوا الحقيقة الراشدة وعادوا إلى كريم أخلاقهم وبايعوا(الصديق الأول)..لكن لحظة صفين كانت تكمن وتترقب وتنتظر فى(مكان ما)..تنتظر زمانها وأوانها الذى سيأتيها وتأتيه..وسنفهم حقيقة ما فما فعله الثلاثة الكبار الصديق والفاروق والأمين أبوعبيده مع الأنصار أكثر وأكثر حين نعلم ما فعلوه مع العباس بن عبد المطلب(بنى هاشم) وأبوسفيان بن حرب(بنى أمية).. يقول الأستاذ العقاد :( كذلك دبرالثلاثة كل ما يحمد تدبيره بعد توطيد الخلافة وحماية الإسلام غوائل التمرد والعصيان وجهدوا أن يفرقوا كل اجتماع يخشونه على وحدة المسلمين فاقترحوا على العباس بن عبد المطلب أن يجعلوا له نصيبا(مثل الوقف) يكون له ولذريته من بعده..ليمنعوا الاتفاق بينه وبين على بن أخيه إن سعى اليهما من يسعى للتخريب..وفعلوا  مثل ذلك مع أبوسفيان والذى صنعوه كان التدبير الواجب والذى قد يكون فى تركه ضرر كبير ..)
**** 
صفين كانت معركة بين(بنى هاشم) و(بنى أمية) ورغم كل التخريجات التى تقبلها الأحداث وكل التفسيرات التى نفهمها ونرضاها من الأحداث..فهذا هو أحد أهم عناوين هذه المعركة..هذه حرب لم تكن لها أى ضرورة وما كان أسهل من تجنبها .. شقت الأمة وفرقتها.. بل وتوالدت وتكاثرت ولازال الدم ينساب منها إلى يومنا هذا .. هل كان يتقاتل الطرفان على الشهادة لله بالوحدانية ولخاتم النبيين بالرسالة ؟ لا .. فيما إذن كان دم السبعين ألفا من الصحابة والتابعين ؟
**** 
كل كلام وله كلام كما يقول عمنا(بيدبا)فى حوارات كليلة ودمنة..ولن يتأخر أحد من الطرفين عن تجهيز الردود والردود المضادة ..إبليس بررعدم سجوده بأن البعيد (يعلم)أن الطاقة أفضل من المادة (الناروالطين) وبالتالى فكيف أسجد!!!؟ إبليس كان يعلم علما نهائيا بأن السجود هنا لا علاقة له بالنور والنار والطين ..السجود هنا طاعة وتسليم لخالق كل شىء ورب كل شىء..خالق النور والنار والطين..الله رب العالمين ..
إبليس كان (مستكبر) على السجود (أبى واستكبر)كما بين لنا رب العالمين فى كتابه العزير ..
الحاصل أن الدوافع المعلنة شىء..والدوافع الخفية شىء أخر..وهذا من أسوأ ما يمكن أن يكون عليه مخلوق يعلم أن(الله يعلم ما فى نفسه)ومع ذلك فهو يكذب على الله ..نرى ذلك كثيرا حولنا وبيننا وتقريبا فى كل مكان..
لكن هذا أبعد ما يكون عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..أقصى ما يمكن قوله فى ذلك أنها كانت اجتهادات بشر وأمرهم إلى الله ..وبثبوت أوعدم ثبوت أنهاكانت معركة بين(بنى هاشم)قوم الرسول الكريم النبى الذى كانت رسالته افتتاحا لزمن جديد وتاريخ جديد..وبين(بنى أمية)أصحاب السياسة والحكم والسلطة الأصيلة فى قريش وبين العرب ..فقد كان اجتهاد فى الحق..ومن الأولى بالحق؟..والصديق الأول نفسه حين رأى انقباضا من بعض الناس بعد تولية قال:(أيها الناس..ألست احق الناس بها..ألست أول من اسلم ؟)ولعله رضى الله عنه كان يخاطبهم على قدر فهمهم وبالطريقة التى يستطيعون استيعاب الأموربها ..فهو رضى الله عنه أغلى قدرا وأعظم فضلا من أن يحتاج إلى هذا القول ..
**** 
لكن ماذا قال لنا الأستاذ العقاد(ولازلنا نحتفى بذكرى وفاته الـ 56 /فى 13مارس 1964م)عن هذه اللحظة الحرجة فى تاريخ الأمة ؟ وهو الذى له كتاب مهم للغاية عن معاوية بن أبى سفيان..وأظن أنه من أوفى وأصدق ما كتب عن هذا الصحابى الكريم ..وقراءته للحظة الخلاف الكبرى هذه كانت من أكثرها فهما وأمانة وحبا للإسلام العظيم وحضارته وتاريخه العريق .. لكنه لم يضع هذا الكتاب فى سلسلة العبقريات ..فمعاوية عنده زعيم كبير وكبير جدا..لكنه ليس بالعبقرى كالصديق وعمر وعلى وعثمان رضى الله عنهم أجمعين ..وله فى ذلك ما يقوله.
استفتح الكتاب بهذا الكلمات : لم يكن معاوية زاهدا في الخلافة على عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان ولكن الخلافة كانت زاهدة فيه..فلما جاء عصر المُلك، طلب المُلك والمُلك طلبه.. وقديما قال أبوه للعباس عم النبي وقد رأى جيش المسلمين في فتح مكة: لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيما .. فهو المُلك أو هو جاه الدنيا الذي تطلع إليه من نشأته الأولى في بيته..وانتظر ثم انتظر حتى لاقاه على قدر..فوضع في موضعه..وقام به الموضع كما قام به ونجحا معا على التوافق والوفاء..)
الفكرة وأوان تطبيق الفكرة كما قال أديب فرنسا الكبير فيكتور هوجو(1802- 1885م) : لا توجد قوة على الأرض قادرة على أن توقف فكرة حان وقتها..وهذا عين أم الحقيقة..لكن ..ليس هناك لكن أيها العقلاء..هناك الطمع والحرص .. حيث مصارع الرجال.
ويضيف : فنجاح معاوية في إقامة هذه الدولة التي امتدت لسنوات طويلة لم يكن من قبيل الصدفة بل كان له تمهيد كبير ربما بعدت جذوره إلى ما قبل ظهور الإسلام فما حصلَه معاوية من الخِصال والصفات أهلَه لأن يحصد ما زرعه الأجداد. 
**** 
كان معاوية أعظم السياسيين فى كل العصور..كان سياسيا بالغريزة كما يقولون ويكفية أنه مكث فى الشام(الحضارة والمدنية والتاريخ)عشرين عاما كون خلالها دولة كاملة تدين له بالحب والطاعة وقاتلت من أجل ما يدعوا إليه وهو القادم إليهم من الصحراء ..ومواقفه التاريخية التى يضرب بها الأمثال فى السياسة أكثر من أن تعد ..ولنا هنا أن نتمثل ذلك فى رؤيته للعلاقة مع معارضية ..وهى الشاشة التى نستطيع أن نرى عليها الكثير من عقل الحاكم وقدرته فيقول: والله لا أرفع السيف على من لا سيف له..وإن لم يكن إلا القول (الكلام والشتم).. فقد جعلت ذلك وراء أذني وتحت قدمي..رضى الله عن أستاذ الحلم والسياسة ..
روى معاوية رضي الله عنه  عن الرسول الكريم  163 حديثا  فقد كان كثير الصحبة للرسول بعد فتح مكة .. كان عمره وقتها 18 سنة وكانت أخته من أمهات المؤمنين حبيبة بنت أبى سفيان هو(خال المؤمنين) ومن أشهرالأحاديث التي رواها معاوية(إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين) وحديث (لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).
**** 
بن خلدون(1332 _1406م) قال فى تفسير توريثه الحكم لإبنه يزيد:هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس..إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم وهم أهل الغلب منهم  فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الكلمة وإن كان لا يظن بمعاوية غيرهذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه. )  
توفي معاوية رضى الله(602 _680م)في دمشق عن 78 سنة (واليا20 عاما وخليفة 20 عاما) وكان عنده شيء من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلامة أظفاره فأوصى أن تجعل في فمه وعينيه وقال: أفعلوا ذلك وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين..رضى الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحم الله الأستاذ العقاد.. خير من كتب عنهم وترجم لهم فكرا وتاريخا وفهما وتفسيرا.