الأحد 27 سبتمبر 2020
توقيت مصر 15:35 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

الشيخ الشعراوى.. رجل وفكرة حان وقتها

لم يحب المصريون (شخصية عامة) مثلما أحبوا الشيخ الشعراوى..ولم يجمع المصريون على (عالم دين)مثلما أجمعوا على الشيخ الشعراوى ..ولم يقبل المصريون على (درس دينى)مثلما اقبلوا على دروس الشيخ الشعراوى (فيكتور هوجو روائى فرنسى شهير مات سنة 1885م) له مقولة قوية وجميلة تقول: (ليس هناك جيش أقوى من فكرة حان وقتها)..وقد كان هو ذاك بالتمام والكمال ما حدث مع حبيب المصريين الشيخ متولى الشعراوى ..الذى مرعلى وفاته 22 عاما يوم الاربعاء الماضى (17 يونية) .
جاء الرجل وجاءت معه أفكاره فى وقت من أكثر أوقات المصريين ظلاما وإحباطا (1967 -1973م) ..أكاذيب الخمسينيات والستينيات التى طالما مضغها(الزعيم الخالد) مضغا وألقاها على مسامع العرب والمصريين خطبا وشعارات ومقالات وغناء وأناشيد تحولت الى أصوات بوم وغربان.. وعواء وصراخ فى صباح العرب ومساءهم .. واستفاق الناس من المحيط الى الخليج على الاسرائيلين وهم يهددون ثلاث عواصم عربية(القاهرة ودمشق وعمان) والأسوأ احتلال القدس ومنع الأذان والصلاة فى المسجد الاقصى .. الماضى لا يموت بل يعود دائما لكى يعكر صفو الحاضر..والتاريخ له التزاماته كما يقولون.
كان كل ذلك إيذانا بنهاية حقبة (الأوهام السعيدة) وبداية حقبة ( الانهيارات المديدة).. كانت ألام الناس قاسية وأحزانهم عميقة وإذا بهم يجدون أنفسهم فى الطرف الأخر للحياة (يطاردون الأوزة البرية)كما يقول المثل الانجليزى لوصف السعى العقيم الذى لا يبلغ هدفه ويصيب صاحبه بالإحباط ورجوعه صفر اليدين ..(مقهورين لا يدرون لهم إسما أو وطنا أو أهلا ..) كما قال الشاعرصلاح عبد الصبور.. وبدا لهم أن لا ملجأ لهم مما هم فيه إلا باللجوء الى من لاحول ولا قوة إلا به ..الخالق العلى العظيم .
وعمنا جان جاك روسو(فيلسوف فرنسى مات 1778م) له جملة بالغة القوة : (الفطرة أهدى من العقل) وهى أيضا بالغة الصواب وتتماشى مع ما كان يدعو اليه الرجل من العودة الى الطبيعة فى كل شىء ..المهم  أن المصريين كانت فطرتهم  فى بوصلتهم وبوصلتهم فى فطرتهم..فاتجهوا الى قبلتهم ..وملئوا المساجد والزوايا وتعالت بينهم نداءات (الله أكبر ..الله أكبر) حتى أن الزعيم الخالد ولأول مرة يحضر الإحتفال بمولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فى مسجد الحسين مع زكريا محى الدين وحسين الشافعى والسادات يوم 19/6/1967.
****
حتى ظهرلمصر وشعبها هذا الرجل الذى يقطر صدقا وعذوبة وبلاغة وإشراقا.. يقولون أن هناك مفكرون وعلماء يعيشون أفكارهم ومبادئهم  فتتوهج أفكارهم بين الناس من نشاطهم وحركتهم ..لكن هناك عدد من المفكرين مثل الماكينات والألات ينتجون افكارا ..ويا بُعد ما بينهم وبين أفكارهم ومبادئهم ..أو كما يقال عنهم (يضعون أفكارهم فوق قمة العقل البارد) .
لكن الرجل لم يكن يعيش أفكاره فقط ..بل لقد كان من قوة وصدق إيمانه بأفكاره..أن أصبح هو الفكرة ..والفكرة هو.. فوجده المصريون ووجدهم.. وكانت لحظة التقاء وعناق نادرة وفريدة وعظيمة بين فكرة ورمزها..وجماهير وإيمانها.. وقد كان.. فنفذ الرجل إلى قلوب وعقول المصريين وفتح نوافذ وعيهم ووجدانهم على كتاب الله(القرآن الكريم).. القوة المركزية الراسخة في دائرة الإسلام عقيدة وإيمانا وفهما وفكرا وسلوكا وثقافة ..ففتح له المصريون عقولهم وقلوبهم وكل وعيهم ,,ثقة منهم  فى صدقه وعلمه وذاك النور الذى يشع من كلماته.. نور أضاء المدينة كلها ..ليست مدينة الشوارع والبيوت ..بل مدينة الوعى والفهم والحب ..لقد جاء الرجل بالفعل من أقصى المدينة .
أذكر أن الدكتور حسين مؤنس الأستاذ بآداب القاهرة وهو من هو.. كاتبا ومؤرخا ومفكرا وروائيا وصاحب (اطلس تاريخ الاسلام) وقل ما تشاء عنه .. سأل فضيلة الشيخ مرة في دهشة وإعجاب وتقدير عن هذا الجهد والإنجاز الضخم في التفسير والشرح لكتاب الله فرد عليه الشيخ بأدبه الجم : فضل جود..لا بذل مجهود يا د/حسين ..يقصد فضل من الله الكريم الجواد ذو الفضل والنعم ..والحق أن لفضيلته إشراقات وفتوحات في التفسير والفهم لم يسبقه إليها أحد ..رأى المفكر الكبير د/حسين مؤنس هو الرأى الأغلب الأعم لدى كثير من المفكرين والكتاب .
****
سنجد على الجانب الأخر أن الرجل يمثل عقدة حقيقية لبقايا اليساروالمثقفون المزيفون وبعض الشرائح الاجتماعية المنفلتة أخلاقيا وقيميا وغارقة فى مستنقع الكراهية..فقد ذهب الى(الجماهير الغفيرة) وأخذها منهم  ..وهى التى كانت بضاعتهم الأثيرة وسوقهم الأكثر رواجا فى حديث الطبقات والفقر والغنى .. والجماهير الغفيرة والعامة من الناس هم المستوى الحقيقى للتعبير عن الإسلام العظيم فى واقع الأمة ..الرجل كان يحدثهم  حديثا سهلا عن الإيمان والوجود والمصير..فأضاء لهم فجرا جديدا فى تجربة فريده من تجارب الدعوة والدعاة ..فتلقفت فطرتهم  كلامه البسيط العميق الذى نزل على نفوسهم بردا وسلاما وهم يقولون معه المقولة الأولى التى تسرى فى كيان كل أبناء أدم عليه السلام .. حين سألهم الملك الخلاق العليم  كما جاء فى سورة الأعراف(..ألست بربكم..قالوا بلى).
****
كثير من المفكرين نظروا لتجربة الرجل فى الاتصال بالجماهير نظرة بها بعض الاعجاب وبعض الغيرة .. خاصة أولئك الذين نحتوا فى الصخر حتى يصنعوا لأنفسهم (مجدا) بين الناس ..
كان أوضح مثال لهؤلاء الأستاذ يوسف إدريس القاص والروائى الموهوب والذى لم يحتمل(نجومية )الراحل الكبير فضيلة الإمام محمد متولى الشعراوي وأدخل نفسه فيما شجر بين فضيلة الإمام والكاتب الكبير توفيق الحكيم عام 1983  وكتب مقالاً في الأهرام بعنوان(عفواً يا مولانا )وصف فيه فضيلة الشيخ بأنه يتمتع بخصال راسبوتين المسلم(راسبوتين كاهن وساحر روسى مات سنة  1916م ) ولديه قدرة على إقناع الجماهير البسيطة وقدرة على التمثيل بالذراعين وتعبيرات الوجه ويملك قدرات ممثل نصف موهوب..
سيأتى بعدها أغلب اليسار المفزوع من شعبية الرجل ويستخدم هذا الوصف كثيرا..ما يدهشك أن اليسار وبحكم تجربته التاريخية هو أكثر من يدرك أن الجماهير ليست ساذجة وأنها لا تعطى اهتمامها وحبها إلا لمن هو بالفعل لديه شىء يستحق هذا الاهتمام وهذا الحب ..ومع ذلك فقد صنع لهم يوسف ادريس اكذوبته المضلله فى وصف الشيخ وتلقفوها منه .. وأخذوا يلطمون بها خدودهم ويندبون بها حظهم ..
الحاصل أن الإستاذ يوسف ادريس وحين شعر بأن الموضوع أكبر منه  وسينال من إسمه لدى الناس ..تراجع فورا .. وقال أنه من عشاق فضيلة الشيخ الشعراوي ويعتبره فلتة عبقرية إسلامية بل وأهم ظاهرة دينية إسلامية ظهرت منذ أيام الأئمة الكبار أبو حنيفة والشافعي ومالك وابن تيمة وابن حنبل ..وهو موقف كريم من أهم قلم عربى كتب القصة القصيرة فى العصر الحديث  .
نفس المسألة حدثت مع الراحل د/زكى نجيب محمود حين تحدث الشيخ عن فكرة النزول على القمر والانفاق الهائل على ما هو خارج كوكب الأرض..وكان يرى أن هذا الانفاق وهذا الجهد لو أٌنفق على البحث العلمى والصحى لكان أكثر فائدة للبشربة ..فرد عليه د/ زكى نجيب محمود في الأهرام بطريقة حادة وانتهى الموضوع باعتذار من جريدة الأهرام وزيارة الدكتور / زكى لفضيلة الشيخ .. كانوا كبارا بكل معنى للكلمة ..
وأصل الموضوع أن فضيلة الشيخ كانت له اجتهادات في بعض المسائل الحياتية التى لا علاقة لها بالدين ونصوصه ولا بالفقه وأصوله ..مثل عمليات زرع الأعضاء والغسيل الكلوى المزمن..وهى الخطوات التى قد تطيل في عمر الانسان سنة أو خمسة ..والنهاية هى النهاية ..وعلى فكرة بعض الزملاء الاطباء زاد على الشيخ من الشعر أبياتا .. ولهم تحفظ على هذه العلاجات وعلى العلاج الاشعاعى والكيميائى لمريض السرطان المتأخر بالذات ..وأذكر أن أحدهم رفض أن يعطى والده جلسة واحدة ..ونفذ معه بروتوكول علاج الألم فقط ..وهى وجهات نظر لها اعتبارها في الحقيقة.
***
يعتبر فضيلة الشيخ أحد مصادر(القوة الهادئة) للوطن ولمصر كلها ..مثل باقى المفكرين والفنانين والكتاب والشعراء والروائيين وشيوخ القراء والعلماء وقبل كل هؤلاء الأزهر الشريف .. وها نحن الأن وبعد مرور ما يقرب من ربع قرن على وفاة الشيخ  سنجد أن حلقاته المسجله ما زالت تذاع بشكل مستمر على شاشة التلفزيون والراديو ويقبل عليها الناس باهتمام كبير ..بالإضافة إلى ملايين المشاهدات على اليوتيوب.. لكن وضعه فى  مجال هذه القوة لا يكاد يذكر..وهاهى ذكرى وفاته تأتى وتمر دون إهتمام يذكر..
 والقوة الهادئة كما سماها (جوزيف ناي الذى عمل فى حكومة كلينتون لوصف القدرة على التأثير والاقناع بدون  القوة والإكراه) هى أحد أهم ركائز القوة النافذة لأى أمة ..لكنه لا يتم توظيفها فى بلادنا_وهى كثيرة_ بما يساويها ..وهوما يجعلنا نتذكر بكل أسف حرص الرئيس الأسبق مبارك على أن لا تكون جنازة الشيخ فى القاهرة ! ..لأنها كانت ستكون جنازة القرن ..وسيكون ذلك استفتاء حقيقى على مكانة الدين وعلمائه عند المصريين ..لكن يبدو ونتيجة لبعض الهواجس المركزية فى نظامه.. نٌصح بذلك من جهه أو أخرى ..وأقيمت الصلاة والجنازة فى قريته (دقادوس)!!..ولنا أن نتخيل أن هذا الموقف أثار حفيظة الراحل د/عبد العظيم رمضان( مؤرخ كبير مات 2007م)..وتساءل عن سبب عدم إقامة جنازة للشيخ فى القاهرة ولم يرد عليه أحد .. د / رمضان كان معروفا عنه خصومته للتيارات الدينية والعلماء و لم يكن يحمل ودا كثيرا للحالة الدينية بوجه عام .. لكنه رأى أن الموقف هنا يتعلق بمصر وقيمة مصر وشعب مصر وأحد رموز مصر ..ألم أقل لكم كانوا كبارا .
رحم الله العالم الربانى الذى كان يعلم الناس .. ويدرس ويدرس لهم .. يتحدث عنه الامام(الطيب) شيخ الأزهر الشريف قائلا بأنه كان من أبرز المجددين في تفسير القرآن وكان تفسيره له وكأنه يبعث الحياة في الحروف والكلمات .. فترتسم في عقل المستمع وقلبه صورة حية مبسطة.. لا يحتاج إلى مجهود كبير لفهمها واستيعابها .. وكتب الله له المحبة والقبول في قلوب المؤمنين..  ولا شك أن ذلك توفيق من الله خص به هذا العالم الرباني الذي كان متفانيا لخدمة دينه محبا لوطنه.