• السبت 23 سبتمبر 2017
  • بتوقيت مصر06:02 ص
بحث متقدم

(مابعد الحقيقة) أو التخلى عن الحقيقة بأسرها

مقالات

أخبار متعلقة

العقل الغربى الحديث مهووس بقصة المابعديات,مابعد التاريخ ما بعد السببية ما بعد الإنسان ما بعد التفسيرما بعد العلمانية ما بعد الديمقراطية وطبعا ما بعد الحداثة المصطلح الأكثر شهرة فى عائلة المابعديات غير العريقة. ألعاب لغوية على رأى أستاذنا وأستاذ كل ألأجيال د/عبد الوهاب المسيرى,    أحدث (ما بعد) يتم تداوله الأن هوما بعد الحقيقة. الناس الطيبين يعرفون أن الكلام نوعان حقيقة وكذب,كما يعرفون أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نفى تماما أن يكون المسلم كذابا ,ممكن يكون بخيل أو جبان كما ورد فى الحديث الشريف أما أن يكون كذابا فهو ما يستحيل أن يكونه,والصادقون سيسألون يوم القيامة عن صدقهم كما تنص الأية الكريمة(ِليَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) وطبعا الناس الطيبين حين يرون كلمة الكفر فى الأية ودون أن يكونوا علماء ودون أن يكونوا أيضا دواعش سيشعرون بالفطرة أن المسألة خطر جدا , الفضيل بن عياض (عابد الحرمين) له مقولة جميلة فى فهم الآية الكريمة إذ يقول:ما تزين الناس بشيء أفضل من الصدق والله عز وجل يسأل الصادقين عن صدقهم منهم عيسى بن مريم عليه السلام.. كيف بالكذابين ثم بكى..صحيح كيف بالكذابين.؟

في الشهر الماضي، أعلن قاموس أوكسفورد الذى تصدره جامعة أكسفورد من سنة 1928م أعلن عن قائمة مفرداته للعام الحالي2016 فجاءت مفردة (ما بعد الحقيقة) فى قمتها بوصفها كلمة العام. وعرفها بأنها (كصفة متعلقة أو دالة على الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في صياغة الرأي العام مقارنة بالاحتكام إلى العواطف والقناعات الشخصية) أو الظرف الذى تفقد فيه الحقيقة مرجعيتها . المتابعون يقولون أن كاترين فاينر رئيسة تحرير الجارديان والاوبزرفر هى التى سوقت واسعا للمصطلح وطبعا على خلفية المحيط السياسة والثقافى الذى تعيشه هناك عندهم  وليس هنا؟ فكانت الحملة المصاحبة لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبى وكذا الحملة الانتخابية لترامب..اكبر كذاب فى العصر الحديث.. 70% مما كان يذكره ترامب في خطبه كان كذباً بواحا كما ذكرموقع بوليتيفاكت الذى تأسس عام 2007 م واشتهر بأنه يطلق كل عام ما يعرف بأكذوبة العام  أكذوبة 2016 على فكرة كانت (فبركة الأخبار. 
الايكونوميست البريطانية نشرت عددا خاصا عن فن الكذب فى فبراير الماضى ركزت المجلة فيه على الكذب السياسي وكيف انه واسع الانتشار الى حدود تفقد فيه الديمقراطية كل معانيها.
الطريف فى الموضوع أن(ما بعد الحقيقة)لها مؤسسات رسمية ومراكز أبحاث يديرها خبراء في الكذب وتوجيه الرأي العام ويقولون أن المحافظين الجدد برعوا فى التنظير لما بعد الحقيقة وذكروا الكثير من(مراكز التفكير) سنكتشف لاحقا ان قصة صناعة الفكر التى طالما حدثنا عنها الاستاذ هيكل ما هى إلا صناعة الأكاذيب أفحش كذبة يتداولها العالم من القرن الماضى هى كذبة(ارض الميعاد) حيث تم وضع الشرق الاوسط كله فى (خلاط)هذه الأكذوبة.
وكنت قد كتب كثيرا عن مقال بالغ الأهمية لناعوم تشومسكى (الاستراتيجيات العشر للتحكم فى الشعوب ) الذى اهتم كثيرا بمسألة الإعلام وتأثيراته المرعبة على الشعوب وإدارتها وتحريك إرادتها على ما يراد لها لا ما تريد هى فى سعيها الطبيعى نحو الحق والقوة والعدل والكرامة والحرية ..       تشومسكى له فى  المكتبات كتاب مشهور بعنوان(هيمنة الإعلام ) معظم أفكاره إمتداد لرواية جورج اورويل الشهيرة( 1984م) التى كتبها عام 1948م وتنبأ فيها بدور وسائل الإعلام فى التحكم والسيطرة على مشاعر الناس وتوجيهها الوجهة التى تحددها السلطة المركزية_ لم تكن الما بعديات اشتهرت بما يكفى _ وأوضح فيها الاستعداد المدهش لدى غالبية الناس لتصديق ما يقال لهم مهما كانت درجة مخالفته للعقل شرط أن يجرى ترديده بالدرجة الكافية من التكرار وإذا ما اقترن هذا الترديد والتكرار بإثارة الشعور بما يسميه أورويل (الوطنية الساذجة )التي تنطوي على التسليم بكل ما يقوله القائد واعتبار الوطن والقائد  شيئا واحدا. ورأى أن الانتصار الحقيقي لأى حكم شمولي لا يتم باستئصال معارضيه جسديا أو بزجهم في السجون فقط بل بتغيير ما يدور في رؤوسهم من أفكار وإحلال أفكار ملائمة محلها .
تشومسكى فى مقالته المرعبة ذكر عشر بنود تحكم الحالة الإعلامية الهادفة الى السيطرة على الجماهير الغفيرة
الإستراتيجية الأولى :الإلهاء ..هذه الإستراتيجية عنصر أساسي في التحكم بالمجتمعات وضرورية أيضا لمنع العامة من الاهتمام بالمعارف الضرورية..
الإستراتيجية الثانية :ابتكر المشاكل ثم قدم الحلول ,في البدء  نبتكر مشكلة أو موقفا متوقــعا لنثير ردة فعل معينة من قبل الشعب حتى يطالب هو بنفسه بالإجراءات التي نريده أن يقبل بها. 
الإستراتيجية الثالثة: التدرج.. لكي يتم قبول إجراء غير مقبول..يجب أن يتم تطبيقه بصفة تدريجية.إذا وضعت ضفدعة فى إناء به ماء بارد ورفعت درجة حرارته درجة درجة ..لن تشعر بالارتفاع التدريجى للحرارة ولن تقاوم..عكس إذا ما وضعتها فجأة فى نفس درجة الحرارة ..إذ سرعان ما ستقاوم وتنتفض 
الإستراتيجية الرابعة: التأجيل .. وهي طريقة يتم الالتجاء إليها من أجل إكساب القرارات المكروهة القبول وحتى يتم تقديمها كدواء (مؤلم ولكنه ضروري) ويكون ذلك بكسب موافقة الشعب في الحاضر على تطبيق شيء ما في المستقبل..
الإستراتيجية الخامسة :مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار..تكون غالبية الإعلانات الموجهة لعامة الشعب خطابا وحججا وشخصيات ونبرة ذات طابع طفولي وكثيرا ما تقترب من مستوى التخلف الذهني..
الإستراتيجية السادسة: استثارة العاطفة بدلا من الفكر واستثارة العاطفة هي تقنية قديمة تُستعمل لتعطيل التحليل المنطقي وبالتالي الحس النقدي للأشخاص. كما أن استعمال المفردات العاطفية يسمح بالمرور إلى مربع اللاوعي  بسهولة حتى يتم زرعه بأفكار و رغبات ومخاوف و نزعات وسلوكيات مطلوبة.
الإستراتيجية السابعة: إبقاء الشعب في حالة جهل وحماقة والعمل دائما بطريقة تبقى  على الهوة المعرفية التي تعزل الطبقات السفلى عن العليا 
الإستراتيجية الثامنة: تشجيع الشعب على استحسان الرداءة والابتذال وأنه من(الرائع)أن يكون غبيا همجيا وجاهلا.
الإستراتيجية التاسعة :تعويض الرفض والثورة بالإحساس بالذنب وجعل الفرد يظن أنه المسئول الوحيد عن تعاسته وأن سبب معاناته  تلك هو نقص معيب في ذكائه وقدراته أو مجهوداته
الإستراتيجية العاشرة:  تقوم على فكرة معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون أنفسهم ..خلال الخمسين سنة الماضية تقدمت الدراسات المعنية بذلك بدرجة مذهلة وحفرت التطورات العلمية هوة لا تزال تتسع بين المعارف العامة وتلك التي تحتكرها وتستعملها النخب الحاكمة وأجهزة المخابرات .وبفضل علوم بيولوجيا الأعصاب وعلم النفس التطبيقي توصلت الأنظمة إلى معرفة متقدمة للكائن البشري طبيعيا ونفسيا وأصبح هناك قدرة تامة على معرفة الفرد المتوسط أكثر مما يعرف نفسه وهذا يعني– في أغلب الحالات – امتلاك سلطة على الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها على أنفسهم ..
مجلة فورين بوليسى نشرت من عامين دراسة عن كذب السياسيين بدأتها بجملة كاشفه باشفة ناشفة :( لقد كذب السياسيون دوماً.. إذاً هل من مشكلة فيما لو تخلوا عن الحقيقة بأسرها؟). 
   هيا بنا جميعا الى عالم  التخلى عن الحقيقة بأسرها 
أبو العلاء المعرى وقبل ما يقرب من 950 عاما قال الموضوع فى كلمتين  بلغتة المؤدبة المدببة
تلو باطلا وجلوا صارما **وقالوا صدقنا قلنا نعم

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع عودة أحمد شفيق إلى مصر لخوض انتخابات الرئاسة؟

  • ظهر

    11:52 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:55

  • عشاء

    19:25

من الى