• الأربعاء 26 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر02:52 ص
بحث متقدم

الحضور المسيحي في المغرب الكبير

مساحة حرة

الحضور المسيحي في المغرب الكبير
الحضور المسيحي في المغرب الكبير

1- يمنى القدّيس أوغسطين العائدة

يعود حضور المسيحية في المنطقة الممتدّة بين ليبيا والمغرب إلى عهود سحيقة، وقد حاز الفضاء قصب السبق من حيث الريادة التأسيسية، في ما يخصّ صياغة النص المقدّس التوراتي الإنجيلي، باللغة اللاتينية؛ وبالمثل في بلورة الخطّ الإصلاحي، أكان ذلك مع الموحِّد القدّيس أريوس اللّيبي (ت336م) المبعَد، أو في بلورة الخطّ المنعوت بالأرثوذكسي، مع القدّيس أوغسطين (354-430م) المحتَفى به. إذ تبقى المسيحية الغربية مدينةً في أصولها التكوينية للصياغات اللاهوتية، التي تطوّرت في قرطاج وثاغست (سوق أهراس) وهيبون (عنّابة)، خصوصا مع مدرسة القدّيس أوغسطين. غير أن أسْلَمة المنطقة شكّل تحوّلا انقلابيا باتجاه ديانة توحيدية مستجدّة لم تضاهيه غيرها من التحوّلات، سواء في بلاد النيل المجاورة أو في منطقة مهد المسيح وما جاورها، من حيث اكتساح الدين الوافد -الإسلام- لسابقيه نسخًا وإلغاءً.

ولئن اندثرت المسيحية الأهلية من بعض أقطار المنطقة مبكّرا، منذ مطلع القرن التاسع الميلادي، كما الشأن في المغرب، فإنها عمّرت حتى عصور متأخّرة بين الأهالي في تونس، حيث تواصل أداء النصارى الجزية بالجنوب التونسي، إلى حدود القرن الرابع عشر الميلادي. تعرّض لذلك الفقيه أحمد بن محمد المعروف بالبرزلي (المتوفى سنة 1438م)، في كتابه: "جامع مسائل الأحكام مما نزل من القضايا بالمفتين والحكّام".

مع الكنيسة الحديثة، الوافدة مع الاستعمار، اشتدّ الحرص على بعث تلك الريادة المسيحية في الغرب الإسلامي. ونشط ذلك الإحياء إبّان الحضور الاستعماري الفرنسي، بما مثّله من فرصة منقطعة النظير، منذ تواري المسيحية من بلاد أوغسطين. فقد بادرت الكنيسة بتجميع عدّها وعتادها، من البحث الأثري إلى النشاط الاجتماعي، لبعث تلك الذكرى الحميمة لديها لإفريقية المسيحية.

وانطلق رجالات الكنيسة، كغيرهم من شتى المؤرّخين الغربيين، في تفسير حالة الذوبان المسيحي في الغرب الإسلامي، من ادّعاء يحمّل الحكام الموحّدين (1147-1269م) السبب، عمادهم في ذلك نص وحيد وموجز لا يتعدّى السّطر ونصف السطر، متح منه أغلبهم، ولا يتعلّق سوى بتونس، لا بمنطقة الشمال الإفريقي عامة. أورد النصّ ابن شداد (توفي بعد 1186م)، واستعاده ابن الأثير (1160-1233م) بقوله: "عرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى: فمن أسلم سلِم، ومن امتنع قُتِل". فمع القرن الحادي عشر انتهت علاقة الصداقة الرّسمية، التي كانت تربط كنيسة روما بالحاكم المسلم في شمال إفريقيا، فيما يتعلق بالنصارى الأهليين، ومنذ ذلك التاريخ دخلت المسيحية في حالة ذوبان تدريجي. والمرجّح أن اختفاء المسيحية سببه داخلي وليس خارجيا وإلا للاقت اليهودية نفس المصير. يقول المؤرّخ محمد الطالبي: إن المسيحية الإفريقية ذبلت كمصباح جفّ زيته، فلم تشهد تطوّرا فكريا يسمح لها بالتواصل. فليست العاصفة الموحّدية التي أطفأت جذوة المسيحية في إفريقية، بل نقص الزيت.

مع الفترة الحديثة كان التعلّل بالمدخل الأوغسطيني، أساس طروحات مشروعية البعث لكنيسة إفريقية، في التصوّر الكنسي، فمنذ تعيين المونسنيور ديبيش "Dupuch" أسقفا في الجزائر سنة 1838م، على إثر احتلال البلد، بادر الرجل بإذابة وصهر قطع برونز مدافع تركية متبقية وتحويلها إلى تمثال للقدّيس أوغسطين. وتمادى في حشد الرّموز المسيحية ذات الصلة بالمنطقة، فاستجلب بعضا من رفات أوغسطين، يده اليمنى. انطلقت عملية الترحيل في 12 أكتوبر 1842م من مدينة بادوا الإيطالية، وطافت عدة أبرشيات أوروبية، كانت فيها محل حفاوة من الكاثوليك. في طورينو خرج لتشييعها الملك كارلو ألبرتو، لتسْتَلم البقايا البحريةُ الفرنسيةُ في الجزائر وتحطّ الرّحال في مدينة عنّابة في الثالث من نوفمبر، أين أقيم حفل بهيج عقده والي المدينة الفرنسي ورجالات الكنيسة. كانت إعادة بعض من رفات القدّيس أوغسطين تحديا لاعتقادات الأهالي، وما كانت العملية ذات قيمة إلا لدى الأجانب وكنيستهم.

فرغم العداء المستحكم بين الكنيسة والدولة الفرنسية، وحدّة التنافر القائم بينهما فوق الأرض الفرنسية، استوجب الحضور في بلاد مسلمة توحيد الصفوف من أجل استئصال شأفة دين محمّد. وعليه اتّفق المبشّرون والسّاسة أن الإسلام في إفريقيا عدوّ فرنسا والكنيسة ولا مهادنة معه، وأن تمسيح الشعوب الإسلامية يندرج في إطار مصالح السياسة الأوروبية وضمن تطلّعات الكنيسة والفكر المسيحي عموما.

جاءت أهداف الكنيسة متناغمة مع الاستراتيجيات الكبرى لفرنسا، فقد كان الدخول البدئي للمبشّرين مؤمنا قطعا بقلب الأهالي إلى المسيحية، ثم بعد محاولات متنوّعة سيدبّ التشكّك، وفي مرحلة أخيرة، مع اليقين برحيل الغازي المستعمر، ستحاول الكنيسة التأقلم مع الأمر الواقع والمحافظة على ما أمكن في شمال إفريقيا. ولذلك يمكن الحديث في استراتيجيا الكنيسة عن مراحل متنوّعة، تقلّبت خلالها مع شوكة الاستعمار وتوجّهاته. من طموح لفرْنَسة الأهالي التي سترافقها مسْحَنتهم، عبّر عن مطامح تلك الفترة شارل لافيجري (1825-1892م) بعد أن تولى شأن الكنيسة في كل من الجزائر وتونس، ولكن أوج تلك التطلّعات سيكون مع ثلاثينيات القرن الماضي، فقد شهدت الفترة مئوية احتلال الجزائر، إضافة إلى عقد المؤتمر الأفخاريستي الثلاثين بقرطاج، وهو ما صادف الذكرى المئوية الخامسة عشرة لرحيل القدّيس أوغسطين[1]؛ إلى تشكّكات، بعد تيقّن من رفض المغاربي للفرنسة والأنجلة برغم شتى المحاولات، عبر عن تلك الفترة ليون إيتيان ديفال مع تنصيبه أسقفا على رأس كنيسة قسنطينة سنة 1947؛ ومع ترقيته في الرابع من فبراير 1954 إلى رئيس أساقفة الجزائر، كان انطلاق مرحلة أفول الكنيسة الغربية في سائر البلدان المغاربية، بحصول اليقين بغروب الفرنسة. والواقع أن تلك الاستراتيجيات ما كانت مشروطة بالواقع الفرنسي فحسب، بل كانت متشابكة مع أوضاع عالمية خارجية.

 

2- قرن ونصف من التبشير في الجزائر

أ- العربية والأمازيغية

حين حلّت الكنيسة ببلدان المغرب، ما كانت درايتها بثقافة المنطقة ولغاتها تسمح لها أو تؤهلها لاختراق النسيج الاجتماعي، وما كانت بشاشة المبشّر ولا ابتسامته تكفي للدخول مع النخب التقليدية في حوار، غير أن الكنيسة كان يحدوها أمل كبير في قلب الأهالي للمسيحية. يصف المؤرّخ فيديريكو كريستي في كتابه الصادر بالإيطالية "المبادرة الاستعمارية والصراع الديني في الجزائر 1830/1839" ذلك الحماس الكنَسي بقوله: كانت إيديولوجية القلب الديني ونشر البشارة، بين غير المؤمنين، متجذّرة بين رجال الدين الذين نزلوا بالضفّة الإفريقية، ممن أرسلتهم البلدان الأوروبية أو تابعوا ذيول جيوش الاحتلال. إذ يمكن قول إن فكرة التبشير –أو ما يسمونه بالكرازة- التي تستحوذ على رجال الدين متأتية من أسطورة بعيدة لم تجد تكذيبا بعد، لأنها لم تتوفّر لها فرصة التواجه مع الواقع.

فعملت الكنيسة منذ البداية على اختراق التحصّن الاجتماعي، الذي ميزه الاحتراس، بتوظيف عرب مسيحيين إلى جانبها، باعتبارهم الأقرب للأهالي. إذ رافق الحملة الاستعمارية نحو الجزائر، 14 يونيو 1830، ستة عشر قسيسا، معهم القس السوري زكّار وأخ بطريرك بيت المقدس، مع مسيحيين عرب آخرين تولوا مهمة الترجمة.

وبنزول الكنيسة بالجزائر كلّفت عربا مهمّة تعليم المبشّرين العربية، ثم في مراحل لاحقة أستعين بالجزائري محمّد بن سديرة سنة 1879، جنب كاهن لبناني من أتباع المذهب الملكاني يدعى بطرس الشامي. كان إصرار الممسكين بزمام البعثات التبشيرية على تعلّم العربية بناءً على يقين، أن ما يُقدّم بالفرنسية يبقى دخيلا على المخيال الثقافي للأهالي، في حين عرضه بالعربية والعامية أو باللّهجات الأمازيغية فهو مدعاة للقبول. ضمن هذا السياق أنشأ لافيجري "السيمينار العربي" لتكوين مبشّرين في الجزائر. وقد كان ذلك جليا منذ أن بعث معهد "الشبّان الزنوج" -Jeunes Nègres- بمالطا، المتخصّص في تكوين السود لغرض التبشير في أواسط إفريقيا.

اشترط لافيجري على الآباء البيض أن "يكونوا عربا بين الأفارقة"، بحسب قوله: "Se faire arabe avec les africains"، واشترط ألاّ يرسم قسّا ما لم يتقن العربية بشكل جيد، وما لم يعبّر بها بطلاقة. ثم في مرحلة لاحقة انصبّ اهتمام الكنيسة على الأمازيغية، لما منّت به النفس من فصل الأمازيغ عن العرب، في مواكبة لسياسة "الظهير البربري" التي اتبعتها فرنسا. وقد كرّس ذلك التوجه وايناشتر –Weinachter- (1926- 1934م) من رجالات الكنيسة في الجزائر، حيث ألح على تعلّم الأمازيغية ونظّم دورات تعليم أثناء عطل 1930م، كما أقام درسا منتظما في منطقة بونوح، وسعى في إرساء مركز لتدريس اللغة والعادات للمبشرين بتيزي وزو، مع دراسة العربية والإسلام.

كانت التوصيات المتكرّرة التي ينقلها العارفون بالتبشير في الجزائر، أن الأنجلة لشعب ما لن يتيسر لها النجاح إلا عبر لغته، ولن تكفي فيها بشاشة المبشّر. رغم ذلك لم يبذل المبشّرون الأوائل ممن عملوا في منطقة القبائل بالجزائر، طيلة سنين عدة، سعيا جادا لتعلم لغات الأهالي، لعامل نفسي متمثّل في الاحتقار والتعالي، الذي لم يستطع حتى رجل الدين التخلّص منه.

ولكن للحاجة الماسة للغات المحلّية، دشّنت الكنيسة لاحقا في المغرب الأقصى تجربة مستجدة. انطلق فيها توظيف اللغة والحضارة العربية عبر الاستعانة بألسن أبنائها، فقد لعب النشاط الصحفي المشرقي، الذي تولاّه بعض المسيحيين العرب، دورا فاعلا في تجسير الهوة بين الكنيسة الغربية الغازية والمجتمع المغربي. من بين هؤلاء النشطين في الميدان الصحفي نجد عيسى فرج وسليم القصباني من صحيفة "المغرب، 1889"؛ وديع كرم من صحيفة "السعادة، بدءا من 1906"؛ الأخوان المارونيان أرثور وفرج الله نمور من "لسان المغرب 1907-1909".

ب – لافيجري بين حماس التبشير وعراقيله

حين حلّت الكنيسة الغربية بشمال إفريقيا كانت مسكونة بوهْم مستحكم، يصف فيدريكو كريستي ذلك بقوله: ما كان المبشّر ينظر للدين الإسلامي كبنية عقدية متكاملة تحتضنها حاضنة اجتماعية، بل حشد متداخل من الأوهام والأكاذيب، سيذوب كالثلج أمام الشمس، أمام نور المسيحية الساطع. يمكن القول دون وجل، إن رجال الدين ما كانت لهم أية معرفة بالدين الإسلامي، وما كانت لهم الكفاءة لخوض أية مجادلة بشأنه. ولكن كانت تجارب الآباء في مناطق أخرى دافعا لاستلهام مناهج، ما كانت تتوفر لها الدعامات الموضوعية والقدرات اللازمة للسيطرة على فضاء مزمَع اختراقه وقلبه. وكان الهدف الذي يحدو الجميع، مشروع الكنيسة الواسع المتمثل في بعث كنيسة إفريقية، مقدّرين أنه لن يتيسر بلوغ "تونس المسيحية" و"المغرب المسيحي" إلا عن طريق بوابة المشروع الاستعماري "الجزائر الفرنسية"، الذي سيفرز طبيعيا "الجزائر المسيحية"، وتزاحمت التنظيرات للعملية حينها بدعوى أن الأهالي لن يكونوا فرنسيين حتى يصيروا مسيحيين.

كان المخطّط الذي يجول بخاطر المبشّرين يتمثل في خلق قرى عربية وأمازيغية مسيحية مغلقة، فالجزائر في منظور الكنيسة هي البوّابة الرئيسية لمسحنة مئتي مليون إفريقي. ومع وصول مكلّف الكنيسة الأساسي، الكردينال شارل لافيجري (1825-1892م)، الجزائر العاصمة في 15 مايو 1867 –مرّت على الجزائر حينها سبع وثلاثون سنة من الاستعمار الفرنسي-، لخّص مشروعه في قوله: "تكون المبادرة مع المبشّرين، لكن المهمة الثابتة والدائمة يتولاها الأهالي الأفارقة بأنفسهم، ممن سيصيرون مسيحيين ومبشّرين". كان الرجل في البداية حذرا من ردود فعل السلطات الفرنسية، التي نظرت لعمليات التمسيح بعين الريبة، لما تشكّله من تهديد للأمن العام، من شأنه أن يولّد حزازات بين الديانات المتواجدة، خصوصا وأن تجارب الأسقفين السابقين اللذين سبقا لافيجري، دوبيش وبافي، كانت ماثلة أمام أعين السلطات الفرنسية.

توفّرت للافيجري بعض الدراية والإلمام بشؤون العرب والمسلمين، على إثر إقامته السابقة بالمشرق طيلة الفترة الممتدة بين 1855 و 1862م، تولى فيها مهمة "أنشطة مدارس الشرق"، التي تطلّعت لجلْب مسيحيي المشرق إلى حاضنة كنيسة روما، بعد تراجع التأثير الروسي الأرثوذكسي هناك وفتور سلطان الإمبراطورية العثمانية، كما عاد لاحقا لتولي مهمة رعاية كنيسة سانتا آنّا بالقدس. كان قرار لافيجري لأعوانه بالإيحاء للمسلمين في شمال إفريقيا، بالإحساس بالتواضع، والتشبّه بهم بغرض جلبهم إلى يسوع المسيح. دعا معاونيه ما أن تتوفّر لهم الفرصة المناسبة لاختراق قبيلة ما، حتى يقلّدوا ما أمكن عوائدهم في الملبس والمأكل، ونهاهم عن التعرض لمسائل الدين والسعي للفوز بقلوب الناس وثقتهم. فضلا عن تعليماته للمبشرين بتقليد الأهالي في ارتداء الشاشية والبرنس وأكل الكسكسي، عوائد العرب والأمازيغ الضاربة في القدم، كما حضّهم على استعمال المسبحة أمام الأهالي، تشبّهًا بالمسلمين، حتى يتوهّم الناس تقواهم، والتي سيعدّها أتباعه المراجعون لنهجه من"التوصيات الفلكلورية".

كان لافيجري حذرا في تعامله مع الحكومة الاستعمارية، حتى لا يثير ثائرتها، ففي بداية نزوله بالجزائر اصطدم حماسه التبشيري بسياسة فرنسا التي يتولاها الماريشال ماك-ماهون، إذ بشأن الجزائر، تربط الكرسي الرسولي بفرنسا معاهدة تنظم سير أنشطة الكنيسة، تتلخّص في أن مهمّتها تقتصر على مساعدة الكاثوليك فحسب. وقد مكّن حزم الرجل نقل الخلاف القديم بين الكنيسة والدولة من إطار ضيق إلى إطار أوسع، ربطه بفلسفة الاستعمار الفرنسي. ولن تعرف تلك العلاقة انبساطها إلاّ لاحقا، على إثر اتفاقات لافيجري مع قادة الجيش الفرنسي في الجزائر، في ما يعرف في الأدبيات التاريخية بجلسة "على نخب الجزائر"–Toast d’Alger- في 18 نوفمبر 1890، كمقترح مصالحة وتحالف دائمين بين الكنيسة وفرنسا.

صادف في السنة التي حلّ فيها لافيجري بالجزائر 1867م، أن تفشّى وباء الكوليرا بين الأهالي واجتاحت البلاد مجاعة، خلّفت عدة ضحايا. تحوّلت الكارثة إلى فرصة سانحة للافيجري وأعوانه، لافتكاك تصريح من نابوليون الثالث، يسمح لهم بـ"ممارسة الإحسان"، بدعوى مساعدة المشرّدين والمعوزين من الأطفال واحتضانهم في مياتم ترعاها الكنيسة.

 بحسب المعاهدة التي تنظّم علاقة الكنيسة بفرنسا، والتي تتلخّص في برامج -Congregazione di Propaganda- كانت الأنشطة محدودة، إضافة أن التطبيق الواقعي ما كان مراعى. ففي رسالة مؤرّخة في 13 جوان 1832، أرسلها المونسنيور كاستراكاني، السكرتير العام للكونغرغاسيون إلى سكرتير الدولة الكردينال برنِتّي، بعد سنتين من السيطرة على الجزائر العاصمة، جاء فيها: "أرست البروباغاندا بالجزائر العاصمة بعثة تبشيرية، يتابع بإذنها المبشرون العمل الروحي بين العساكر والمعمّرين الفرنسيين، ولكن بناء على مهامهم الأساسية عليهم الانشغال بقلب البدو، وفسح الطريق إلى إيمان المسيح للدخول من جديد في أوساط إفريقيا".

تلك العوائق الإدارية جعلت لافيجري في البداية يجمح عن تعميد الأطفال الذين يرعونهم من ضحايا المجاعة والوباء، باستثناء من يتهدّدهم خطر الموت. ولكن ذلك المنع في الجزائر كان مسموحا بالتخلّص من تبعاته في أوروبا، لذلك تم تعميد عبدالقادر بن محمّد وأحمد بن عائشة في جانفي 1870م، من طرف الكردينال بونابرت بروما، ولم يعمَّد ثالث رُحِّل معهما خشية من عشيرته، لأنّ والدته لا زالت على قيد الحياة.

كانت المجموعة الجزائرية الأولى التي حاولت الكنيسة تربيتها برعاية لافيجري، تتركّب من 34 يتيما، أنتقوا بعناية أختبرت فيها قدراتهم الذهنية. وقد تطوّر ذلك العدد سنة 1874 إلى 62 فردا، حيث استمرّ تعليمهم قرابة خمس سنوات من 1869 إلى 1874م. ثم في مرحلة لاحقة قرّرت الكنيسة ترحيلهم إلى فرنسا لإطلاعهم على المجتمع المسيحي الحقيقي وهناك جرى تعميدهم. عانت مجموعة التجربة الأولى من الغربة جراء الاجتثاث من واقعها، فعبر جمع منهم عن رغبة في العودة للجزائر، فكان الحدث فشلا مبكّرا للكنيسة.

غير أن مراعاة تعاليم الحيطة والحذر الصادرة من الأسقفية العليا، ما كان بالانضباط الكافي في كافة الدور التربوية، سواء في "Maison-Carrée" أو في "السيمينار العربي الصغير" بسان أوجان، المنتشرة في المناطق الجزائرية، وفتح باب التعميد على مصراعيه لاحقا، وجرى تعميد العشرات بمرسيليا ممن احتضنتهم مؤسسة سان بيار أوليان، بعد وصولهم، وحدث في 26 جانفي 1872 أن عُمِّد 24 منهم بيدي رئيس أساقفة الجزائر. وبعد أشهر من ذلك، في الثاني من جويلية، ترأس أسقف كاتدرائية شمال إفريقيا الزّواجان الأولان بين هؤلاء الأيتام.

كما تم تعميد ثلاثة شبّان من منطقة القبائل في روما، وجرت المراسم في كنف السرية بكنيسة سان نيكولا دي لوران، في 24 مايو 1888، ثم عرضوا في اليوم الموالي على البابا ليون الثالث عشر، يتقدّمهم لافيجري، بصفة العملية إحياء لكنيسة شمال إفريقيا، كان ذلك بمناسبة اليوبيل. من هؤلاء المسمى امحند عكلي واثنان آخران، وبعد إعادتهم للجزائر حرصت الكنيسة على تزويج المتنصّرين، بنية التكاثر. كما جرت مراسم زواج ممسَّحين جدد آخرين خلال شهر ديسمبر 1888. فكانت بذلك أولى الزيجات المسيحية بمنطقة أوداهيا التي انطلقت فيها البعثة التبشرية سنة 1873.

يذكر جوزيف كوك أن عدد المعمّدين الأوائل في تلك الفترة بلغ مئتي صبي وصبية، من جملة ألف، كانت ترعاهم الكنيسة. وقد تم انتقاء 12 منهم أرسلوا إلى السيمينار الرسولي سان أوجان، قرب الجزائر، على أمل رعايتهم حتى يكونوا كهنة أو أطباء.

تواصل إصرار الكنيسة لصنع نخبة كهنوتية جزائرية مسيحية، فكان من بواكير إنتاجها "بن ميرة" الذي صار يسمى برتوليمي بن ميرة، والذي قدّم للبابا بيو التاسع يوم 6 ماي 1885، بمناسبة عيد الصعود، وقد توفي في 12 ماي 1931. كما نجد آخر، المسمى ميشال العربي، ترقّى إلى رتبة دينية للقيام بمهمة التبشير، توفي في أوّل أكتوبر 1911م، وثالثا لقّب بروش الصغير، توفي في 2 فيفري 1909، فضلا عن تراجع آخرين في مسيرة التكوين الديني.

رغم تلك المساعي الحثيثة، ما كانت النتائج مرضية، فقد كتب الراهب ديباش Dupêche، بعد اشتغال خمسين مبشرا، من سنة 1873 إلى سنة 1892، كانت حصيلة المعمَّدين قليلة. والحقيقة أن لافيجري أدرك صعوبة عمله منذ البداية، فقدّر أن العمل التبشيري التمهيدي سيمتد على مئة سنة، حتى يتيسر التحوّل إلى المسيحية.

ج - مشروع القرى المسيحية

مثّل التحول إلى مشروع "القرى المسيحية" التي تدعمها المشافي نقلة في العمل التبشيري، فما كانت النقاط الصحيّة منشأة في حد ذاتها بغرض مساعدة الأهالي، بل توسلوا بها إلى بلوغ مطامعهم. وكانت التوصية للعاملين ألا يعرضوا أنفسهم بصفتهم أطبّاء بل رجال الرب في خدمة المعوزين.

فبعد نجاح الكنيسة في خلق نواة مسيحية من الأهالي، كان التفكير في خطوة لاحقة، عبر إنشاء قرى محمية تعيش داخلها الزيجات الجديدة وتشتغل فيها، بغرض "رعاية القطيع الناشئ"، وجرى تفادي دمجهم مع الأوروبيين، نظرا للاحتقار الذين يكنّونه للأهالي. اقتنى لافيجري سنة 1869 في سهول منطقة الشلف بالجزائر، على بعد 120 كلم من العاصمة، أراض فلاحية للغرض، وفي 1872 حلّت مجموعة من المبشرين والمبشرات بعطّاف لتشييد قرية "سان سبريان"، وشرعوا في تسليم الزيجات المنصَّرة من الأهالي مساكن متواضعة وأراض لزراعتها، ثم توالت التجربة في عدة مناطق في "ملجأ القبائل" وفي "تعاونية منڤلاّت"، لكن تلك التجارب بقيت محصورة ولم تتطوّر حسب المرجو، مما أجبر الكردينال لافيجري على استبدال استراتيجيته بعد فشله في إنشاء قرى الأطفال العربية المسيحية، معتبرا الإحسان واللّطف والإخلاص والعدالة، الخصال التي فرضتها العقيدة المسيحية، وحدها الكفيلة بإنجاز الأعمال التي فرضت بادئ الأمر.

 

* أستاذ تونسي بجامعة روما

[email protected]

[1]. شهدت الفترة مجزرة جامع كتشاوة، بعد محاصرته من طرف الجنرال الفرنسي روفيغو سنة 1932م، والتي ذهب ضحيتها زهاء أربعة آلاف ممن اعتصموا بالجامع، احتجاجا على قرار تحويله إلى كنيسة. حوِّل الجامع عنوة كنيسة، في ظل ترحيب من البابا غريغور السادس عشر، ورفع العلم الفرنسي بمحاذاة الصليب، في موكب رسمي حضره القائد الأعلى للقوات الفرنسية، معلنا بذلك تلاحم الكنيسة مع الدولة في الحملة الاستعمارية على الجزائر.

خلّد تلك الأحداث الفاجعة شاعر الثورة مفدي زكريا في "إلياذة الجزائر" بقوله:

وجامع كتشاوة المستعا               د، ما انفك رمزا لإجلالنـا؟

يناجيه في النيل أزهرنا                فيستنجدان بأسلافنــــا

دوبورمون هل دام حقد الصليب؟   أنال قريقوار من بأسنــا؟

وهل فتّ فيليب في عزمنا؟           وحط القساوس من شأننـا؟

وهل نابليون ومن وسّمته            يداه، استهان بإصرارنــا؟

وهل لافيجيري وطول الســــنين استطاع المروق بأطفالنا؟

ومهما يقيمون فيه احتفالا             فقد عاد يهفو لأكبادنا

دوبورمون هو الكونت الذي رفع الصّليب والعلم الفرنسي فوق كتشاوة، وأما قريقوار فهو البابا الذي بارك التحويل، وفيليب هو الملك لويس فيليب، الذي أصدر مرسوما يؤازر الكنيسة، ونابليون هو رئيس فرنسا الذي وسّم الكردينال لافيجري.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:27 ص
  • فجر

    04:27

  • شروق

    05:50

  • ظهر

    11:51

  • عصر

    15:17

  • مغرب

    17:52

  • عشاء

    19:22

من الى