• السبت 20 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر03:21 م
بحث متقدم

كيف أنشأت المخابرات الألمانية تنظيم الضباط الأحرار؟

دفتر أحوال الوطن

كيف أنشأت المخابرات الألمانية تنظيم الضباط الأحرار؟
كيف أنشأت المخابرات الألمانية تنظيم الضباط الأحرار؟

تراجعت ألمانيا إلى الصفوف الخلفية للمعسكر الرأسمالي الاستعماري بسبب هزيمتها سنة 1944 في الحرب العالمية الثانية التنافسية على المستعمرات والتي أسفرت أيضاً عن سقوط الحزب القومي الاشتراكي النازي الألماني بعد إحدى عشرة سنة متواصلة بالحكم،

وهو الحزب الذي كان "أدولف هتلر" قد سبق أن أنشأه سنة 1919 ليخوض فترة من العمل السياسي السري الاضطراري تحت ملاحقة السلطات الأمنية والقضائية، والمتمثلة في حل الحزب وحظر أنشطته واعتقال "هتلر"وبعض رفاقه من قيادات الحزب لمدد زمنية تتراوح بين عامين وخمسة أعوام خلال عشرينيات القرن العشرين، وهي نفس الملاحقة التي تكررت مرة أخرى عقب سقوط الحزب المواكب لهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية سنة 1944 ولكن مع فوارق هامة من الناحيتين الكمية والكيفية، سواء على صعيد السلطات الأمنية والقضائية التي قررت قتل وإعدام كل قيادات الحزب وكوادره النشطة المستمرين على قيد الحياة بعد انتحار "هتلر" وبعض رفاقه مع اعتقال بقية الكوادر لمدد زمنية تتراوح بين ربع القرن ومدى الحياة، أو على صعيد الحزب النازي ذاته الذي كانت خبراته التنظيمية التراكمية قد استوعبت جيداً دروس الملاحقة الأمنية والقضائية السابقة فأسس عدة جمعيات داخل ألمانيا وخارجها لتبدو ظاهرياً وكأنها منفصلة عن الحزب ولكنها في حقيقتها تابعة له وتعمل بشكل سري من أجل صالحه، وحتى أثناء حكم الحزب النازي لألمانيا وهيمنته على عدة بلدان في أوروبا والعالم بين سنتي 1933 و1944 استمر الطابع السري يميز العمل السياسي لتلك الجمعيات النازية، التي كانت أبرزها جمعية أنشأها "هيربيرت هايم" الضابط الطبيب والكادر النازي النشط ورئيس محطة الخدمة السرية الخارجية الألمانية في "مصر" خلال ثلاثينيات القرن العشرين تحت اسم "الحرس الحديدي"، وهي الجمعية التي نالت إعجاب غريمه التقليدي "مايلز كوبلاند" باعتباره المنافس الاستخباراتي الذي تولى آنذاك رئاسة محطة الخدمة السرية الخارجية الأمريكية بمصر، فوصفها في كتابه الشهير "لعبة الأمم" بأنها "كانت أهم القواعد الثابتة المؤهلة لدعم وتلبية احتياجات أكبر المحطات الخارجية الألمانية وأهم السواتر الصالحة لتغطية مجمل أنشطة تلك المحطة"، ورغم حرص "هيربيرت هايم" على استمرار رئاسته الفعلية بنفسه لجمعية "الحرس الحديدي" السرية إلا أن وجود مركزها التنظيمي في "القاهرة" دفعه لتنصيب بعض الواجهات الشرفية المكشوفة على رأسها الظاهر من المصريين الموالين للنازية، مثل الفريق "عزيز المصري" واللواء طبيب "يوسف رشاد" والعقيد "مصطفى كمال صدقي" مع مجلس عسكري قيادي يضم عشرة ضباط جيش مصريين متوسطي الرتب، وهؤلاء هم الذين اضطر "هايم" لأن يترك لهم الجمعية بكوادرها وأعضائها ومندوبيها وأذرعها وأصدقائها وتوابعها وأدواتها وأملاكها العينية المسجلة بأسماء الواجهات المصرية مع بعض أموالها المودعة في حساباتهم البنكية بمجرد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية سنة 1944، حيث هاجر للاختفاء المؤقت داخل أحراش "الأمازون" في أمريكا اللاتينية هرباً بجلده من الملاحقة الأمنية والقضائية ضده باعتباره أحد أهم الكوادر النازية النشطة، تاركاً في حساباته الشخصية بالبنوك السويسرية ملايين الدولارات المتبقية من الميزانية الضخمة التي كان الحزب النازي قد خصصها سراً للإنفاق على أنشطة الجمعية، ليتنازع ورثته على تركته المالية بعد وفاته كاشفين في نزاعهم الكثير من مستور "هايم" وجمعيته السرية، وهكذا وجد المصريون القائمون على رأس جمعية "الحرس الحديدي" أنفسهم خلال النصف الثاني لأربعينيات القرن العشرين بين اختيارين أحلاهما مر فإما استمرار الجمعية تحت خطر الملاحقة الأمنية والقضائية أو حلها بما يعنيه من فقدان أدوارهم السياسية وضياع طموحاتهم الشخصية، فاختاروا الجمع الانتقائي الماكر بين مكاسب الاستمرار والحل معاً حيث تمسكوا بالعقيدة القتالية النازية كأساس فكري يجمعهم ويوحد بينهم وأجروا في الوقت ذاته التعديلات الشكلية الكفيلة بمواكبة المستجدات العالمية والإقليمية والمحلية المحيطة بهم، وعليه فقد تم تغيير الاسم من جمعية "الحرس الحديدي" إلى تنظيم "الضباط الأحرار" مع تنحية الواجهات الشرفية المكشوفة عن الرئاسة لصالح عضو غير معروف بالمجلس العسكري القيادي هو المقدم "جمال عبدالناصر" الذي استفاد من غياب "هيربيرت هايم" ليصبح هو رئيس التنظيم الجديد شرفياً وفعلياً رغم تنازله المؤقت عن الرئاسة الشرفية فيما بعد إلى اللواء "محمد نجيب"، ولنقل تبعيتهم من كفالة ألمانيا المنهزمة في الحرب العالمية الثانية إلى كفالة الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة على كفيلهم الألمانى السابق، فقد استعان الضباط الأحرار بجمعية "الفلاح" التي كانت إحدى سواتر محطة الخدمة السرية الخارجية الأمريكية في "مصر" برئاسة "مايلز كوبلاند" الذي طالما سعى من جانبه لاجتذابهم نحو شخصه ومحطته ودولته منذ نشأتهم الأصلية تحت اسم جمعية "الحرس الحديدي"، وفور حصولها على ضالتها النموذجية المتمثلة في التنظيم العسكري السري الجديد سارعت الإدارة الأمريكية باتخاذ كل الخطوات والتحركات المحسوبة والمبرمجة بدقة ومهارة فائقة على كافة الجبهات، وصولاً إلى توجيه ضربة سياسية واحدة خاطفة تكفل تحقيق هدفين اثنين مزدوجين في ذات التوقيت ألا وهما إخراج قوات الاحتلال البريطاني من "مصر" وإسقاط نظام حكم الملك "فاروق"، مع تحاشي أن يصب خروج بريطانيا لصالح الاتحاد السوفيتي الذي كانت شعبيته تتسع آنذاك نظراً لنجاحه في رفع الشعارات التحررية الاستقلالية المعادية للمعسكر الرأسمالي الاستعماري، وتحاشي أن يصب سقوط "فاروق" لصالح الشيوعيين المصريين الذين كانت شعبيتهم تتسع آنذاك نظراً لنجاحهم في خوض حرب تحرير شعبية ضد قوات الاحتلال البريطاني لمصر، ولتوجيه الضربة الأمريكية الخاطفة ذات الأهداف المتعددة المتزامنة فقد تمت تهيئة المشهد المحلي من أجل اعتلاء "الضباط الأحرار" حكم "مصر" عبر انقلابهم العسكري الذي نفذوه بنجاح يوم 23 يوليو سنة 1952، عقب التمهيد الأمريكي لاعتلائهم الحكم بعدة عمليات عكسرية واستخباراتية وأمنية قذرة شنتها المكونات السياسية المحلية التابعة للإدارة الأمريكية، مثل العملية التي نفذتها الأيدي المشتركة لتوابع جمعية "الفلاح" وجماعة "الإخوان المسلمين" وتنظيم "الضباط الأحرار" تحت الإشراف المباشر لمحطة الخدمة السرية الخارجية الأمريكية يوم 26 يناير سنة 1952 والمعروفة في التاريخ المعاصر باسم حريق القاهرة!!.

وعندما أصبح الضباط الأحرار لاحقاً حكام مصر الجدد، سرعان ما أعادوا "هايم" من أحراش أمريكا اللاتينية ليعمل كمستشار أمني لهم تحت اسم مستعار هو الدكتور "طارق فريد حسين"، حيث أقام في "القاهرة" منذ سنة 1956 حتى وفاته سنة 1992 بشكل سري هرباً من تنفيذ أحكام إعدامه العديدة التي كانت قد أصدرتها ضده عدة محاكم على مستوى العالم .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • مغرب

    05:23 م
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:06

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:57

  • مغرب

    17:23

  • عشاء

    18:53

من الى