• الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر12:47 م
بحث متقدم

السودان..دماؤنا التى تجرى هناك

مقالات

رغم الخلفية الشيوعية للدكتورعبد الله حمدوك(63 عاما) رئيس وزراء السودان الجديد (انتمى للحزب الشيوعى السودانى من 1975-1991م) إلا أن هناك تفاؤلا واستبشارا كبيرا باختياره لهذه المهمة  وفي توقيت أكثر أهمية,,  د/حمدوك موظف دولي بارز وخبير اقتصادي له اسمه وإنتاجه وخبراته ,, حاصل على بكالوريوس زراعة من جامعة الخرطوم 1980 م وماجستير ودكتوراه في الاقتصاد من جامعة مانشستر 1991م ..بعد حصوله على الدكتوراه عمل في المنظمات الدولية حتى تقاعده والتحاقه بمؤسسة (تشاتام هاوس) الإنجليزية(المعهد الملكي للشئون الدولية)الذى تأسس عام 1920م  ,, من المهم أن نعلم أن برنامج دراسات الشرق الأوسط من أهم البرامج التابعة له وينتج أبحاث بالغة الأهمية بالتعاون مع كل المهتمين بقضايا وصراعات الشرق الأوسط .


 د/حمدوك له كتاب واحد بالمكتبة العربية صدر عن المركز العربى بالدوحة العام الماضى بعنوان (العرب والقرن الأفريقي.. جدلية الجوار والانتماء) اسمه كان حاضرا بقوة من البدايات الأولى للثورة السودانية 19/12/2018 ,, لكن طبيعته الهادئة التى تميل للصمت والرصانة والابتعاد عن الإعلام والضوضاء لم تجعل منه نجما ثوريا ..مهارته السياسية بدت واضحة حين اختار بيت الصادق المهدى(زعيم جزب الأمةوأخر رئيس وزراء منتخب ) ليكون أول محطات زياراته بصفته رئيسا للوزراء.                                                  وواضح أن الرجل متجاوز للحالة الايديولوجية  وان خبراته العملية وتاريخه السياسى وطبيعته الشخصية جعلته ينظر للأيديولوجيا كأحد وجوه البؤس واليأس الانسانى على حد تعبير الفيلسوف النمساوى كارل بوبر.. وهى كذلك بالفعل.


***


يرتبط السودان بمصر ومصر بالسودان ارتباطا وجوديا.. ليس لشريان الحياة الذى يسير بطول الوادى(نهر النيل) فقط ,, ولكن لأن السودان عرف الوجود الحقيقى في حضن مصر(1820م) والخرطوم عاصمته وضع نواتها عند ملتقى النهرين إبراهيم باشا ..كان حاكم مصر حاكما للسودان,, والتاريخ يذكر أن الجيش المصرى هو من جمع شتات القبائل المتناحرة بأرض السودان ,, جمعها في دوله واحده تابعه للحكم الملكي المصري..بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر أجبرت بريطانيا الحكومة المصرية على توقيع اتفاقية للحكم الثنائي في السودان(1899) والتى بموجبها أصبحت السودان خاضعة للحكم البريطاني والمصري .. وظل العلم المصرى مرفوعا إلى جوار العلم الانجليزي وظلت البعثات التعليمية والصحية والخدمية تُرسل بشكل منتظم من مصرإلى السودان وظلت قضايا السودان ضمن القضايا ذات الأولوية القصوى والاستراتيجية لدى كل  الحكومات المتعاقبة فى مصر طوال العهد الملكى.


حاول الإنجليز إخراج مصر من السودان بشتى الطرق  لمنع وجود دولة ذات وزن إقليمي ضخم وتحت يدها كل تلك الثروات ويشقها أطول انهار الدنيا ,,وكانت الحكومات المصرية المتعاقبة مليئة برجالات يفهمون منطق الاستراتيجيات فى حركة التاريخ وصنع السياسات.. ومشهورة استقالة سعد باشا زغلول سنة 1924  حين استغلت انجلترا مقتل السير لى ستاك سردار الجيش البريطانى فى السودان لتعديلات اتفاقية السودان 1899 لتسحب الجيش المصرى منها تماما .


أيضا الزعيم مصطفى النحاس وأثناء مفاوضات معاهدة  1936 قال جملته الشهيرة( تقطع يدى ولا تفصل السودان عن مصر) .. كان الرجل زعيما تاريخيا محكوم بنظر استراتيجي للمستقبل ومنذ ظهور مصر كفاعل أساسى فى الشرق الأوسط كانت العقيدة الوطنية الثابتة أنه لا يُمكن فصل البلدين.. ويحكون عن الأمير عمر طوسون(1872-1944) وقد كان احد أفضل و أهم أمراء الأسرة العلوية أنه قال فى رده على قول بعض من يردد بأن اتحاد مصر والسودان ما هو إلا استعمار مصرى للسودان.. رد بمقولة غاية فى الأدب والفهم العميق للتاريخ والجغرافيا والاستراتيجيا (فلتستعمرنا السودان إن لم نستعمرها).


***


ستخرج القوات البريطانية من مصر بموجب اتفاقية الجلاء الشهيرة (1954م)والتى عارضها كل السياسيين المخضرمين وسيكون أهم شروط هذه الاتفاقية منح السودان حق تقرير المصير ,,كانت إنجلترا مرعوبة من وحدة مصر والسودان و لعبت دورا كبيرا في تقوية الاتجاه الاستقلالي الذى كانت له أصوات داخل السودان,, هذه الاتفاقية كانت التمهيد الطبيعي لانفصال السودان عن مصر.. يقولون ان انفصال جنوب السودان بدأ من هذا التاريخ  إلى أن تم توقيع اتفاقية نيفاشا الشهيرة (يناير 2011).                                                    


تقول الدراسات أن مخطط انفصال جنوب السودان كان مخططا قديما ويعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني وتم دعمه بقوة بعد إنشاء إسرائيل. الدارسون لتاريخ الدولة العبرية يذكرون مقولة بن جوروين الشهيرة عند تأسيس دولة إسرائيل أن (وجود دول عملاقة مثل السودان ومصر والعراق خطرا على أمن إسرائيل).


***


46,5 % من السودانيين تقريبا تحت خط الفقر ,, رغم ان  السودان كما يقولون(قارة تسكن دولة) .. فهى مليئة بالثروات المتنوعة: الماء(أمطار ونيل ومياه جوفية)والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والبترول واليورانيوم.                                                                                                             200 مليون فدان صالحة للزراعة يعنى تقريبا نصف الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي كله(وما زال يستورد القمح !!)ومن أغني الدول العربية والأفريقية بالثروة الحيوانية والسمكية الهائلة.. إقليم دارفور يطفو على بحيرة من البترول ,, وبها اكبر مخزون من اليورانيوم النقى فى العالم كله.. للسودان حدود مع تسع دول أفريقية.. وتطل على البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله حوالي 720 كيلو متر..                                         كل ذلك كان طبيعيا أن يكون ضمن دولاب دولة واحدة(مصر والسودان) تصنع التاريخ,, وفى حقبة من أن أهم سنوات القرن العشرين(الخمسينيات والستينيات)..لكن ذلك لم يحدث وهو قياسا الى وقائع تاريخية سابقة جدير بأن يوضع أمام محكمة التاريخ لحساب المسؤول عن ذلك .


***


سيتمكن السودانيون في الماضي من الثورة على حكمين عسكريين شرسين ,, (ثورة اكتوبر) 1964م ضد الفريق إبراهيم عبود الذي كان قد قام بانقلاب عام 1958 على حكومة مدنية بعد عامين من استقلال البلاد في 1956 ,, و (انتفاضة ابريل) عام 1985 ضد جعفر النميري الذى كان قد قام بانقلاب عسكري في العام 1969م  ,, وها هو يقوم بثورته الثالثة على انقلاب 1989م  الذى كان قد قام بانقلاب على حكومة مدنية منتخبة عام 1986م ,,                                                                                                                  فهل نضع قلوبنا على أيدينا خوفا من تكرار نفس السيناريوهات على ثورة 2018م  .                


لا أظن ان ذلك سيحدث ولا يبدو أن الجيش السوداني يميل إلى تكرار وقائع تاريخية أليمة ومصحوبة بالفشل والخيبة ,, كما أن الحالة التى تكونت  على مدار( 9 شهور )ستمنح الواقع السياسي والاجتماعي صلابة ومناعة وحصانة ضد أى مغامرة من هنا أو هناك.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • عصر

    03:24 م
  • فجر

    04:21

  • شروق

    05:45

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:24

  • مغرب

    18:04

  • عشاء

    19:34

من الى