• الجمعة 23 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر05:15 ص
بحث متقدم

مشروع عمر الفكري (2).. النزوع إلى حل المشكلات

مقالات

لاشك أن المشروع الفكري لعمر بن الخطاب لم يكن بمشروع عادي ، إنما من تفرده أنه أرسى قواعده النبي (صلوات ربي وسلامه عليه) بقوله: " لو كان بعدي نبي  لكان عمر بن الخطاب" رواة الترمذي ،في إشارة واضحة وموحية في الوقت نفسه، أن نهج الرأي هو نبوة بعد النبوة، ثم  شرع الوحي القرآني بتثبيت أركانه واعلاء بنيانه  فوافقهُ في نحو عشرين موضعا أو يزيد، وكم استوقفتني تلك الموافقات؟!
أخذني الدهش العميق !حينما أرى الوحي القرآني يتأخر خطوة عن عمد؛ ليفسح المجال واسعاً، فيتقدم ( العقل) في إثره إلى الأمام خطوات، متصدراً دائرة الضوء، ثم ما يلبث أن يعاود الوحي ظهوره في اللحظة الحاسمة، لا ليتصدر المشهد، لكن بغية تعضيد جانب العقل و موافقته. كأنها رسالة مفادها:
لا استغناء بهذا عن ذاك، فإذا غاب العقل عن النص تحجر ، وإذا توارى النص عن العقل شط  .
فحياة تلك الأمة ,واكسير شبابها المتجدد الدائم، قد صيغت في تلك التركيبة الفريدة ما بين المعقول والمنقول.
بعدما كان حديثنا في المقالة الأولى، توطئة لمشروع عمر الفكري، و ثمة تعريف عنه، فقد آن الأوان أن نشير الى  شذرات  من ملامحه المتناثرة في سيرة عمر (رضي الله عنه)تناثر اللؤلؤ على مخمل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
اولاً: النزوع الى حل المشكلات قبل تفاقمها
لم يكن عمر يمضى على نهج سقراط الذي قال أرسطو عنه يوما: أنه كان يثير المشكلات، ثم لا يقدم لها الحلول؛ فهذا ديدن الفلاسفة المفكرين أما العقلانيون الواقعيون وعلى رأسهم  (عمر ) كان قبل أن يثير المشكلة يجهز لها الحلول، ليس أدل على ذلك من اقتراحه في عام الفتح على النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يتخذ المسلمون من مقام إبراهيم مصلى، الذى يبعد عن الكعبة ما يزيد عن عشرة أمتار، وكان العرب قبل الاسلام والمسلمون بعده يتحرجون عن الصلاة فيه؛ فيخلونه حين الصلاة، ويرى عمر الناس يدخلون في دين الله افواجاً وهم أولى بكل شبر من الحرم  فنزلت  الآية برفع الحرج والسماح بالصلاة فيه :(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) البقرة 125.
وذكر ابن قدامه في المغني حدث زيد بن أسلم  : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  خرج ليلة يحرس الناس، فمر بامرأة وهي في بيتها، وهي تقول : تطاول هذا الليل واسود جانبه /وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله أني أراقبه / لحرك من هذا السرير جوانبه
فلما أصبح عمر أرسل الى المرأة، فسأل عنها فقيل: هذه فلانه بنت فلان، وزوجها غاز في سبيل الله، فأرسل إليها  امرأة،  فقال: "كوني معها حتى يأتي زوجها"، وكتب إلى زوجها فأقفله (يأمره بالرجوع). ثم ذهب إلى حفصة بنته، فقال لها: "يا بنية، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ "فقالت: يا أبه ، يغفر الله لك! أمثلك يسأل مثلي عن هذا؟ فقال : "إنه لولا أنه شيء أريد أن أنظر فيه للرعية، ما سألتك عنه"،  قالت: اربعة أشهر أو خمسة أشهر  أو ستة أشهر، فقال عمر : يغزوا الناس يسيرون شهراً ذاهبين ويكونون في غزوهم أربعة أشهر ويقفلون شهراً، فوقت ذلك للناس في سنتهم في غزوهم."
عجيب فعل عمر عندما سمع المرأة تنفث ضيقها وحاجة جسدها في شعر يواسيها، فلم تسول له نفسه أنها ساقطة أخلاقياً-كما هو تفكير الملتزمين السريع الحكم على المظاهر في عصرنا- ولكنه على العكس أحس بها كانسان واستشعر بالوحدة التي تملأ عليها كيانها فحين لم تجد من تبوح له ؛ فضفرت معاناتها أبياتا تنشدها، فتجسدت رحمة عمر الذي قال عنها العقاد: إن غلظة عمر وجفائه ماهي إلا غشاء رقيق سرعان ما يزول في موقف يرى فيه ضعيفا أو يقابل مسكيناً يحتاج إلى معونه... 
فطفق  عمر رضى الله عنه يجند الدولة من أجل مواطنه -غير معلومة الاسم- فأرسل معها امرأة تؤنسها حتى عودة زوجها، وعرف بحس المسئول أنها ليست بحالة فردية وهناك مثلها الكثير فشرّع قانون ليس من اجل تلك المرأة فحسب بل  حمايةً للأسرة ، وحفاظاً على طهر المجتمع .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • شروق

    05:30 ص
  • فجر

    04:02

  • شروق

    05:30

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:35

  • عشاء

    20:05

من الى