• الجمعة 23 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر04:30 ص
بحث متقدم

مشروع عمر الفكري (1)

مقالات

غالباً ما تنبثق المشاريع الفكرية كناتج ثانوي؛ جراء محاولة التنقيب عن جواب لسؤال ملح أو  ثمة حل لإشكالية مؤرقة، آنية كانت أو مستقبلية ، فيشرع المفكر(صاحب المشروع) في وضع سماته وأطره ؛ منفقا عمره في الوصول إلى بناء رؤية متكاملة؛ أملا في بلوغ غايته الأسمى: المتمثلة في  التخلص من قيود الماضي، معالجة المشكلات الحاضرة، والجاهزية لما قد يبزغ مستقبلا.

أما صاحبنا عمر رضي الله عنه على عكس ما عهدناه من المشاريع سواءً السابقة عليه أو اللاحقة؛ لم يكن هو من وضعه وإن كان يمثل حجر الزاوية به ، فقد تضافرت عوامل كثيرة في تهيئة الارض، وحفر الأساس، ورص اللبنات في موضعها الأمثل ليكتمل بهاء البناء، وليس هذا فحسب بل أن ميزته الفريدة كينونته التطبيقية  حيث أنه تجسد في بشر ، مواكبا لمراحله العمرية وتغيراته الوظيفية والسلوكية، لا حبيسا بين ضفتي كتاب أو من تلك الأفكار المطروحة في الهواء.

هنا يتبادر الى الذهن سؤال:

 ما الحاجة إذن لمشروع فكري آنذاك والنبي(صلى الله عليه وسلم) قائم والوحي يتنزل؟!

بالطبع لم تكن الحاجة حالية بقدر ما كانت ماسة وشديدة الإلحاح في ما هو قادم من الأيام ولاسيما بعد انقطاع الوحي، وكأنه أريد له أو هكذا يزعم صاحب تلك السطور أن تتشكل أفكاره الجنينة في  رحم التجربة الاسلامية الآخذة فى النمو والازدهار ، فيكون وليدها ومستقبلها في آن ، وهنا ننتحى نحو دلالة فلسفية قال بها  إقبال(1877-1938) حول أن محمد (صلى الله عليه وسلم) ختم الأنبياء والمرسلين، فالنبوة عند إقبال هي الحبل السري الرابط بين السماء والأرض، فكان في سالف الأزمان يتم إرسال رسول أو أكثر لإقامة الدليل وإبانة الحجة كما في قوله تعالى:

 "إذ أرسلنا إليهم أثنين فكذبوهما فعززنا بثلث فقالوا إن إليكم مرسلون" يسن 14

فيقول إقبال في كتابه “تجديد الفكر الديني في الإسلام“ : " لقد كشفت الحياة في الإسلام مصادر جديدة للمعرفة، مناسبة لاتجاهها الجديد، فميلاد الاسلام هو ميلاد العقل الاستدلالي...وتبلغ النبوة فيه كمالها؛ باكتشافها لحقيقة جوهرية هي ضرورة أنهاء عصر النبوات... أي أن الحياة لا يمكن أن تظل رهينة لوحي يتنزل عليها في كل خطوة...وعلى الانسان لكي يكتسب وعيه الذاتي كاملا أن يُترك أخيرا ليعتمد على موارده الخاصة" بمعنى أن الوحي كان قديما ضرورة ملحة ومع البعثة المحمدية فالبشرية قد نضجت، والانسانية قد بلغت رشدها وهذا اوان الاعتماد عن الذات ولذا كانت حتمية مشروع عمر العقلي الذي يتسلم المشعل ويقود القافلة.

فما عسانا إذا أردنا تعريفا له إلا قول النبي (ص) "لقد كان فيمن كان قبلكم محَدَثون، فإن يكن من أمتي أحد فإنه عمر" رواة مسلم  وذهب فريق عن تعريف  المحدث بفتح الدال هو الملهم: الرجل صادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من الملأ الأعلى وهذا لا أستحسنه لأنه لوكان ذلك فما الضير إذن أن يرسله الله نبيا صريحا، فالحديث لا يشير الى ذلك ؛فالمحدث درجة دون النبوة.  وذهب آخر الى أنه هو الذي يجرى الصواب على لسانه من غير قصد أو تتكلم الملائكة على لسانه وهذا أيضا ليس هذا برأي يستسيغه عاقل فضلاً عن أنه حط من قدر ذلك المحدث فجعله  منه لسان ببغاء ينطق ويردد في غير وعي.

وبعد جهد جهيد من إبحارٍ في دروب اللغوين وتعمقٍ في طبقات المحدثين لم أجد تعريفا يملئ جوانب تلك الشخصية؛  إلا تعريف صاحب البصيرة: الذي تتجلى فيه سعة الادراك ، ملكة التقييم، القدرة على النفاذ إلى كنه الأمور وخفايا المعضلات؛ مستشفاً  النتائج

كما يقول البارودي(1839-1904) :

 ولست بعلام الغيوب وإنما/ أرى بلحاظ الرّأي ما هو واقع.

ومن هذا نصل أن مشروع عمر الفكري ماهو في جوهره إلا محاولة لتبديد ذلك التعارض أو ما يشبه التعارض بين الإيمان من جهة والعقل من جهة أخرى بل يتعداه إلى نسج التأويل الإستدلالي من خيوط النص الثابت الصحيح، وقد يصل إلى أن يجعل من الإيمان منصة وركيزة ينطلق منها العقل إلى رحاب الإبداع.

يتبع.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • شروق

    05:30 ص
  • فجر

    04:02

  • شروق

    05:30

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:35

  • عشاء

    20:05

من الى