• الأربعاء 26 يونيو 2019
  • بتوقيت مصر09:01 م
بحث متقدم

العدل .. قيمة الإسلام العليا

مقالات

1- في قوله تعالى : ( والسماءَ رفعها ووضع الميزان* أن لا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان )[سورة الرحمن : 7-9]، إشارة إلى حقيقة مهمة تربط بين قضيتي الخلق والأمر ،وهي أن العدل هو أساس الخلق كله ،إذ الميزان هو رمز العدل ،وهو وسيلة تحقيقه؛فما قامت السموات والأرض إلا بالعدل ،ولا صلاح لهما إلا به،قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : ( أي خلق السموات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل ،ولهذا قال تعالى : ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ).

2- والله تعالى كما خلق الخلق على مقتضى العدل والميزان ،فإنه قد حرم الظلم على نفسه قبل أن يحرمه على عباده ،كما قال تعالى في الحديث القدسي : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) .[ أخرجه مسلم من حديث أبي ذر ]

3-وما من أمة إلا وهي تدعي أنها تقيم العدل ،ولكن قد يكون العدل عندهم ما يراه أكابرهم ومقدموهم ،أو ما تواضعوا عليه فيما بينهم ،ولذا تجد العدل عند قوم خلاف العدل عند آخرين ،وقديما عرَّف بعض فلاسفة اليونان العدل بأنه العمل بمقتضى مصلحة الأقوى ،أي ما يفرضه الأقوياء على الضعفاء . أما العدل في الإسلام فإنه العدل المطلق الشامل الذي يعني إعطاء كل ذي حق حقه ،وقد بين تعالى أنه ما أرسل رسله الكرام إلا لأجل أن يقوم الناس بالعدل ،ولا يتظالموا كما قال تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) .[ الحديد :25 ]

4-وأول حق يجب على العباد هو حق الله عليهم بتوحيده سبحانه وإفراده بالعبادة كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : ( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) [ أخرجه البخاري ،ومسلم  ] ،ولذا فالتوحيد هو أعدل العدل ،كما أن أظلم الظلم الإشراك بالله تعالى ؛كما قال  لقمان لابنه وهو يعظه : ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم )[ لقمان : 13]. ومن هذا المعنى التوحيدي للعدل تنبثق كل معاني العدل في الإسلام ،فالحاكم العادل ما استحق أن يكون يوم القيامة من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إلا لكونه يقصد بعدله وجه الله تعالى ،وكذا عدل الرجل بين أزواجه وأولاده وغير ذلك من أنواع العدل إنما يستحق صاحبه الثواب إذا كان إنما يفعله رغبةً فيما عند الله وابتغاءً لمرضاته .

5-وإن من قمم الإسلام السامقة التي لا يدانيه فيها تشريع ،أنه أمر بالعدل حتى مع الأعداء الذين نبغضهم ونعاديهم ،ونهانا أن تحملنا كراهيتنا لهم على ظلمهم وعدم العدل فيهم ؛كما قال تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة :8].

إن الصحابة رضي الله عنهم لما فهموا هذا المعنى السامي للعدل في الإسلام ،كانوا يُلزمون أنفسهم بالعدل بين أحب الناس إليهم وأبغضهم إليهم .ولك أن تنظر معي إلى هذا الموقف العادل النبيل الذي وقفه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى خيبر ليخرص ثمارها -أي يقدر ما ستنتجه أشجارها وزروعها ،فيلزمهم بدفع الشطر منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو نص اتفاقهم معه -فشكوا إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  شدة خرصه ،وأرادوا أن يَرشوه – أي يعطوا رشوة لعبد الله بن رواحه فقال لهم رضي الله عنه : ( يا أعداء الله أتطعموني السحت ،والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ،ولأنتم أبغض إلي من عدتكم ،ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض ) .[ أخرجه البيهقي في سننه الكبرى من حديث ابن عمر ،وصححه ابن حبان ] .

6- كما أن من عدل الإسلام الذي سبق به كل ما عرفته البشرية من دساتير ومعاهدات ومواثيق ،أنه جعل كل إنسان مسؤولاً عن فعله ،بحيث لا يُؤاخَذ أحدٌ بذنب غيره ،وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ،وقد استقر هذا المبدأ عند المسلمين الأوائل ،بحيث صار من المسلمات التي لا تحتاج إلى بيان ،حتى إن مُبير ثقيف الحجاجَ بنَ يوسف ،وهو مَن هو في بغيه وشدة سفكه للدماء ،والذي قال فيه عمر بن عبد العزيز : لو تخابثت الأمم ؛فجاءت كل أمة بخبيثها ،وجئنا بالحجاج لغلبناهم  ، أقول : حتى إن الحجاج لم يملك إلا أن يرضخ لهذا المبدأ حين ذُكِّر به ؛ فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن رجلاً دخل على الحجاج  يشكو أنه أُخذ بجريرة أخٍ له ؛فقال : إن أخي خرج مع ابن الأشعث-أي لما خرج على بني أمية- فضُرب على اسمي في الديوان ،ومُنِعتُ العطاء ،وقد هُدِمت داري ،فقال الحجاج : هيهات - أي هيهات أن نستجيب لشكواك - أما سمعت قول الشاعر :

جانيك من يجني عليك وربما * تعدي الصحاحَ مباركُ الجُرْبِ

ولرب مأخوذٍ بذنب عشيرةٍ  * ونجا المقارِفُ صاحبُ الذنبِ

فقال الرجل : أيها الأمير ،إني سمعت الله يقول غير هذا ،وقول الله أصدق من هذا ،قال وما قال ؟قال : ( قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون ) ،فقال الحجاج : (يا غلام أعد اسمه في الديوان ،وابن داره ،وأعطه عطاءه،ومُرْ منادياً ينادي :صدق الله ،وكذب الشاعر ).

وبعد : فقد لفت انتباهي مؤخراً خبرٌ أوردته وكالات الأنباء حول اعتراض الحكومة الفرنسية على الحكم الصادر في العراق بإعدام ثلاثة فرنسيين ينتمون لما يسمى بتنظيم داعش ، لأنها من حيث المبدأ تعارض عقوبة الإعدام ، كما جاء بالخبر أيضاً أن الخارجية الفرنسية قامت بدورها في تقديم المساعدة القنصلية للدواعش الفرنسيين المعتقلين بالعراق ،لضمان تمثيل قانوني عادل لهم .

وبطبيعة الحال فإننا نختلف مع كثير من آراء ذلك التنظيم ،ولا نرضى بما ارتكبه من جرائم وحماقات في العراق وسوريا وغيرهما ، لكنا لا نملك إلا أن نُكْبِرَ هذا الموقف الفرنسي الذي فرَّق بين الاختلاف مع هؤلاء المتهمين –بل واعتبارهم إرهابيين- وبين عدم التفريط في حقهم الطبيعي في أن يحظوا بمحاكمة عادلة . وما أقرب هذا الموقف الفرنسي من مفهوم العدل الإسلامي الذي أسلفنا أن من قواعده المهمة  : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ) . وما أحسن قول من قال : ( إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ).

 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

برأيك.. ما هو أفضل فيلم تم عرضه بعيد الفطر؟

  • فجر

    03:16 ص
  • فجر

    03:15

  • شروق

    04:57

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    19:08

  • عشاء

    20:38

من الى