• الإثنين 20 مايو 2019
  • بتوقيت مصر11:40 ص
بحث متقدم

أمة تهدم عظماءها

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

من المألوف والمعروف عناية المستشرقين والغربيين وولعهم بتراثنا وكتبنا وأسفار علمائنا وعطاء حضارتنا، لقد بذلوا الغالي والنفيس في تحصيل الكثير من هذا التراث، وصاروا وحدهم من يملكونه، وأخذوا في ترجمة الكثير منه، وتعريفنا نحن المسلمين به، وكانت لهم في ذلك جهود جبارة وخارقة، ولاشك أن كثيرا منهم تعامل مع هذا التراث بالروح الصليبية، فكان بعيدا كثير البعد عن النزاهة والموضوعية والانصاف، إلا أن بعضهم كان منصفا وأعطى حضارتنا ورجالنا حقهم دون نقصان.!
وهذا الولع بالتراث شيء طبيعي لأن نفوسهم تعشق البحث وتهيم بالعلم وتوغل في المعرفة والدراسة لطبائع الأمم وعادات الشعوب وأديانهم، لكن الشيء الأغرب أن يقدروا رجالنا وينبهروا بزعمائنا وقادتنا الذين كانت لهم بصماتهم على جبين الزمن.
في الكتاب الشهير الذي وضعه عالم الفيزياء والفلكي الأمريكي مايكل هارت تحت عنوان الخالدون مائة جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رقم 1 في القائمة وقد ذاع صيت الكتاب وانتشر وحققت مبيعاته رقما هائلا، ووضع مؤلفه قائمته وقفا لمجموعة من الضوابط والمعايير الصارمة ليحوز نبينا التقدير الأول على كل رجال العالم.
ولا شك أن من يراجع أقوال الغربيين والشرقيين من العظماء والنابهين في نبينا ومسيرته فإنهم سيرون ما يدهش الألباب، فرغم عداء مللهم للإسلام إلا أنهم لم يسعهم سوى الانصاف والإقرار بالحق، ومنذ أيام قرأت نظرة الأوروبيين لسيدنا سعد بن أبي وقاص حين عدوه أكبر قادة الجيوش في العالم، لأنه من هدم ملك فارس وفتح عاصمتهم التي لم يستطع قائد في الدنيا أن يقربها ممن حارب الفرس.. حتى الاسكندر بجلال قدره، وعظيم شأنه، لم يستطع أن يقربها.
إن هناك فقه يتقنه الغرب في التعامل مع العظماء، الذين يدركون أن هؤلاء العظماء إنما هم لبنة في بناء حضارتهم ومن ثم لابد أن يعتنوا بها ويجملوها حتى تظل زاهية براقة ترمز لتلك الحضارة التي يفاخرون بها الأمم، وقد علمت أن ابن سينا كان باطنيا كافرا وقد أوجب علماء الإسلام لعنه، وكذلك الجاحظ كان معتزليا مارقا، ورغم هذا أرحو وفي هذا الزمان خاصة أن تكون لنا نظرة خاصة لأمثال هؤلاء النابهين العباقرة ، فلماذا لا ننحي الجانب العقدي جانبا ونعتز بهم لانتمائهم لحضارتنا فيضافون إلى سلسلة المجد التي تميزنا وتشيد بنا وبتحضرنا؟ لماذا لا نجعل منهما ورقة نكسب بها بعض الجولات في صراعنا مع الغرب الذي يحاول جاهدا نفينا وإفناءنا من الوجود؟!!
هناك قوم بارعون للتقليب في صفحات الماضي واستخراج الهنات وتضخيم أمرها حتى لا يكون شيئا مذكورا غيرها، وهؤلاء وللحق يتصرفون بجهل يؤذي الأمة في مسار كفاحها ويعوق انتصارها ويهدر دفاعها في سبيل وجودها.!
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: " أذكر أن بابا روما الأسبق مات عقب مرض ألم به فألف طبيبه الخاص رسالة لا أدري ما فيها عن حياته الخاصة، فصودرت الرسالة، وفصل الطبيب من النقابة، وانتهت حياته الاجتماعية، وقد ألفت عشرات الكتب عن (نابليون) تنوه بأمجاده وتتواصي بالسكوت عن غدره وشذوذه وخسته. القوم إن رأوا من عظائمهم خيرا أذاعوه وإن رأوا شرا دفنوه! أما نحن فمبدعون في تضخيم الآفات إن وجدت، واختلافها إن لم يكن لها وجود، والنتيجة أنه لن يكون لنا تاريخ. وقد نظرت إلي علماء الدين الذين تناولوا الأفغاني بالسوء فرأيتهم يحيون في إطار نظم تتبع الاستعمار الشرقي أو الغربي، وأنهم في مواجهته ومواجهة سماسرته خرجوا بالصمت عن لا ونعم"
انظر هنا إلى هذا الثائر العظيم الذي لقب بموقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، والذي ينتمي لأمتنا ويعتز العقلاء منها بهذا الإنتماء، لكن قوما من التيارات الحرفية خدعتهم دعاوى الصليبيين التي رددها لويس عوض، وكانت تهيل الأكاذيب على الرجل العبقري، حتى يُفقروا أمتنا فلا يكون منها ولا فيها مثل هذا الرجل الذي أقض مضاجع الإستعمار وأيقظ الشعوب وغرس بذور الحرية في بلاد الإسلام المخدرة، إنه جمال الدين الأفغاني الذي عرف الغرب قيمته، حينما أهلنا نحن التراب على قامته العالية.!
يقول أحمد أمين في زعماء الإصلاح:" قصدت الآستانة سنة (1928م) بعد وفاته بإحدى وثلاثين سنة، فرأيت واجبا أن أزور قبر هذا الرجل العظيم، وأستعيد عنده ذكرى عظمته وسلسلة من أعماله، فسألت عنه الكثير فلم يعرفه، ورأيت رجلا أفغانيا يعمل خازنا لمكتبة الشهيد علي، فوصف لي مكانه، فذهبت مع صديقي العبادي عصر يوم الأحد 8 يوليو إلى (ماجقة) أو (متشكة) فوجدت في ربوة على مدخل البوسفور مقبرة قد انتثرت فيها المدافن، ودلنا شيخ المقبرة على مدفن السيد، فعلمنا أن قبره كان قد تشعث ولم يعن به أحد، وكادت تضيع معالمه، ولم يفكر فيه أحد من أهل الشرق الذين أفنى فيهم حياته، إنما ذكره مستشرق أمريكي حضر إلى الآستانة سنة (1926م) ونقب عن قبره حتى وجده، فبنى عليه تركيبة جميلة من الرخام، وأحاطها بسور من حديد، وكتب على أحد وجوه التركيبة اسم السيد وتاريخ ولادته ووفاته، وفي وجه آخر من التركيبة ترجم يقول: أنشأ هذا المزار الصديق الحميم للمسلمين في أنحاء العالم، الخبير الأمريكاني المستر شارلس كرين سنة 1926م"
حقا انها الأمة التي تهدم عظماءها.. تماما كتلك الدابة التي تقتل صاحبها.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

برأيك.. من أفضل لاعب كرة قدم في التاريخ؟

  • ظهر

    11:56 ص
  • فجر

    03:25

  • شروق

    05:01

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:52

  • عشاء

    20:22

من الى