• الأحد 19 مايو 2019
  • بتوقيت مصر03:18 م
بحث متقدم

حماقة الحرفيين

أخبار الساعة

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

ليس معنى أنك عدوي أن أتنكر لك ولا أقبل وجودك ولا أطيق رؤيتك، أو ذكر اسمك، هناك قوم متوغلون عميقون في خصومتهم، أو إن شئت فقل: فاجرون في عدائهم، فلو مررت أنت وحييت عدوي أو ابتسمت في وجهه، فأنت أيضا عدوي ولا يمكن قبول هذه الابتسامة، إلا أن تكون تأشيرة الدخول والانضمام لصفوف الاعداء، فهم لا يقبلون أبدا أي مهادنة أو أي مسامحة أو أي شكل من أشكال الهدوء والملاينة، فالعدو هو العدو، ولا شيء آخر غير العدو.!
ولعل هذا التصور الأخرق الغبي المأفون الضيق الجاهل.. سريع الاتهام والظلم والتخوين، وسريع في الأخذ بالشبهة، وأصحاب هذا الطريق لا يقبلون ما يسمى بالحوار، ومحاولات التقارب واللين والتفاهم.
بل إن مجرد الإقدام على شيء من هذه الصور والمفاهيم، يعدونه خيانة وعمالة وذنبًا لا يغتفر.
ولعل في هذه الصور مسحة من خصام الأطفال، أو خصام الأنداد مع بعضهم البعض، لكن خصومة الفكر والعقائد، والعلاقة بين القوي والضعيف والكبير والصغير، لا يمكن أبدا أن تكون بهذا الشكل الطفولي، فهناك حوار وأخذ ورد واستماع وتفهم، ولقاء وعرض، وقبول وتأن، وشرح وتعريف وتأمل وصبر ومحايلة، حتى ينال المرء مأربه في هدوء، ويحصل أكبر قدر من المكاسب من عدوه، أو على الأقل يأمن جانبه أو يتعرف على مقاصده وطبائعه وأسلوبه فيتلافى كيده ويحصن نفسه من تدبيره.
لقد عاد الإمام (محمد عبده) إلى مصر بعد أن ترك الجهاد السياسي مع أستاذه (جمال الدين الأفغاني) وحمل نفسه على الالتزام بالثقافة والتربية، وهو ما كان أميل لقلبه من العمل بالسياسة.
ومما جاء عنه.. أنه وضع في خطط إصلاحه وأهدافه أن يتعاون مع الانجليز، ويصادقهم ويتفاهم معهم لينال منهم بأقصى ما يستطيع إعانته فيما ينشد من إصلاح داخلي تثقيفي، وهو المنهج الذي لم يكن يُعجب مصطفى كامل وكان بسببه في خصومة شديدة مع الإمام.
بل هي الشبهة التي ذكرها يوما شاب سلفي جرى بيني وبينه عراك فكري حول شخصية الامام، ولوح بهذه الصداقة بينه وبين كرومر والتي يراها مريبة، وكأنها سبة عظيمة وخيانة فاجرة، وما هي إلا حكمة وحصافة من أجل الأمة وإنفاذ مصالحها.. ولكن هكذا ينظرون وهكذا يؤولون.. نعم لقد أفاد (محمد عبده) كثيرا من الإنجليز ولكنهم هم ظنوا أنهم أفادوا منه، لكن كل ما أفاده كان في سبيل بلاده ووطنه.!
رحم الله الكاتب الكبير محمد جلال كشك حينما صور علماء الأزهر أيام الحملة الفرنسية الذين انضموا لديوان نابليون، لاشك أن السطحيين يرونهم ممالئين أو خونة أو عملاء، أو أصحاب دنيا باعوا وطنهم وقضيتهم وساعدوا المحتل في نيل مآربه، ولكن الحقيقة التي ذكرها الكاتب، أنهم كانوا يقومون بدور المقاومة السلبية في هذا الديوان، ليعرقلوا ماشاؤوا أن يعرقلوا من غايات الطاغية نابليون.
وما كان هؤلاء العلماء ومن بعدهم الإمام محمد عبده إلا منطقيين مع أنفسهم وهم يتعاملون مع الاحتلال كأمر واقع يكيفون حالهم معه، ويحاولون التكسب منه ما استطاعوا لمصلحة الوطن قدر الإمكان، وهو ما يجهله بسطاء العقول الذين يأخذون بالشبهة ويسارعون للاتهام والتخوين.!
وهو نفس المشهد الذي وقف بمنطقة يوما أحد الشباب السلفيين، وما أكثر ما نعاني من السلفيين ضيقي العقول، ومحدودي الفهم والوعي والتأمل، وكان يصرخ بأعلى صوته منددًا بحسن البنا مشبهًا إياه بأنه كان عبدا للملوك، منافقا لهم، يخطب ودهم على حساب دينه، وقال: ألم يقترح يوما على الملك فاروق أن يكون خليفة للمسلمين؟ وينادي بهذا الأمر بعد سقوط الخلافة، ورغبه في هذه الدعوة، ثم عقب مستهينا: أهذا هو الإمام المفدى والداعية الشهيد؟!
ولا شك أن هناك أعين لا تبصر إلا الصور القذرة، ولا تقتنع أبدا بمشاهد الجمال، ومن ثم تحاول أن ترى كل شيء حولها من جنس هذه القذارة، حتى ترتوي عفنا ونتنا، وهو بالضبط ما ينطبق على هذه العقول التي تنتسب للتيارات السلفية المتشددة، ونقول لهذا الجاهل: ماضر حسن البنا لو قبل فاروق دعوته، ودعا لنفسه بالخلافة لنفسه، وصار فعلا خليفة للمسلمين وبايعه الناس على ذلك؟!
أليس في هذا ضربة قاصمة للاستعمار الذي دأب دهورا على وأد هذه الخلافة وتحطيم ملكها وسلطانها ونفوذها بين المسلمين؟! أي مكسب عظيم إذن كان الإسلام سيجنيه لو تحققت تلك الرغبة، وتمثل هذا الطموح على أرض الواقع؟!
ومهما تسأل ومهما تعلم، فلن يفهم هؤلاء شيئا لا لأن عقولهم تتأبى على الفهم، ولكن لأن قلوبهم مظلمة قاتمة عاتمة.!
عرضت إحدى المجلات التي تعنى بأخبار الفنانين والفنانات والموضة والأزياء ولاعبي الكرة من الشيخ القرضاوي أن يكتب فيها مقالا متتابعا، وسأل الشيخ واستشار بعض تلاميذه وأصدقاءه في هذا الأمر، فإذا بهم جميعا يتنكرون لهذا العمل، وقالوا كيف تكتب في مثل تلك المجلات المنحلة؟! لكن الشيخ كان أبصر ممن سألهم وأبعد نظرًا ورؤية ممن استشارهم فقال: إن هذه النوعية من الصحف والمجلات هي أولى ما نكتب فيها ونطرح فيها أفكارنا، لأن لها جمهورا لا يقترب أبدا من الكتابات الدينية، فما عسانا أن نذهب إليهم نحن ونقدم لهم تعاليم الدين ومعالم الهداية.؟!
إن مأساتنا اليوم أننا نفتقد الحكمة والبصر والرؤية البعيدة والحنكة في التعامل مع كثير من الأزمات والمشكلات.
مأساتنا في الحرفيين النصوصيين القشوريين الذين لا يرون أبعد من أنوفهم.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

برأيك.. من أفضل لاعب كرة قدم في التاريخ؟

  • عصر

    03:35 م
  • فجر

    03:26

  • شروق

    05:02

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:51

  • عشاء

    20:21

من الى