• الأحد 19 مايو 2019
  • بتوقيت مصر03:28 م
بحث متقدم

الشيخ مخلوف يحذر من مسايرة العوام

مقالات

بتاريخ 18/ 8/ 1952 - أي بعد قيام ثورة يوليو بأقل من شهر - أرسل علي ماهر باشا رئيس الوزراء في ذلك الوقت برسالة إلى فضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ حسنين محمد حسنين مخلوف ( 1890-1990م ) يطلب منه بيان الحكم الشرعي فيما يحدث في حفلة المحمل السنوية ، وهي الحفلة التي كانت تقام بمناسبة توديع الموكب الذي يحمل كسوة الكعبة ، حيث كانت مصر تهدي إلى الكعبة كسوة سنوية منذ عصر المماليك ، إلى أن توقفت في عصر الرئيس جمال عبد الناصر ، وكانت هذه الحفلة تحوي بعضاً من النظم والمراسم التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها ،والتي حملت رئيس الوزراء آنذاك على طلب الفتوى الرسمية فيها . وقد جاء في خطابه إلى المفتي ما نصه : ( وإذا رأيتم فضيلتكم الاتصال بصاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر وصاحب الفضيلة رئيس المحكمة العليا الشرعية ليكون الرأي إجماعياً نكون لكم من الشاكرين ) .
وقد قام الشيخ مخلوف رحمه الله بالرد على تلك الرسالة بفتوى مطولة حرص على أن يأخذ فيها باقتراح الرئيس على ماهر في الاتصال بشيخ الأزهر – وقد كان وقتها الشيخ عبد المجيد سليم - وبرئيس المحكمة الشرعية – الشيخ حسن مأمون- اللذين أقراه على تلك الفتوى .وقد نشرت مجلة الهدي النبوي -التي كانت تصدرها جماعة أنصار السنة المحمدية - نص الفتوى كاملة في عددها الصادر في شهر ذي الحجة 1371هـ .
وقد جاء في تفاصيل تلك الفتوى أن ذلك الاحتفال السنوي قد صار يتضمن  بعض التقاليد المخالفة لشرائع الإسلام مخالفة صريحة ، والتي هي بدع لا أصل لها في الدين ،ويجب إزالتها والقضاء عليها . ومن تلك البدع بحسب ما جاء في الفتوى المشار إليها : ( الطواف بالمحمل سبع مرات حول الدائرة التي ترسم له أمام السرادق المعد للاجتماع الرسمي ؛رمزاً إلى الطواف حول الكعبة سبعة أشواط ،مع أن الطواف لم يشرع إلا حول الكعبة ، ولا يجوز الرمز إلى ذلك بأي حال ) . ومنها : ( دوران عدة من الجمال حول هذه الدائرة وعليها رجال يطبلون ويزمرون بملابس خاصة وصورة رمزية ) ومنها : ( تقبيل أمير الحج ومن معه مقودَ الجمل الذي يحمل الهودج المرموز به إلى هودج شجرة الدر ،حين حجت في عهد دولة المماليك ، وليس لهذا أصل في الدين ،فضلاً عن أنه مما تأباه النفوس الكريمة . والتقبيل لم يؤذن به شرعاً في المناسك أو غيرا إلا في الحجر الأسود ) ومنها : ( وقوف جماعة من مشايخ الطرق وأتباعهم أمام السرادق يقرأون الفاتحة بأصوات صاخبة مزعجة ،وما كانت تلاوة القرآن لذلك ولا على هذا الوجه المنكر ) .ثم ذكر المفتي أن هذه الأعمال قد تأصلت في نفوس العامة حتى ظنوها من الدين ، والدين يأباها ويرشد إلى أنها من السوء بمكان ،وفي إقرارها تضليل للعامة باعتقادهم أنها من الدين ، وهي ليست من الدين في شيء. ثم ختم الشيخ فتواه بأنه : ( بما أن الواجب شرعاً رد المسلمين إلى الحق والهدى ،وإرشاد العامة إلى ترك المعتقدات الباطلة والبدع السيئة ، وقد صح من الماثور أن : ( من أمات بدعة فقد أحيا سنة ) . لهذا كله نرجو أن يفتتح هذا العهد الإصلاحي بتطهير العقائد والأعمال من شوائب البدع والمنكرات ).
وبعد: فأنا أعلم أن ما يسمى بالمحمل وما كان يقام له من الاحتفالات لم يعد له وجود الآن ، ولكني قصدت من التذكير بفتوى الشيخ مخلوف في هذا الشأن أن أؤكد على أمر في غاية الأهمية ،وهو أن على العلماء والمفتين ،وكل من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين أن يبتعدوا عن مداهنة العوام ،ومحاولة إرضائهم على حساب الشرع والدين .
وذلك أننا كثيراً ما نقرأ أو نسمع تحذيرَ أهل العلم من مداهنة ذوي الحكم والسلطان ومتابعتهم فيما يخالف شرع الله تعالى ، لكنا قليلاً ما نرى التحذير من فتنة مسايرة العامة ومجاراتهم في عاداتهم وأهوائهم ،وبخاصة فيما يظنون أنه من شعائر الدين ،وهو ليس من الدين في شيء .
والحق أن مداهنة العوام قد تكون في بعض الأحيان أشد وأنكى وأسوأ أثراً من مداهنة الخواص ؛ من حيث عموم البلوى بها ،ومن حيث إنه لا يقترن بها في الظاهر ما قد يُظن أنه إكراه ، فيقع اللبس عند كثير من الناس، والحال أن سطوة العامة قد تكون في بعض الأحيان أشد من سطوة الأمراء والسلاطين .
ولقد أورد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عند ترجمته للخليفة العباسي المهدي أنه ( دخل عليه ذات يوم رجلٌ ومعه نعلٌ ،فقال: هذه نعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أهديتها لك. فقال له المهدي : هاتها، فناوله إياها، فقبلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما انصرف الرجل قال المهدي: والله إني لأعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم ير هذه النعل، فضلاً عن أن يلبسها، ولكنْ لو رددتُه لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول الله ? فردها عليَّ، فتُصدِّقَه الناس، لأن العامة تميل إلى أمثالها، ومن شأنهم نصر الضعيف على القوي ،وإن كان ظالماً، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم، ورأينا هذا أرجح وأصلح ).
فانظر إلى هذا الخليفة : كيف خشي سطوة العامة ، وآثر مداهنتهم فيما يعلم أنه لا أصل له ؟ .
ولذا  كان الشيخ مخلوف رحمه الله تعالى موفقاً غاية التوفيق ،حين ذكر في فتواه أن هذه الأعمال قد تأصلت في نفوس العامة حتى ظنوها من الدين ، وأنه لا يجوز إقرارهم عليها ، لأن في ذلك تضليلاً لهم وتأصيلاً لاعتقادهم أنها من الدين .    
إن من المهم أن نُذكِّر أيضاً أن الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله كان يعلم جيداً أن هذه الفتوى ستثير عليه أرباب الطرق الصوفية ،الذين كانت مثل تلك الاحتفالات مُتأكلاً لهم ، وطريقةً ينشرون بها بِدَعهم وأباطيلهم ،لكن ذلك لم يمنعه من الصدع بالحق والثبات عليه . وبالفعل قامت قيامة أرباب الطرق الصوفية حين أخذت الحكومة برأي المفتي ،وأصدرت قراراً بمقتضاه ، فقد حاول مشايخ الطرق مستميتين منع تنفيذ ذلك القرار ؛حتى إن شيخ مشايخ الطرق الصوفية في ذلك الوقت قد توجه – بحسب ما نشرت مجلة الهدي النبوي في عدد محرم 1372هـ - ومعه بعض أعضاء مجلسه الأعلى إلى مكتب رئيس الوزراء ،محتجين متوعدين بالويل والثبور مَنْ يمنعهم من إقامة حفلة المحمل . لكن الحكومة لم تستجب لمطلبهم هذا ، واستمرت في الأخذ بفتوى الشيخ مخلوف رحمه الله .
والحق أن مثل هذا الموقف لم يكن غريباً على الشيخ حسنين مخلوف ، فقد ظل رحمه الله طوال عمره المديد يتعقب الآراء الشاذة والفتاوى الباطلة ،فينبه عليها داعياً أصحابها إلى العودة إلى الصواب ، ومن ذلك ما كنتُ قد أشرتُ إليه في مقال سابق من انتقاده للشيخ الباقوري رحمه الله حين أفتى بأنه يجوز للخاطب أن يختلط بمخطوبته قبل عقد الزواج فيقبلها ويعانقها ليتأكد من صلاحيتها له ، وأنه يجوز للنساء أن يصلين حاسرات الرؤوس كاشفات الأذرع ، فقد كتب الشيخ حسنين مخلوف في الرد على ذلك بياناً مطولاً ،نشرته مجلة لواء الإسلام [عدد رمضان 1376هــ -أبريل 1957م ] ، وقد كان مما جاء في ذلك البيان فقرة جميلة أحب أن أختم بها هذه السطور ألا وهي قوله : ( إن من الناس من لم يفقه المعنى الصحيح ليسر الإسلام ،فراح يتحدث عن سماحة الإسلام بما يقضي بأنها مجاراة الشهوات ،وإقرار العادات ، مع أن قليلاً من الفهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله يدل دلالة ظاهرة على أنهما حاربا الشهوات الباغية والعادات الذميمة ،التي يأباها الخلق والفضيلة والمصلحة الظاهرة ) .
رحم الله علماءنا الأجلاء ،وغفر لنا ولهم ،وألحقنا بهم في الصالحين .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

برأيك.. من أفضل لاعب كرة قدم في التاريخ؟

  • عصر

    03:35 م
  • فجر

    03:26

  • شروق

    05:02

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:51

  • عشاء

    20:21

من الى