• الثلاثاء 22 أكتوبر 2019
  • بتوقيت مصر05:35 ص
بحث متقدم

خلافة العلم لا خلافة الدم

مقالات

لا  شك أن المقالات التي  تناول فيها الكاتب  الكبير / أستاذ  محمود سلطان  فكرة الخلافة الإسلامية وفق المنظور  الذي  يقدمه و يتبناه بعض شرائح التيار  الإسلامي ..لا شك أن هذه  المقالات فتحت بابا كبيرا  للحوار بل و الجدل بين  المؤيدين  لفكرة الخلافة و الرافضين  لها ، ومع ذلك  ينبغي  أن نتفق على  أن  طرح  الأفكار و الأسئلة  والقضايا المختلفة  و بخاصة ما يعرف بـ  الأسئلة الكبرى Big  questions  هو أمر غاية في  الأهمية ، لأنه يجسد  فكرة  النقد  الذاتي  على المستويين  الفردي  و الجمعي  ،  و هو ليس  فكرة فلسفية  بحسب وفق منظور الديالكتيك (الهيجلي)  Hegelian dialecticالذي لا يبتعد كثيرا عن ثنائية الأطروحة  thesis  و الأطروحة  المضادة anti-thesis  للفيلسوف الألماني( يوهان فيختة) و المنسوبة خطأ لهيجل ،  بل  هو قانون  طبيعي و تاريخي أكده  القرآن  في  قوله تعالى : ولولا دفع  الله  الناس  بعضهم  ببعض  لفسدت الأرض . فهذه  الجدليات و ذلك  الدفع  أو التدافع يمثل قيمة  دينامية و حيوية  ضد (الأفكار  الراكدة )و (الآراء المعلبة )  و( القوالب  الأيدلوجية  النمطية)  التي تعوق أي فكر نهضوي أو آراء تنويرية ،  فهي تعتبر بالتعبير الشائع :  " إلقاء حجر في الماء الراكد " . ففكرة الخلافة  فكرة (سياسية)بالأساس تركز  على (الشكل)  أو (الإطار)  الذي ينبغي أن يكون عليه  العالم  الإسلامي في مقابل  الكيانات  الكبرى (كالاتحاد  الأوروبي) مثلا ،وهي  مجرد (فكرة  سياسية )   لا (حتمية دينية)  تختلف و تتغير  بتغير  واقع  الأمة ، ولذلك  لم يكن لها شكل ثابت في  جميع  مراحل  تطور الفكر  السياسي في تاريخنا  الإسلامي ، وكلمة الإسلامي هنا لا تعني أنه ينطلق من نصوص دينية بل هي مجرد وصف للحالة السياسية للأمة بعيدا عن (المنهج )  الإسلامي ،فالإسلام لم (يصر) على إقامة نموذج ثابت للحكم ، وذلك  لسبب غاية في  البساطة وهو أن طبيعة الحكم  ليست طبيعة استاتيكية ثابتة بل هي متطورة و في حالة تغير مستمر علوا و هبوطا بناء على مجموعة من العوامل و المتغيرات (الثقافية)  ( والاقتصادية ) و (الديموجرافية )  و (الأخلاقية) .لكن  أزمة الإسلاميين  بشكل  عام  تنبع  من (البنية الفكرية لعقل  الفرد الإسلامي) الذي يخلط  بين  ما  هو ثابت  و ما  هو  متغير  وبين  درجات الثبات و التغير ، وهو أمر مشترك  لدى  كل الإسلاميين بدرجات  متفاوتة ،فهناك فصائل (إسلامية) تقتل و تغتصب النساء  من خلال النص (ملك اليمين)،و فصائل  أخرى  تطلب (الجزية) من خلال النص ، وفريق ثالث يريد  إقامة الخلافة من خلال النص ، وهكذا  يتحمل  الإسلام  عبء و ثقافة كل هذه  التيارات ، وتستمر  عملية التشويه  من خلال  هذا  الفهم المتحجر للنصوص ، و كأن  الإسلام عقيدة محنطة ومنهج متحجر  لا  علاقة  له  بالواقع (المتغير ) ولا (التطور  المستمر ) ،  ولذلك فإن  النتيجة  الحتمية  هي  ارتطام   كل  الرؤوس  المتجمدة بحائط  الواقع  الأسمنتي الذي لا يعبأ بهؤلاء القوم  الذين أساؤوا إلى دينهم بطريقة  مخزية  ، وهم  يتصورون  أنهم  حماة  هذا  الدين  و الأوصياء عليه ، وهم في حقيقة الأمر  أناس لديهم  من رومانتيكية  الحلم  ما يتنافى مع عقلانية  الواقع الذي لا يعترف  بتلك العواطف  الجوفاء .وإذا  نظرنا  إلى  خارطة العالم  الإسلامي ،فإننا سوف نجد أن  هذه  الشعوب  تحولت بتعبير (الغذامي)  إلى ظاهرة ( صوتية ) أو  إلى ظاهرة (بلاغية)  و (خطابية)  في ظل   عالم يمارس أرقى الظواهر العلمية و العقلانية في شتى  المجالات . و يستمر الإسلاميون  في  حشد نصوص  الاستدلال بوجوب إقامة الخلافة  من نصوص القرآن  و السنة و فتاوى  العلماء كالماوردي و الجويني و ابن تيمية ... وجميع  هذه  النصوص لا علاقة لها بالمفهوم  الحقيقي للخلافة ، فمثلا  يستدل بعضهم  بآية " و أن هذه  أمتكم أمة واحدة .."  و هي آية مكية لا  علاقة لها  بأي شكل سياسي ، ويستدلون بآية " واعتصموا  بحبل الله ... " وهي آية تنهى عن التحزب و الطائفية .. و كذلك  الحال في الاستدلال  بالسنة من خلال حديث  "إذا كان  ثلاثة في سفر ،فليؤمروا  أحدهم  ،  ويقيسون عليه أمرا  خطيرا  كالخلافة  بهذه  المجانية  و ذلك  الاستسهال ،  وهو استدلال يمثل  جريمة في حق الفقه و العقل معا ،   أما فتاوى  العلماء  فهي  تتحدث  عن  نصب إمام بمفهوم  عصرهم حتى لا  تكون القبلية هي  السمة  السائدة بين  الناس ..فالإمام   بلغة عصرنا  هو رئيس  الدولة ، وليس  الخليفة الذي  يحكم كل تلك  الدول ،  فالدولة  الحديثة تقوم على  حرية  احترام الخصوصية  الثقافية و السياق المغاير ، وهو الأمر  الذي فعله  الإمام  الشافعي  رحمه  الله  عند انتقاله  من العراق  إلى مصر . لقد  شغل المسلمون أنفسهم بفكرة  سياسية  على حساب الأفكار الحضارية و العلمية فعاشوا  خارج   التاريخ  و عالة   على  الجغرافيا  و العلم  ،  فما  الذي  يمكن  أن يقدمه  هؤلاء  للعالم  إذا  أقاموا  (خلافتهم تلك )  دون  وجود  أي  منتج  حضاري يمكن  أن يحظى باحترام  و تقدير   بقية  شعوب  العالم  ،  وإذا  كان  المسلمون قد  فشلوا في  إقامة   دولة قطرية مشرفة ، فكيف  يمكن  أن  يقدموا نموذجا  إقليميا  أو خلافة عالمية مع كل  هذا  الجهل  و الخراب ؟ إن  العالم  الغربي  رغم عنصريته  هو  الأجدر  و الأحق  بتلك  الخلافة – خلافة آدم  عليه  السلام القائمة  على العلم لا  التخلف  : وإذ  قال ربك  للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ....و علم  آدم  الأسماء  كلها .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما هي توقعاتك بشأن أزمة سد النهضة؟

  • شروق

    06:07 ص
  • فجر

    04:44

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:21

  • عشاء

    18:51

من الى