• الثلاثاء 26 مارس 2019
  • بتوقيت مصر08:03 م
بحث متقدم

الخلفية الثقافية للإلحاد الغربي الجديد

وجهة نظر

ياسر أنور
ياسر أنور

ياسر أنور

تمر المجتمعات الغربية بموجة غير مسبوقة من  الإلحاد الذي  يطلق عليه الآن  ..الإلحاد  الجديد  New  atheism   ..وهو  مصطلح  أطلقه الكاتب و الصحفي الأمريكي جاري وولف  Gary Wolf  منذ  عدة  سنوات  .وقد أصبح الإلحاد  الجديد  ظاهرة تشكل نوعا من التهديد  للفكرة  الدينية في المجتمعات الغربية، وذلك لأنه لم يعد  إلحادا ( تقليديا)  ..فالذين  يروجون له مجموعة  من  كبار العلماء والكتاب في  مجتمعاتهم ، و هم  ينتمون  إلى تخصصات   علمية مختلفة  في  الأحياء والفيزياء و الكيمياء  و الفلسفة وغير ذلك من التخصصات .. ومنهم  مشاهير مثل ( ريتشارد  دوكنز Richard Dawkins  - و سام هاريس  Sam Harris  - و كريستوفر هتشنز Christopher Hitchens  هتشنز   و دانيل دينيت  Daniel Dennet  ولورانس  كراوس Lawrence Krauss  ..وغيرهم ) .و الأخطر  من  ذلك أنهم لا يكتفون  بإعلان  إلحادهم بل  يروجون  لذلك الإلحاد  من خلال   مؤلفاتهم وكتبهم ومحاضراتهم  ،وكذلك من خلال  تقديم  البرامج  التليفزيونية و إقامة المناظرات  مع بعض  رجال  الدين  ..فـ ـ سام هاريس مثلا قام  بنشر عدة  كتب  ومنها كتاب  بعنوان  The End of Faith  أو نهاية الإيمان ..  وريتشارد  دوكنز أصدر  كتابا بعنوان  The God Delusion  أو وهم  الإله ، كما أن ستيفن  هوكنج  أعلن في كتاب  The  Grand  Design    الذي شارك  في تأليفه  مع ليونارد  ملودينو   أنه  لا حاجة للإله لأن  علم  الفيزياء  يمكنهم من اكتشاف قوانين  الكون  دون الحاجة  لهذا الإله . لكن السؤال  الذي  يفرض نفسه  مع  تنامي تلك  الظاهرة (الغربية) هو :  هل  العلم  فقط  هو ما يقف وراءها أم أن  هناك سياقا ثقافيا وتاريخيا  هو الذي أفرز تلك الموجة الإلحادية الحالية  مع وجود عوامل أخرى تتعلق  بالسيكلوجية الغربية ؟ والسؤال  الثاني  الذي لا يقل أهمية هو: هل يمكن أن  تنتقل تلك  الظاهرة إلى  العالم  العربي و الإسلامي  أم أن اختلاف  الخصوصية  الثقافية  والدينية يمنع أو  يحد من  استنساخ  التجربة  الغربية في مجتمعاتنا ؟ أتصور  أن المقولة الشهيرة للشاعر الإنجليزي روديارد  كبلنج  Kipling  Rudyard  : الشرق شرق  و الغرب غرب  ولن يلتقيا ...هي الرد  المناسب  على  كلا  السؤالين ..فالسياق الثقافي الغربي مغاير و مختلف عن  السياق  الشرقي إلى حد  كبير .. فالشخصية الغربية لها  تاريخ  قديم  من الندية  والصراع مع  ( الآلهة ).. وهناك بعض الأساطير  التي تجسد  وترسخ  لفكرة  الصراع  و التحدي  هذه  ، ومنها  أسطورة بروميثيوس Προμηθε?ς أو Prometheus (سارق النار من الآلهة)  وإعطائها للبشر .. حتى إن  (آلهة  اليونان ) لديهم  صفات  بشرية واضحة تتعارض مع فكرة الكمال  المطلق  الموجودة  في عقيدتنا  الإسلامية .إن فكرة  الخصوصية  الثقافية هذه فكرة مألوفة ومتداولة منذ  القديم .. فقد تناولها  المؤرخ اليوناني هيرودوت في كتابه التاريخ، كما ألمح إليها  (القديس بولس)في رسالته الأولى  إلى أهل كورنثوس  حين  قال  : لأن اليهود يسألون آية و اليونانيين يطلبون حكمة . فاليهود  بحكم الميراث  الثقافي و الديني يعتادون المعجزة  لكن اليونانيين  لهم  علاقة  أكثر وضوحا  بالعلم و الفلسفة . الشخصية الغربية إذن  لديها  استعداد  سيكولوجي  لتحدي  (الآلهة) و التمرد عليها ،لكن ظلت  هذه  الحالة السيكولوجية كامنة ومستترة  إلى حد ما حتى أخذت تنمو قليلا  مع  تبني  ( كوبرنيكوس) لنظرية دوران  الأرض حول  الشمس (وهي  فكرة قديمة  قبل كوبرنيكوس حيث تحدث  عنها  علماء  الهند  و اليونان  وأشار إليها  البيروني  العالم العربي  الكبير في كتابه  القانون المسعودي  لكنه رفض فكرة دوران الأرض هذه لأسباب ربما نذكرها في مقالة أخرى ). ثم جاء كل من جاليليو و كبلر   بعد  كوبرنيكوس  ليساندا نظريته  التي يمكن  أن  تعتبر بداية ( التمرد)  أو  الصدام  العلمي الغربي مع  الدين ، و بعد ذلك بقرون قليلة خرج  داروين بنظريته  عن  أصل  الأنواع ...لتتوالى الضربات  (العلمية)  للفكرة  الدينية  الغربية من مختلف  التخصصات العلمية وخصوصا علم  الأحياء و علم الفلك و جيولوجيا  الأرض .. وبدأ  الترويج  لقضية  التناقض بين  العلم و الدين  حتى أعلن  بعضهم  ومنهم  العالم  الشهير  برتراند راسل    Bertrand Russell  إلحاده في بعض محاضراته و مقالاته    ..و قد كتب مقالة لمحاضرة  شهيرة عام 1927 بعنوان: لماذا  لست مسيحيا . Why I am not a Christian . . ثم  توالت المعارك و اللكمات  التي  وجهها (العلم)  للدين  في أوروبا والولايات المتحدة  ..وكنا نظن أننا في مأمن من هذا المأزق الغربي وبخاصة مع بروز تيار  الإعجاز العلمي في القرآن  ٍ لكن  يبدو  أن  مياها كثيرة جرت  في النهر حتى فوجئنا  (بهواة الملحدين العرب) في السنوات  الأخيرة يقتحمون  غرف  نومنا  من خلال بعض  الفضائيات وقنوات  اليوتيوب ومواقع الإنترنت في حالة  من التشنج  و الضجيج (العلمي المزيف ) وهم يدعون في صفاقة  وجود أخطاء  علمية في القرآن على الرغم  من افتقادهم للحد  الأدنى  من أدوات البحث  العلمي واللغوي .فأكثر هؤلاء  الناعقين بلا أي منجز علمي أو لغوي ..فكيف  إذن يتمسحون  (بالمنهج  العلمي ) والقضية  التي يطرحونها تتصادم مع أبجديات العلم ؟ وعلى الرغم  من أننا نثق في أن تيار الإلحاد  العربي - وأكرر أنهم مجموعة من الهواة  لا المحترفين- لن يستطيعوا استنساخ  التجربة الغربية  ونقلها إلى مجتمعاتنا لاختلاف الخصوصية الثقافية والدينية ،  ..فإننا لا يمكن أن نغض  الطرف أو نهون  من  خطورتها  مع  هشاشة جهاز المناعة  العلمي و الإيماني لدى  الأجيال الجديدة من شبابنا .      


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تستحق رئيسة وزراء نيوزلندا جائزة نوبل؟

  • فجر

    04:32 ص
  • فجر

    04:33

  • شروق

    05:57

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:15

  • عشاء

    19:45

من الى