• الثلاثاء 26 مارس 2019
  • بتوقيت مصر08:34 م
بحث متقدم

العيب فينا قبل أن يكون فيهم

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم ابراهيم سلامة

هل تتخيل أن الشهرة ترتبط بالأخلاق والضمير والقيم وسجايا المجتمعات وطبائع الشعوب؟
نعم.. فإذا كانت عقول الناس محترمة واعية مهذبة قيمة، لا يشتهر فيها وبينها إلا كل قيم محترم رسالي، وإذا كانت عقول الناس هشة تافهة خابية، فإنها لا يشتهر بينها إلا كل ساذج باطل تافه مريض شاذ ناقص.! 
فالمجتمعات المحترمة الواعية، لا تقيم وزنا للترهات، ولا تحفل بالهرفيات، ومن ثم لا تجد لهذا التَخَرُّص والحُمْق والخَطَل والخُرْق، تُربة ينبت فيها، لأنها بين عقول وأمم واعية، تلفظ زورها وإفكها.. ومن ثم.. حق لنا أن نقول: لا نعيب مرضى الشهرة قبل أن نعيب أقوامهم ومجتمعاتهم..
بل لك أن تتحسر اليوم على مجتمعاتنا وشعوبنا؛ التي ليست من هذا ببعيد، والتي باتت تبحث اليوم عن كل غريب، ولا يرن في آذانها إلا كل تافه ضحل شاذ، فهي اليوم لا تبحث عن العلماء الجادين المخلصين الساطعين السامقين، الذين يلهمونها الرشد والهداية وطرق الاستقامة، بقدر ما يبحثون عن العلماء الخائبين التافهين المضلين الذين يملؤون حياتها بالغريب من الأقوال والساقط من الآراء.. 
كذلك في عالم الأدب لا تبحث ولا يصدع في صداها، أدباء الذوق العالي والبيان الفريد، الذين يجسدون ضمير المجتمع، فيما يكتبون ويصورون أمراض الأمة ويعالجونها بأقلامهم، بقدر ما يهللون للأدب المنحط المنحدر، وأدبائه الشاذين الساقطين، الذين لا يقدمون إلا السفه من الفنون والقصص أوالروايات الجنسية الداعرة.. لا تبحث أمتنا اليوم ولا يسود فيها أولئك المفكرون العظام الأجلاء الذين يمثلون العقل الرصين، والفكر المستقيم والحكمة البالغة، التي يجسدون بها مسار الأمة وطريق نجاتها، ويقودونها بأفكارهم، لتحتل مكانتها الفريدة بين الأمم، بقدر ما تفسح الميدان والإعلام لأدعياء الفهم، ولصوص الفكر، الذين يشوهون تاريخنا ويلوثون هويتنا، ويهدمون قيمنا وقممنا.. صرنا لا يطفوا على السطح إلا المبتذلين الذين لا يقدمون إلا كل مشبوه رخيص.! 
إن مرض الشهرة لا يصيب عالم الفكر والأدب وحده، وإنما يصيب كل مناح حياتنا وتوجهاتنا وغاياتنا، ففي دنيا الفن مثلا، لا تجد ذلك الفن الهادف القيمي الذي يعكف على توعية المجتمع، وتعليم الناس وتربية أذواقهم، وإعلاء أفهامهم، حين تغزوه أفلام ومسلسلات هابطة، تجسد حياة البلطجية والصيع والحثالة والشوارعية، وتجعل منهم أبطالا أفذاذا، وتطلق عليهم ألقاب الأسطورة والبلطجي، وتصورهم أبطالا شجعانا، فيهيم بهم الناس وتشتهر سيرتهم، ويشب الجيل وكل غايته أن يكون بلطجيا كمحمد رمضان أو فتوة يغلق الشوارع بسنجته وسلاحه، ويصيب بالرعب كل مكان في موطنه، ويجسد ما شاهده في أرض الواقع!.. وعلى جانب الخلق والعفة تشتهر تلك التي تعري جسدها، وتكشف عن مفاتنها، وتتعمد طرق الاغراء، حتى تصير حديث الدنيا وكلام الشارع، وكلما كشفت أكثر، كلما شاع أمرها أكثر وأكثر.! مثل هؤلاء هم من يشتهرون في مجتمع فارغ أجوف.
رحم الله الإمام الشافعي حينما قال:
وَلَولا الشِعرُ بِالعُلَماءِ يُزري لَكُنتُ اليَومَ أَشعَرَ مِن لَبيدِ
وَأَشجَعَ في الوَغي مِن كُلِّ لَيثٍ وَآلِ مُهَلَّبٍ وَبَني يَزيدِ
وَلَولا خَشيَّةُ الرَحمَنِ رَبّي حَسِبتُ الناسَ كُلَّهُمُ عَبيدي
كان يمكن للشافعي لو كان عابدا للشهرة أن يبلغ بمواهبه مبالغ لا يصل إليها إلا من ضعفت في نفسه خشية الله.. لكن أمثال الشافعي يعبدون الله وليسوا عبيدا للشهرة الزائفة.!
إن أصحاب القيم لا تبهرهم الشهرة، وهم أعقل الناس وأصفاهم وأنبلهم وأسماهم، حين ينكرون ذواتهم في سبيل رفعة بلدانهم ومجتمعاتهم.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تستحق رئيسة وزراء نيوزلندا جائزة نوبل؟

  • فجر

    04:32 ص
  • فجر

    04:33

  • شروق

    05:57

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:15

  • عشاء

    19:45

من الى