• الخميس 21 فبراير 2019
  • بتوقيت مصر03:26 ص
بحث متقدم

آفاق الاقتصاد العالمي والعربي 2019

وجهة نظر

محمود يوسف بكير
محمود يوسف بكير

د. محمود يوسف بكير

التوقعات التي ندرجها في هذا المقال هي محصلة قراءة تقارير عدد من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة ال OECD وبعض الدوريات الأوروبية، كما أن المقال يتضمن الكثير من التوقعات والتحليلات الشخصية النابعة من متابعتنا للتطورات الاقتصادية والسياسية للعالم خلال عام 2018 وهو العام الذي بدأ بنمو اقتصادي قوي ولكن ما لبث أن ضعف في النصف الثاني من نفس العام. والسبب في هذا النمو والتراجع كان سياسات ترامب المالية داخل أمريكا وحروبه التجارية خارجها مع العديد من الدول مثل جيرانه كندا والمكسيك ثم حصاره لإيران وسعيه لتفتيت أوروبا ثم حربه التجارية المستعرة حاليا مع الصين كما سوف نوضح في المقال.
وحيث أنه من مبادئ التحليل الاقتصادي لأي فترة زمنية أن نبدأ بإطلالة على الفترة السابقة لها نقول إن عام 2018 شهد بداية تباطؤ اقتصادات المجموعة الأوربية وبريطانيا والصين واليابان، ولذلك فإن معظم المؤسسات الدولية ترجح أن يستمر هذا التباطؤ في عام 2019. فبعد أن سجل عام 2018 معدل نمو بلغ 3.2% يتوقع معظم الاقتصاديين أن يتراجع هذا المعدل في عام 2019 إلى حوالي 2.9%
 أما عن المخاطر التي قد تؤدي الى حدوث هذا التباطؤ فهي باختصار:
1- بدء بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) في أمريكا في إعادة السياسة النقدية إلى وضعها الطبيعي لما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عامي 2007 و2008 وذلك من خلال التوقف عن سياسة التيسير النقدي(QE)  التي اتبعها البنك خلال السنوات الأخيرة لحث الاقتصاد الامريكي على النمو من خلال شراء السندات المالية وسندات الرهون العقارية لضخ سيولة نقدية في الأسواق. الآن يقوم البنك بانتهاج سياسة معاكسة تتمثل في إعادة بيع ما لديه من سندات وأوراق مالية بواقع 50 بليون دولار كل شهر بغرض سحب السيولة من الأسواق المالية لكبح الضغوط التضخمية التي بدأت في الظهور في أمريكا بسبب النمو الاقتصادي المرتفع ومعدلات التشغيل العالية، وكذلك لتخفيض ميزانية البنك الفيدرالي نفسه والتي وصلت إلى 4.5 تريليون دولار (التريليون واحد أمامه 12 صفر). هذه الإجراءات ستؤدي حتما إلى خفض النمو الأمريكي وبالتبعية النمو الاقتصادي العالمي.
2- وفي خط موازي للسياسة السابقة بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا في رفع أسعار الفائدة بشكل تدريجي لضمان النجاح في السيطرة على الضغوط التضخمية وإعادة أسعار الفائدة إلى معدلاتها الطبيعية بعد أن قام البنك بتخفيضها إلى ما يقرب من الصفر طوال السنوات الماضية. وكما هو معروف فإن رفع سعر الفائدة على الدولار سوف يضر كثيرا ليس فقط بالاقتصاد الامريكي ولكن أيضا بالاقتصادات العالمية لأن هذا يعني رفع فائدة الإقراض وهو ما يؤثر سلبا على الاستثمار وكذلك يرفع تكلفة خدمة الديون الضخمة القائمة حاليا والتي تعاني منها الحكومة الأمريكية نفسها حيث وصلت ديونها إلى حوالي 22 تريليون دولار نتيجة العجز القياسي في الموازنة الفيدرالية والذي يصل إلى 5% من مجموع الموازنة وهو من أعلى معدلات العجز في كل الدول الصناعية. 
ونود أن نؤكد هنا إن معظم الاقتصادات الأوربية والصاعدة والعربية تعاني من ذات المشكلة أي ارتفاع نسبة الديون السيادية ولكن بشكل أخطر كما سوف نوضح حالا لإن الحكومات تقوم بتمويل العجز بالاقتراض من الداخل والخارج بطرق مختلفة بعضها ذو آثار شديدة الضرر على من لا صوت لهم.
 وعادة ما تتجنب البنوك المركزية في الدول الصناعية زيادة أسعار الفائدة في أوقات زيادة عجز الموازنة العامة
 
ولذلك فإن السياسات السابقة تثير غضب الرئيس ترامب وتدفعه إلى التهجم على رئيس الاحتياطي الفيدرالي بدعوى أن ما يفعله سيؤدي الى دفع الاقتصاد الامريكي إلى التباطؤ وهو ما قد يؤدي إلى ضياع فرصة ترامب للفوز بفترة رئاسية ثانية. 
3- الحرب التجارية المندلعة حاليا بين أمريكا والصين والتي بدأها ترامب واحتمال فشل محاولات الصين في احتواء هذه الحرب التي تؤثر بشكل بالغ على صادرات الصين لأمريكا وعلى معدلات النمو في الصين بشكل لم يحدث طوال العشرين عاما الماضية. وقد أعرب ترامب عن سعادته بهذا وأعلن صراحة أنه لن يتوقف عن فرض المزيد من الرسوم الجمركية على واردات الصين إلا إذا توقفت الأخيرة عن سرقة حقوق الملكية الفكرية للشركات الأمريكية وفتحت أسواقها أكثر وأكثر للصادرات الأمريكية لعلاج الخلل القائم حاليا في الميزان التجاري بين البلدين.
ولأن الاقتصاد العالمي أصبح مترابطا ومتداخلا بشكل غير مسبوق فإن التباطؤ في النمو الاقتصادي الصيني وتراجع صادراتها ووارداتها في نفس الوقت سوف يؤثر بشكل سلبي على النمو في عدد كبير من اقتصادات الدول النامية التي تصدر سلع وخامات للأسواق الصينية الضخمة، بل إن شركة أبل وهي أكبر شركة أمريكية قد تضررت بشدة من انخفاض مبيعاتها في الصين بسبب ضعف الأسواق وهبطت قيمتها السوقية بنسبة 20% في خلال عدة أيام. 
ولعلنا نوضح فيما يلي وبشكل مختصر التوقعات الخاصة بأهم الكتل والمعطيات الاقتصادية في العالم خلال 2019:

الولايات المتحدة الأمريكية     
بلغ معدل النمو في أمريكا في عام 2018 حوالي 3% ومن المتوقع أن ينخفض إلى حوالي 2.6 % في 2019 حيث سيبدأ أثر التخفيضات الضريبية السخية التي منحها ترامب لقطاع الأعمال والأغنياء في الانحسار، كما أن معدلات الإنفاق العالية التي تتبعها إدارة ترامب سوف تؤدي إلى زيادة نسبة العجز المالي في الميزانية الفيدرالية ومن ثم زيادة الدين العام وأعبائه وكل هذه عوامل مثبطة للنمو. ويأمل ترامب أن يقوم قطاع الأعمال والمستثمرين باستخدام الوفورات الضريبية التي منحها إياهم في تحسين أحوال العمال والإنفاق على البنية التحتية تحقيقا لوعوده للمتخلفين الذين انتخبوه ولكن لا يبدو في الأفق شيء من هذا وقد انتهت نصف فترة رئاسته. 
ونتوقع أن تكون السنتين المتبقيتين من رئاسته التي قد تكون الأولى والأخيرة صعبة ومليئة بالمزيد من فضائح ترامب خاصة بعد سيطرة الديموقراطيين على مجلس النواب.

منطقة اليورو وبريطانيا 
معظم التوقعات تشير باتجاه انخفاض مستوى النمو الاقتصادي في هذه المنطقة إلى 1.5% مقارنة ب 2.4% في عام 2018. والسبب وراء هذا الانخفاض هو الجغرافيا السياسية في المنطقة حيث لم تتمكن دول المجموعة وبريطانيا من حل معضلة خروج الأخيرة من المجموعة الأوربية دون خسائر فادحة للطرفين. كما أن قائدة دول المجموعة أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا قد ضعفت كثيرا بعد تخليها عن رئاسة حزبها وهي الآن على وشك التقاعد. والرئيس الفرنسي ماكرون الذي كان يخطط لقيادة أوروبا خلفا لميركل ضاعت أحلامه واصابته حالة من الوهن السياسي بعد ثورة أصحاب السترات الصفراء ضده وهو الآن يناضل من أجل البقاء في قيادة فرنسا وحدها ولم يعد يفكر في أوروبا. والوضع في إيطاليا أيضا بعد سيطرة الأحزاب اليمينية عليها لا يبشر بالاستقرار في منطقة اليورو.

الصين  
منذ عام 2017 والنمو الاقتصادي في الصين في منحنى هابط وكانت نسبة النمو في ذلك العام 6.9% وانخفضت مرة أخرى في عام 2018 إلى 6.5%. ويتوقع أن تنخفض في 2019 إلى 6.2%. وتعتبر الحرب التجارية مع أمريكا السبب الرئيسي وراء هذا الانخفاض ولكن هناك أسباب داخلية أيضا تسهم في تعقيد مشكلة الاقتصاد الصيني مثل ارتفاع نسبة الديون الحكومية وقطاع الأعمال إلى معدلات قياسية. وتحاول الحكومة جاهدة تحسين نسبة النمو والمحافظة على استقرار الأسواق المالية من خلال محفزات مالية ونقدية متعددة.

اليابان  
سجلت اليابان معدل نمو أقل من 1% في عام 2018 ويتوقع أن تسجل نفس المعدل في عام 2019. واليابان تعاني من تباطؤ في النمو الاقتصادي منذ فترة طويلة بسبب ظروفها الديموغرافية غير المواتية حيث ترتفع نسبة كبار السن وأعباءهم بشكل مستمر ويصاحب هذا انخفاض كبير في نسبة المواليد وتناقض قوة العمل من الشباب وانخفاض الإنتاجية.  كما إن البرنامج الاقتصادي المسمى Abenomics على أسم رئيس الوزراء الحالي والذي يهدف إلى تسريع النمو ورفع الإنتاجية يسير هو أيضا ببطء شديد.

الاقتصادات الصاعدة 
مثل روسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا والمكسيك ....إلخ. هذه الدول تتأثر عادة وبشكل قوي بالأوضاع السياسية والاقتصادية في الدول الغربية والصين لارتباطها بأسواق هذه الدول وحاجتها للاستثمارات الأجنبية. وحاليا فإن عددا كبيرا من هذه الدول مثل تركيا والبرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا تعاني من مشاكل داخلية كبيرة ولذلك فإن معدلات النمو بها لن تزيد كثيرا عن 2.5%. أما الدول الآسيوية في هذه المجموعة وعلى رأسها الهند فإن توقعات النمو بالنسبة لها تتراوح ما بين 4.5% -7%.

أسواق السلع
ومن أهمها بالطبع البترول والذي انخفضت أسعاره بمعدلات كبيرة في نهاية 2018. أما في عام 2019 فإن المراقبين ونحن معهم في ذلك لا يتوقعون أن يتجاوز سعر برميل النفط الخام 70 دولار وهو الآن في حدود 60 دولار. وقد فشلت دول منظمة الأوبك في السيطرة على الأسعار بسبب المنافسة الشرسة مع كل من روسيا وأمريكا التي أصبحت أكبر منتج في العالم بسبب تقدمها في استخراج الوقود الصخري. 
كما أن السعودية وبضغوط أمريكية تقوم بزيادة إنتاجها كلما اتجهت الاسعار للزيادة. 
أما باقي السلع والخامات فإننا لا نتوقع أن تزيد أسعارها بشكل ملحوظ بسبب انخفاض معدلات النمو في الصين واحتدام الحرب التجارية بينها وأمريكا.

الدول العربية 
تعاني كل الدول العربية تقريبا من اختلالات اقتصادية هيكلية وعجوزات كبيرة في ميزانياتها تدفعها إلى الاستدانة من الداخل والخارج والمشكلة الخطيرة هنا هي أنها تستدين بأسعار فائدة أكبر من معدلات النمو الاقتصادي التي تحققها وهو ما يؤدي إلى زيادة نسبة القروض إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مستمر مع انخفاض الاحتياطيات بالعملات الأجنبية وهو ما يدفع هذه الدول إلى حث دول الخليج على دعم احتياطياتها بودائع لفترات مختلفة وبأسعار فائدة، وهو ما يجعل القرار السياسي لدول العجز وديعة لدى دول الخليج. 
والأهم من كل هذا أن هذه القروض توجه عادة لمشاريع لم تنجح بعد في معالجة مشكلة البطالة المرتفعة التي تعاني منها كل الدول العربية، ومع زيادة أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي فإن عبء خدمة الديون الخارجية أصبح مشكلة كبيرة تواجه البنوك المركزية. كمآ أن ارتفاع معدلات خدمة الديون الداخلية من خلال إصدار سندات مسحوبة على الخزانة العامة يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة وصعوبة سداد مستحقات هذه القروض وهو ما يضطر الحكومات إلى تمويل هذا العجز من خلال طبع نقود جديدة وهو ما يشعل التضخم ويزيد من معاناة الناس. وبالمناسبة فإن نسبة عجز الموازنة في مصر تصل إلى 10%  كما تصل نسبة القروض الأجنبية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي الى حوالي 103 % وكلها نسبة مرتفعة جدا.
ومن المرجح ان تسير الحكومات العربية في خلال عام 2019 على نفس الوصفات التقليدية لصندوق النقد الدولي وعلى رأسها رفع الدعم عن كل شيء وتجاهل الفقراء والتركيز على توازن ميزان المدفوعات وإعطاء أولوية لخدمة مستحقات الديون الأجنبية وبيع الشركات والاصول المملوكة للدولة لزيادة موارد الحكومات، أما التنمية البشرية الحقيقية مثل خلق وظائف جديدة والإنفاق على التعليم والصحة وإسكان الفقراء وإعانات البطالة .... إلخ فأنها مشاريع مؤجلة حاليا. 
     
د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما رأيك في الهجوم على الحجاب؟

  • فجر

    05:12 ص
  • فجر

    05:12

  • شروق

    06:36

  • ظهر

    12:13

  • عصر

    15:26

  • مغرب

    17:52

  • عشاء

    19:22

من الى