• الخميس 21 فبراير 2019
  • بتوقيت مصر03:57 ص
بحث متقدم

العار الثقافي

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

لا شك أنني أعتبر ما يحدث اليوم وما يصيب كثير من فتياننا وفتياتنا، من قبيل (العار الثقافي) الذي لا يغتفر، والذي يجب أن نستفيق منه، ونعي خطورته. 
بل أكاد أعده من باب الغزو الفكري، الذي يريد أن يصرفنا عن تراثنا وفكرنا الذي أضاء مجاهل الظلام في جنبات الدنيا، ونور العقول، وصنع أعظم حضارة في الدنيا، وأخرج أسمى إنسان عرفته البشرية.
إنها حقائق وتاريخ ولا ينكرها إلا حاقد أو حاسد.
يعز علي كثيرًا أن أرى موجات جارفة من الشباب والشابات، يقبلن بشغف كبير، ورغبة ملحة، وشوق عارم، وهيام لا حدود له، على قراءة الروايات وقصص الخيال، بينما يتركون تراث أمتهم العظيم، الذي يفوح بالعلم، ويقطر بالثقافة والمعرفة، والفهم والوعي والنور والخبرة والدراسة والإفادة القيمة. 
نعم هذا ما يحدث اليوم، يجتمع الشباب على قراءة الروايات، ويتسابقن في اقتنائها ويُعد المثقف الحقيقي من قرأ منها أكبر كم وأكثر عددًا.. ويأتي أحدهم في معرض الكتاب ليحشد ماله فيشتري كثيرا من هذه الروايات، ولا تجد في عشرات ما جمع كتابًا يوحد الله، أو يعرف بدينه أو يروي قصص قرآنه.
ربما يشعر الشاب بجمال القصة التي تخلق له عالما مثاليا يعيش فيه، تماما كما يشاهد فيلما أو حلقة تلفزيونية، لكن هل استفاد علما؟ هل ارتقى سلوكا؟ هل تهذب طباعا؟
لا تظن أني أجهل دور الرواية في توجيه المجتمع وترشيده، وأهميتها في التأصيل للسلوك والقيم، لكنها أبدًا لا يمكن أن تكون سبيلا وحيدا لهذا الأمر، حينما يكون بين أيدينا تراث ضخم عظيم مليء بالمدهشات والمعارف التي تدهش الألباب وتسعد العقول ولا تقدر بثمن، والتي تصوغ النفس والروح على أفضل ما يراد لها من مدارج الكمال.


عار كبير أن أربي أبنائي على حب الروايات وقراءتها وحفظها وتمثيلها، والقرآن بين أيدينا مهجور لا يجد من يقرأه، ويعتبر بآياته، ويدارس قصصه وأحداثه!
وهؤلاء الذين يقرؤون الروايات ويحفظون تفاصيلها، ويتصورون في خيالهم شخصياتها، لو أتيت لتسألهم عن القرآن الكريم، وما فيه من قصص الصالحين والانبياء، أعتقد أنهم لن يجيبوك بشيء، أوأن بعضهم لن يجيبك بشيء، لأن بعيدون عن عالم القرآن.
أرى كثيرا من الشباب على الفيسبوك، يتسابقون لقراءة رواية معنية من روايات الخالد أبدًا، والمعظم أبدا، والملهم أبدا !!!!!! (أحمد خالد توفيق) ثم يجتمعون لمناقشتها وتأمل ملامح الجمال والعبقرية في سطورها، ولو سألتهم عن عنوان لكتاب من كتب قصص القرآن فلن ينطقوا بما يفيد.
كل هذه المشاعر بالضياع والتفريط والعار، أحسست بها وأنا أقرأ لكاتبة في إحدى صحف اليوم مقالا تحت عنوان (اقرأ روايات) وهي تقول إن الرواية هي التي تجعل الانسان إنسانا وتخلق فيه المحبة والجرأة والاستيعاب ورعايته للبشر، ثم تقول: "في الصيف الماضي كنت أتناقش مع ولدي في مسألة ما، وكان رأيه قاطعاً وكان متعجباً من أنني لا أشاركه الرأي. نظرت إليه وابتسمت، قلت له: يا ولدي اقرأ روايات. شعرت في تلك اللحظة أنني لن أستطيع بحب الأم أن أشرح له لماذا أتخذ هذا الموقف أو هذا الرأي، لكن الروايات قادرة على أن تدخله في قلوب الناس وأفكارهم، وهم يستطيعون - أبطال الروايات - أن يشرحوا له ما عجزت أنا عن إيصاله له." 


وأنا طبعا لا أنكر الدعوة لقراءة الرواية، ولا أنكر دور الرواية، ولكني يحز في نفسي أن نقيم لها كل هذه الهالة وهذا التعظيم، ونترك من خلفنا ذلك التراث الفخم الذي يلهمنا كل ما نريد من الرواية وأكثر، مهجورًا يعلوه التراب، وكم كنت أتمنى لهذه المرأة، أن تنصح ولدها بقراءة القرآن وتفاسيره ومعايشة قصصه، وتأمل ما فيها من غاية وتحد وإعراض وانتقام وحلم وصبر وعطاء وفدائية وعبادة وقناعة وسمو ورفعة.
يتعاظم ألم نفسي وأنا أرى شبابا يعرفون بالتفصيل أحداث ثلاثية نجيب محفوظ وروايات دوستويفسكي، ولا يقتنون كتابا واحدا في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم! ويعرفون عنه كيف دعا وكيف ثار وكيف حارب؟!
يؤلمني كثيرا أن نحفظ أبطال القصص والروايات ونعرف تفاصيل حياتهم، بينما لا نعرف شيئا عن العشرة المبشرين بالجنة، ولا ندرك شيئا من تفاصيل حياتهم التي أهلتهم لهذه البشرى!
بل إنني أقول: إن أي بيت تعلو فيه الروايات على كتب الدين، لهو بيت يفرط أصحابه في هويتهم وثقافتهم، ولا يدركون معدن الثقافة الجادة التي تحقق لهم السعادة الحقيقية، والمعرفة المرجوة.
ومهما كانت الرواية إنسانية راقية سامية، فإنها قد لا تُلهم قارئها أي شيء من معاني الإنسانية، بقدر ما يلهم الدين والتراث الإسلامي الكبير، لأنها لحظات تشويقية وليست قيم تتلى وعقيدة تدرس وسلوكيات تحتم الالتزام بها. كما هي للتراث الديني.. ولعله الامر الذي أعلنته الكاتبة نفسها في نفس المقال حينما قالت: " إنها تشعر بالغضب والحزن حينما ترى أشخاصا يقرؤون كثيرا جدا، ويحفظون أسماء الشخصيات وجملا كاملة من روايات قرؤوها، لكن تصرفاتهم لا تشي بذلك أبدا انها شخصيات تقرأ وتعرف لكن التأثير لا يتجاوز الدماغ ولا يصل إلى القلب"!!!
ومن المضحك.. أننا اليوم نرى على رأس هرم الرواية وقمتها أديب يسرق الروايات وينسبها لنفسه، ونراه يزيف حقائق التاريخ ويشوه أبطاله حتى يكون حديث المدينة وضيف الفضائيات، فأي رقي هذا وأي سمو لأرباب الروايات؟!
الأدباء الكبار أنفسهم يؤكدون أن الذي صنع منهم أدباء وجعل منهم كتاب مجيدون، وبذر في قرائحهم بذور الخيال، إنما هو القرآن الكريم وأدبه وآياته، وقصصه الرائعة.
وكان الأديب والروائي الكبير (نجيب الكيلاني) يتحدث عن تفسير القرآن لابن كثير، وكيف قرأه كله واستفاد منه، وكان له أثره الكبير في تكوينه الثقافي.!
أيها الشباب التفتوا لتراثكم وجماله وروعته ومعارفه، وآمنوا وثقوا أنكم ستجدون فيه المتعة والتشويق والجمال وصور الكمال.. بل ستجدون فيه المعرفة والثقافة، التي ترفع الانسان، وترتقي بالخلق، وتسمو بالنفس.
وختاما أجدد التنويه بأنني لا أحارب الرواية ولا أحارب أدب الرواية، وأنني مؤمن بها كامل الايمان في توجيه العقول لو كانت هادفة بناءة، ولكني مفزوع  أن تسيطر على فكرنا ومزاجنا وهوانا، بينما تراثنا مهمل مهجور.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما رأيك في الهجوم على الحجاب؟

  • فجر

    05:12 ص
  • فجر

    05:12

  • شروق

    06:36

  • ظهر

    12:13

  • عصر

    15:26

  • مغرب

    17:52

  • عشاء

    19:22

من الى