• السبت 16 فبراير 2019
  • بتوقيت مصر03:47 م
بحث متقدم

العرب والرياضة السياسية والتجنيس

مقالات

فازت قطر على مصر في كرة اليد بالمونديال العالمي ففرح البعض هناك وحزن البعض هنا ليس بسبب أنها نتيجة رياضية فحسب ولكن لكونها انتصارا أو هزيمة سياسية!
نفس المشاعر تكررت عندما فازت قطر على السعودية في كرة القدم بالمونديال الآسيوي. الكل متحفز للآخر بسبب خلافات سياسية مؤقتة ستزول حتما. خلافات أنظمة تتكرر منذ خمسينيات القرن الماضي، تنتهي بالتصالح ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة والزيارات الحميمة.
المشكلة هذه الأيام أنه يتم توريط الشعوب فيها، فالرياضة هي إفطار الناس وغداؤهم وعشاؤهم. المعتاد أن يقبلوا الهزيمة بروح رياضية ويسعدوا بها دون إهانة الآخر أو التقليل من شأنه، أو اعتباره متخلفا لأنه مني بهزيمة.
نحن العرب نفرغ غضبنا من أنفسنا في الرياضة عموما وفي الكرة بصفة خاصة. ليس معنى أن منتخبك أو ناديك قوي في مسابقات إقليمية أو دولية أنك الأفضل اقتصاديا واجتماعيا، وأنك صرت دولة متقدمة. كما أن الهزيمة لا تعني العكس أيضا.
منتخب الكاميرون فاز بالمونديال الأفريقي الأخير ومع ذلك عجز عن تنظيم المونديال القادم بسبب التأخر في كل شيء. ملاعب سيئة جدا لا تصلح، وفقر واقتصاد متدهور ومعيشة صعبة. مع ذلك يملكون منتخبا قويا ولاعبين أكفاء، ويعتبرون من عظماء القارة في كرة القدم.
قل الشيء نفسه عن بوركينا فاسو وغانا وكوت ديفوار (ساحل العاج) والكونغو الديمقراطية (زائير سابقا).
إذا تكلمنا عن آسيا، فالهند لا تذكر في كرة القدم، يستطيع مركز شباب في مصر هزيمتها، لكنها دولة متقدمة جدا تكنولوجيا وصناعيا، هي باختصار وادي سليكون العالم.
الصين ليست منتخبا عالميا مصنفا ولا يمكنه أن ينافس على المراكز الأولى في المونديال، علما أنني لا أتذكر أنه وصل أصلا، ومع ذلك تملك أضخم اقتصاد عالمي، وتسبب صداعا مستمرا لترامب بسبب منتجاتها التي غزت العالم ولم تترك شبرا واحدا في الولايات المتحدة.
حتى الولايات المتحدة، الدولة العظمى الأولى، أو صاحبة القطبية الأحادية في العالم، لم تحرز في تاريخها أحد المراكز المتقدمة في كأس العالم، وغالبا تخرج من الأدوار الأولى، مقارنة مثلا بكرواتيا الصغيرة والضعيفة والمنهكة، ومع ذلك هي من هي، اقتصاديا وعسكريا وصناعيا وطبيا وتقدما في كل مجال، لا سيما في مستوى الحريات واحترام حقوق الإنسان وخصوصيات الناس وانتماءاتهم وعقائدهم.
ما نفعله نحن العرب في الرياضة هو تفريغ سياسي سيئ لا طائل منه سوى دفع الشعوب دفعا إلى العداء والبغضاء، مع أن رسالة المنافسات الرياضية هي التقريب بين الشعوب ومنحها وقتا من الرفاهية الجميلة.
أما "التجنيس" الذي نسب به بعضنا بعضا، إذا فاز منتخب على آخر، فهو شيء عادي ومطلوب في تطور المجتمعات وله تاريخ طويل. العبقري أحمد زويل مثلا استفاد من مناخ البحث العلمي في الولايات المتحدة وقدم لها بدوره خدمات كبيرة، ولما فاز بنوبل كعالم أمريكي، لم يعايرها أحد بأنه مصري الأصل، لأنه لو كان في مصر ولم يسافر إلى الولايات المتحدة وتجنس بجنسيتها، ما كنا سنسمع عنه وربما كان مصيره مدرس فيزياء أو كيمياء في إحدى مدارس وزارة التربية والتعليم!
الشيء نفسه يقال عن المعز علي عبدالله الذي يتصدر قائمة هدافي كأس آسيا المقامة حاليا في الإمارات. إنه قطري ما دام حصل على جنسيتها وجواز سفرها حتى لو كان أصله سودانيا. مؤكد أننا لم نكن سنسمع عن هذا التألق لو لعب مع المنتخب السوداني مع احترامنا الشديد للسودان الشقيق وعراقته. لكن التألق في الرياضة مثل التفوق في العلم، يحتاج إلى بيئة مواتية تدعم تطوير مستواه وتنمية مواهبه الفطرية.
لا يجب أن تكون هذه شماعة للهزيمة ومعايرة المنتصر، وإلا لوجب معايرة منتخب فرنسا بطل المونديال الأخير لأن كل لاعبيه من أصول غير فرنسية ما عدا لاعبا واحدا، كما أن بعضهم من أصول أفريقية، جاءت أسرهم من بلاد أفريقية فقيرة، لو ظلوا فيها ما كنا علمنا عن  كيليان مبابي المنحدر من أصول كاميرونية بالنسبة للأب وجزائرية للأم، ولا بول جوبا الغيني، ولا عثمان ديمبلي الموريتاني من ناحية الأم، واموتيتي الكاميروني، وكانتي المالي، وعادل رامي المغربي، وكورنتان توليسو التوجولي.
شهدت مصر تطورها الصحفي والفني على يد الشوام، لكن هذا التطور اكتسب بيئته المصرية وأعطاها منتجه، فهل يقول أحد عن فايزة أحمد إلا أنها مصرية رغم أصولها السورية، أو عن نجيب الريحاني أنه عراقي وقد عرفه العرب وهو يمتع من مصر العالم العربي بالكوميديا الجميلة الراقية التي لا نشبع منها رغم رحيله عن دنيانا منذ سنوات بعيدة، وكذلك السندريلا سعاد حسني وصاحبة الصوت الذهبي نجاة الصغيرة، ذاتا الأصول الدمشقية، أو عن النجوم ذوي الأصول غير المصرية من ناحية الأب أو الأم مثل وحش الشاشة فريد شوقي وأنور وجدي وعادل أدهم وسهير البابلي ونجوى فؤاد وميرفت أمين وغيرهم كثر. وهل يقول أحد أن جريدة الأهرام التي أسسها اللبنانيان بشارة وسليم تقلا عام 1875، سوى أنها درة تاج الإعلام والصحافة في مصر؟! 
التجنيس جزء مهم من تطور المجتمعات وتلاقحها وتلاقيها الإنساني، لا يجب أن يلام به أي مجتمع أو دولة إذا أعطاها التفوق في بعض المجالات.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما رأيك في الهجوم على الحجاب؟

  • مغرب

    05:48 م
  • فجر

    05:17

  • شروق

    06:41

  • ظهر

    12:14

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    17:48

  • عشاء

    19:18

من الى