• السبت 16 فبراير 2019
  • بتوقيت مصر03:09 م
بحث متقدم

على كراسي الطغاة

مقالات

يقدم الزميل شريف قنديل عزفا حزينا كلقبه الذي التصق به "الصحفي الحزين" متنقلا بين كراسي الطغاة الذين حاورهم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. طغاة كانوا ملء السمع والبصر في ذلك الزمن. لم يظن أحد منهم أنه سيتوارى ويطويه النسيان، وتصبح حكايا عهده من مآسي التاريخ التي لا تتمنى الشعوب عودتها.
عندما خرج قنديل من مصر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي إلى لندن، ليخرج جريدة المسلمون إلى النور، مع أستاذه الدكتور صلاح قبضايا، كان أكبر أمانيه أن يمارس مهنة الصحافة كما ينبغي. لا رقيب عليه إلا ضميره. يرى الأحداث عن قرب ويعايشها ويحاور صناعها في وسط المعامع، في بلاد تشرب من ظلم طواغيتها وتتوضأ من دموع احساسها بالقهر، وتنام على أمل أن تأتي نجمة الصبح بخبر سار.
أعرف شريف وهو مشروع صحفي يخرج من بلدته، رملة الأنجب في المنوفية، مستقلا قطارا يصل به بصعوبة إلى القاهرة، لكنه بطموحه وجبروت الأماني الساكنة ضلوعه، كان يمثل بالنسبة لي صحفيا نموذجا، أنا القادم من أطراف قرية نائية في أقصى صعيد مصر. أتذكر أنه غاب أياما عن عمله في جريدة الجمهورية بسبب المرض، فذهبت أسأل عنه في قريته. فدلوني على شخص يقف بجلبابه الفلاحي بين المزارع. سألته عنه، واستنكرت عليه أن ينطق اسمه مجردا بدون "الأستاذ". عندما أخذني بتواضع وأدب جم إلى بيت شريف، وحكيت له أمر ذلك الفلاح، امتقع وجهه خجلا، فهذا الذي استنكر عليه ولا أعرفه، هو الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر عليه رحمة الله.
كتابه "الصحفي الحزين على كراسي الطغاة" الذي سيعرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب، يقدم بأسلوبه البديع وتعبيراته الفياضة بالمشاعر والأحاسيس الحزينة والعمق الثقافي والسياسي، قصة حواراته التي أجراها مع طغاة عصرهم في آسيا وأفريقيا، ثم يصدمك بالحقيقة التي نراها واقعا ماثلا أمامنا الآن في أكثر من مكان، ألخصها هنا بجمل وردت في المقدمة: "اتضح لي أن الشعوب هي التي تبدأ.. ثم يبدأ بعدها الطاغية في حكمها. يظهر الزعيم باعتباره جاء استجابة لزئير الشعب ولنداء التاريخ ولصوت السماء ولهتاف الأرض ولروح الجماعة. ينصرف الناس كالرمل في العاصفة. عيونهم جاحظة ثم خايبة، ووجوههم عليها قنوط واكتئاب. شيئا فشيئا يعود الحزن من جديد واليأس من جديد. الكارثة أن الطغاة عندما يرحلون يتركون لشعوبهم الفراغ وما أدراك ما الفراغ".
في زمن حواراته مع الطغاة وأركانهم لم يكن هناك فيسبوك ولا تويتر ولا انستجرام ولا أي وسيلة أخرى من وسائل التواصل الاجتماعي، بل لم يكن هناك انترنت. كان الحوار المسجل على جهاز صغير والصور التي يلتقطها بكاميرا نحيفة يحملها في حقيبته، هي زاد وزواد شريف قنديل، ينتظره مكتوبا على صفحات جريدة "المسلمون" الباحثون بشغف عن ما يجري في بلاد لم تشرق عليها شمس الديمقراطية، أو أشرقت عليها بكثير من العنف وأهوال من الجوع والأمراض والحفاة العراة كما في الهند وبنجلاديش.
الطغاة يموتون أو يرحلون كأشخاص.  من سوء الحظ أن جيناتهم الوراثية تتخلق فيمن يخلفهم أو يأتي من بعدهم ولو حتى بعد ثورة شعبية. من هنا لن تشعر لدقيقة واحدة وأنت تقرأ كتاب قنديل "على كراسي الطغاة" أنك تقرأ عن ماض انتهى، وعن أشخاص - بعضهم أو معظمهم - لم يعد على قيد الحياة، بل تقرأ عن "فعل مضارع مستمر" ضحيته مجتمعات متخلفة مغلوبة على أمرها، لا يمكنها المشي إلا بعصى طغاتهم.
ولله الأمر من قبل ومن بعد...


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما رأيك في الهجوم على الحجاب؟

  • عصر

    03:23 م
  • فجر

    05:17

  • شروق

    06:41

  • ظهر

    12:14

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    17:48

  • عشاء

    19:18

من الى