• الأحد 20 يناير 2019
  • بتوقيت مصر02:15 ص
بحث متقدم

درس في التجديد من الشيخ الصاوي

مقالات

الشيخ الصاوي يوسف – عليه رحمة الله – كان مأذون منطقتنا حتى رحيله في سبعينيات القرن الماضي، قرية أسمنت والقرى المحيطة في نقادة بمحافظة قنا.
عالم كبير درس في الأزهر، متعمق في الدراسات الفقهية، ومجتهد فيها، ليس جامدا ولا مقلدا، وسطيا، وهكذا كانت سمة عصر الأفذاذ الذي ينتمي إليه.
كنا دائما نتمتع بوعظه وقصصه وآرائه الفقهية. ومن جانبه كان مستمعا جيدا، متواضعا، حكيما. تخاله وهو يستمع لك ولغيرك أنه يريد أن يتعلم المزيد رغم علمه الغزير.
ربما كان الفارق بيني وبينه في ذلك الوقت نصف قرن أو يزيد، ومع ذلك كنت أهوى مجالسته والحكي معه، وأحيانا أحاول إبراز عضلاتي فأتحدث من جانبي مستلهما القليل الذي قرأته وعرفته، فأخالفه في الرأي، وأقول له إن هذه المسألة أصبحت قديمة وتحتاج إلى تغيير، مستغلا تواضعه وقدرته الفائقة على الإنصات دون مقاطعة.
بحصافته أدرك أني أقرأ كتبا أو كتابات لا أعمل فيها عقلي بسبب ضعف امكانياتي الثقافية والبحثية وصغر سني. باغتني بأسئلة عجزت عن الإجابة عليها. برك الجمل كما كان يقول لي مدرس الرياضة القبطي عبدالملك عندما أعجز عن حل مسألة، وقد كنت متفوقا في هذه المادة.
لم يشأ الشيخ الصاوي عليه رحمة الله أن يحبطني أو يوقفني عن التزود بالثقافات المختلفة. لم يوجهني إلى كتاب ديني أو فقهي بعينه، ولم يطلب مني الابتعاد عن هذا النوع أو ذاك من الكتب، وإنما أعطاني درسا لم أنسه طوال العقود اللاحقة وحتى الوفت الحاضر. 
طلب مني أن أكون قادرا على التحليل والاجتهاد والاختيار بناء على معلومات اكتسبتها من قراءات متعددة ودراسات جيدة متعمقة، وبعدها يمكنني الدخول في باب التجديد مستخدما العقل الواعي الدارس الفاهم والمرن.
هنا نصل إلى المعنى الذي أدركه السابقون من علماء أفذاذ وعملوا في مساره، فتجديد الخطاب الديني أو الخطاب الثقافي لا يتم بحذف السابق واستبداله بفكر أو فقه جديد ، وإنما بإعداد أجيال قادرة على القيام بهذه العملية الصعبة والمعقدة مع الالتزام بالحياد العلمي وعدم تسفيه ما اجتهد فيه السابقون وقضوا فيه سنوات عمرهم بحثا وتنقيبا وتصحيحا واستبعادا وقبولا.
والحقيقة أن أكثر من خطاب راهن يحتاج إلى التجديد وليس الديني فقط، فهناك الخطاب الفني والخطاب السياسي والخطاب التعليمي والخطاب الاجتماعي والخطاب التاريخي. 
من يمكنه ذلك سوى العقول القادرة على الفرز والاختيار الصحيح لمخاطبة العصر بلغته المناسبة. هذه العقول لن تمطرها علينا السماء، بل لابد من تجهيزها عن طريق إصلاح التعليم المتعثر الذي يمر بأسوأ حالاته في مصر، فهو مريض في غرفة الإنعاش إلى أن يريد الله أمرا.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد تخفيف العقوبات على طالبي الحضن؟

  • فجر

    05:31 ص
  • فجر

    05:31

  • شروق

    06:58

  • ظهر

    12:11

  • عصر

    15:04

  • مغرب

    17:24

  • عشاء

    18:54

من الى