• الثلاثاء 18 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر11:35 م
بحث متقدم

لعله خير!

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

ما أعجب هذا الانسان وهو في قمة غضبه وسخطه وتذمره، حينما لا توفقه الأقدار لشيء يريده.. إنه قد يرى نفسه فاشلا، أو يرى نفسه محرومًا، فيقبع تعيسًا أسيرًا للوهم بالحظ النحس والمصير البائس، وقد ينظر للناس من حوله ليقول: لماذا تميزوا عني ونالوا مالم أنله، ونجحوا فيما رسبت فيه؟!
وها هو أمام خسارته يتحول إلى طاقة كبيرة من اليأس والقنوط، ويظل يبكي حظه العاثر، وسوء طالعة وتردي مصيره.
يرى في نفسه وحول نفسه، كل هذا السواد، وكل هذه العتامة القاسية، بينما الحقيقة غير ذلك، وما خبأه الله تعالى له في عالم الغيب بسبب ما ظنه أنه الحرمان والفشل، تكمن فيه السعادة الكبيرة والهناء البالغ، والتي سيرى بواعثها فيما بعد، ليخجل ساعتها من قنوطه القديم، ويعلم كم كان جاهلا قاصرًا ضيقًا مسرفًا في تذمره وسخطه.
أما هؤلاء الأشخاص الذين ظن يومًا أنهم من تسببوا في خسارته وحرمانه وتعاسته، فإذا هم بعد زمن طويل يتبين له أنهم كانوا السبب المباشر فيما حققه من نجاح وتقدم! ويتمنى لو لقيهم حتى يقبل أياديهم ويشكرهم، أو يكافئهم على موقفهم الذي وجهه إلى طريق آخر جنى منه الظفر والنصر والذخر. 
ويبقى التساؤل: لماذا لا يمنح الإنسان نفسه فرصة للتفكير والتريث والاحتمال بقدوم بعض الخير في ثوب الشر، وفي ظل هذا الحزن البالغ والكمد الذي لا حدود له والذي أوشك بهمه أن يأكله ويقضي عليه لفرصة فائتة، أو عطية لم ينلها، أو مكرمة لم تكن من نصيبه؟!
لماذا لا يوجد التقدير باحتمال آخر لمصير مغاير، يحمل الفرح بدلا من الحزن، والسعادة بدلا من الهم، والبهجة بدلا من التعاسة؟!
تحت إشراف الدكتور (منصور فهمي) كان الطالب (أنيس منصور) يدرس في قسم الامتياز ويتقاضى مكافأة (6) جنيهات، وحاول أن يزيد دخله، فتقدم لشغل وظيفة مذيع بالإذاعة واجتاز الاختبارات الأولية بنجاح، وبقي الاختبار الأخير حتى يتحقق حلمه في أن يتردد اسمه على أسماع الملايين، وقبل أن يأتي دوره، وقف زميل له في الامتحان وكان محررًا في الإذاعة يلقي بعض النصائح والإشارات، وكانت نصيحته الأولى أن يخفض من صوته قدر استطاعته، لأن حساسية الميكروفون سترفع منه، ونفذ ما اقترحه زميله وسقط في الاختبار، لقد تألم أنيس لهذا الرسوب وهو الذي لم يعرف الفشل في حياته، كما زاد ضيقه حينما عرف أن هذه النصيحة التي أسداها له ذلك الناصح، كانت مقلبًا لأنه لا يريد غيره أن يفوز بهذه الوظيفة، وكان يخشى منافسته لكنه سقط كذلك في الاختبار.
وبعد هذه التجربة التي تألم لها أنيس، وظن يومها أن طموحًا وأملا كبيرًا يريده قد ضاع وتبدد، كان يضحك كثيرًا من حزنه القديم ويقول: " إنني لا أندم الان على هذه التجربة، بل إنني أشكر صاحب المقلب من حيث لا يدري، وأشكر الظروف التي دفعته إلى طريقي، وإلا لكنت الآن مذيعًا يشغل وقتي عمل متصل يبعدني عن حبيبتي الأولى والأخيرة الكتابة الأدبية.
وهكذا نعيش في دوامة التناقض لنقر بجهلنا وقصور عقولنا عن إدراك هذه الحكمة الكبيرة، ففي المحنة تأتي المنحة ولكننا جاهلون.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

فى رأيك ما هو أهم حدث خلال 2018؟

  • فجر

    05:24 ص
  • فجر

    05:24

  • شروق

    06:53

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى