• السبت 15 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر06:00 م
بحث متقدم

الأسباب المؤدية إلى الفساد

أخبار الساعة

عادل عامر 2
عادل عامر 2

د. عادل عامر

إن ما يشهده العالم من ظواهر غريبة، وأزمات سياسية، واقتصادية، واجتماعية تتباين في أشكالها وأحجامها، ولعل من أهم تلك الظواهر تأثيراً بعد الإرهاب هي ظاهرة الفساد وبكل أنواعه "الإداري والمالي والسياسي والقضائي......الخ" 
، وستركز هذه الدراسة على الفساد الإداري بمختلف أشكاله وأنواعه ومن وجهات نظر مختلفة لكتاب ومؤلفين متعددين فضلا عن تزايد اهتمام الحكومات بمشكلة الفساد وبما تفرزه من انعكاسات سلبية وأضراراً بالغة في مختلف ميادين الحياة الإنسانية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، في الوقت الذي تسعى به كافة بلدان العالم إلى مواكبة متطلبات التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة العالمية والمتمثلة في ظاهرة العولمة والتحول من الانغلاق الاقتصادي إلى الانفتاح، والاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحرير الأسواق.
 وإن الانخراط في العولمة قد يفتح آفاقاً جديدة ويتيح فرصاً كثيرة إلا أنه قد يخلق تحديات كبيرة على المجتمع الدولي والتي تتمثل باستخدام تكنولوجيا عالية في ممارسات الفساد في ظل تطورات تقنية المعلومات وهيمنة الاقتصاديات الخدمية ورفع حواجز الحماية التجارية أمام تدفقات الاستثمارات والخدمات المالية، فعولمة الاتصالات الإلكترونية تسهل انجاز الأعمال غير المشروعة مثل إمكانية اختراق الأسواق المالية العالمية التي سببت في أزمات مالية عنيفة لكثير من الحكومات والشركات والبنوك في مختلف بلدان العالم. لذا فإن موضوع الفساد يحتل مكاناً مميزاً في المواضيع المثارة في عصرنا لما له من أثار وانعكاسات كبيرة محلياً وعالمياً،
 ويتجلى الاهتمام في هذا الموضوع بمؤشرات كثيرة يمكن معرفتها من خلال العدد الكبير من البحوث التي أجريت بهذا الصدد، والاهتمام الدولي المتزايد بهذا الموضوع.
الأسباب المؤدية إلى الفساد في الوقت المعاصر والتي بالعمل على الحد منها يتم تجفيف منابع الفساد، ومن أهم الأسباب ما يلي:
أ -اتساع حرية التصرف للمسئولين بدون ضوابط دقيقة بما يمكنهم من التصرف في الأموال الموضوعة تحت تصرفهم لمصلحتهم الخاصة، وكذا أخذ الرشاوى لإنجاز الخدمات المكلفين بأدائها للمواطنين.
ب-قلة المساءلة: والتي تأتى من عدم وجود سياسات منظمة وضابطة للتصرفات المالية، ثم عدم كفاية وضعف أجهزة الرقابة، وأخيراً عدم توفر المعلومات (الشفافية) عن الآداء بما يمكن من خلالها التعرف على حالات الفساد عند حدوثها.
جـ-الاستهانة بالقوانين وضعف النظام القضائي وبطء إجراءاته ثم التراخي في تنفيذ الأحكام، وهذا ما يمكن ملاحظته في العديد من الدول والتي تصدر القوانين فيها بدون مشاركة فعالة من المواطنين ولصالح جهات معينة بالدرجة الأولى، ثم تبعية القضاة في تعيينهم وتحديد رواتبهم للسلطة التنفيذية والتي انخرط الكثير من قياداتها في الفساد، وأيضاً بطء إجراءات التقاضي وإمكانية كبار المفسدين من توكيل محامين قادرين على إما مد أجل التقاضي إلى أن يستطيعوا التأثير على أدلة الاثبات، أو عدم تنفيذ الأحكام الصادرة ضدهم.
د-الاحتمال الضعيف للامساك بالمخالف في قضايا الفساد خاصة في حالة الفساد الكبير الذي ينخرط فيه كبار المسئولين في الدولة بما لديهم من سلطة يمكنهم بواسطتها التأثير على أجهزة الرقابة.
هـ-ضعف العقوبات المقررة على مرتكبي جرائم الفساد الاقتصادي مقارنة بما يحصلون عليه من عوائد ومنافع من ارتكاب الفساد.
و-ضعف وانعدام الأخلاق لدى مرتكبي الفساد والتي تمثل الرادع الأول للإنسان عن ارتكاب الفساد، وذلك ناتج من ضعف العقيدة وعدم مراقبة اللَّه عزوجل.
ز-الفقر الناتج عن ضعف الدخول خاصة الأجور التي تدفع لصغار الموظفين ولا تكفي لحاجاتهم الأساسية بما يجعلهم يحاولون تعويض ذلك باختلاس ما بعهدتم من أموال وقبول رشاوي من الجماهير.
ح-غياب القدوة ممثلة في مديري الأعمال وكبار المسئولين حيث أن انخراط هذه الفئات الكبيرة في الفساد يشجع الموظفين تحت رئاستهم على تقليدهم.
ط-التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم الآن في ظل العولمة، حيث أن الاتجاه نحو رأسمالية السوق الحرة الذى بدأ يسود العالم وما يتضمنه من تقليص دور الحكومة في الاقتصاد وبالتالي قلة المساءلة، ثم المنافسة التي تصل إلى حد الصراع القاتل، 
وحرية تحريك الأموال بين دول العالم مما أوجد فرصة أمام كبار المفسدين لتحويل ما يحصلون عليه بدون وجه حق إلى المؤسسات المالية العالمية وتدويرها في أعمال مشروعة لإخفاء مصدرها غير الشرعي فيما يعرف بغسيل الأموال، كل هذه الظروف أوجدت بيئة مناسبة أمام المفسدين لمحاولة اخفاء جرائمهم. هذا فضلاً على الفساد المستورد والذي أتى مع العولمة كما يشير تقرير منظمة الشفافية الدولية، إلى أن كثيراً من الرشاوى في العالم الثالث تدفعها جهات من العالم الأول.
ونظراً لتواجد هذه الأسباب وتزايدها، فإن حالات الفساد في الواقع المعاصر اتسعت على مستوى دول العالم وزادت.
وهو ما سنتعرف عليه في الفقرة التالية.
إجراءات ضرورية لإصلاح الفساد الإداري
قد يكون من غير المفيد الخوض في المقترحات التي ينبغي على القيادة السياسية أن تعمل بها، حيث تبث من التجربة أنها لا تهتم بمثل هذه المقترحات، ولا تملك الإرادة لعلاج هذا المرض المستعصي، أو الوقاية من تداعياته التي تعصف بالمجتمع. وبرغم ذلك فإن من الواجب الإشارة في تعجيل بعض الإجراءات الضرورية التي ينبغي لأي قيادة سياسية قادمة من التعامل معها بكل جدية وجرأة وتوكل:
أولا: إجراءات ضرورية على مستوى القيادة السياسية والإدارية:
1. توفر الإرادة السياسية: القوية النابعة من المستويات الإدارية العليا في السلطة فإذا ما شعر المفسدون بأن هناك رغبة حقيقية وبقية القيادات السياسية في التصدي للفساد ومحاربته مما يعني متابعة ومعاقبة المسؤول الفاسد والتشهير به فإن ذلك سيكون له الاثر الكبير على الكثيرين منهم ومنعهم من مواصلة ممارسة الفساد، وبالتالي وإن لم يتم استئصال ظاهرة الفساد الإداري كليا، فإن توفر الإرادة السياسية سيساعد على الحد من الظاهرة، ووضعها في مستوى يمكن التعامل معه والتحكم فيه مثل ما يحدث في بقية دول العالم.
2. الإفصاح عن ممتلكات جميع المسؤولين بدون استثناء: كالأمناء والمدراء والموظفين الكبار في مؤسسات الدولة وفي أجهزة النظام مما يشجع بقية الموظفين العموميين على التقيد بقواعد السلوك الإداري الخالي من الفساد. وهذه الإقرارات للذمة المالية إذا ما نفذت بكل شفافية فإنها ستكشف حالات الإثراء السريع، وتفضح المتورطين من الموظفين في ممارسة الفساد، كما تبين إمكانية وجود تضارب المصالح، على أن تتم تلك الإقرارات بشكل دوري.
3. الإذعان لمبدأ سيادة القانون: أن سيادة القانون تعني أشياء كثيرة منها: الالتزام الكامل بأحكام القضاء ووضعها موضع التنفيذ من قبل الجميع دون استثناء، ودونما مماطلة أو تسويف من أي جهة. واستقلالية القضاء عن السلطات الأخرى (القيادة السياسية) في الدولة، بحيث لا يكون هناك سلطان علي القاضي إلا ضميره ونزاهته وقناعاته الشخصية واحترام كافة التشريعات القانونية وتطبيقها على الجميع بدون استثناء.
4 ـ المصادقة على الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة والالتزام بها. والمصادقة لا تعني مجرد التوقيع على ورقة الوثيقة، بل تعني أن النظام السياسي يلتزم دوليا بثقافة الشفافية ومحاربة الفساد وضبطه
ثانيا: إجراءات ضرورية خاصة بالأجهزة الرقابية العليا:
1. إيجاد وقبول آليات فعالة للرقابة والمحاسبة الداخلية.
       تقتضي المعايير الرقابية الفعالة أن مسؤولية إعداد وتطبيق أنظمة مناسبة للرقابة الداخلية وكافية لكشف ومقاومة الفساد تقع على كل إدارة في حد ذاتها بغض النظر عما يتم في المستويات الإدارية الأخرى، وبالتالي ينبغي على المؤسسة أو الهيئة أو الجهاز الإداري المعني أن يعمل على تحديد الإجراءات، وكيفية الإنجاز، ومدة انجاز المعاملات، وتحديد المسؤوليات عند مخالفة تلك الإجراءات، وإلا فإن غياب هذه الإجراءات بشكل واضح سيفسح المجال لتداخل المسؤوليات وتغلغل الفساد. 
إن الحالات المتكررة للفساد الإداري عادة ما تحدث في وجود ثغرات في أنظمة الرقابة الداخلية، وإن ضعف أنظمة الرقابة الداخلية يخلق بيئة ملائمة للفساد.
2. تحقيق حياد واستقلالية جهازي الرقابة والمحاسبة العليا.
       يساهم بشكل فعال في مكافحة انتشار ظاهرة الفساد، مما يعني أن تكون الأجهزة العليا للرقابة مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية، وذلك حتى يمكنها التمتع بالحياد الكامل وتأدية الدور المأمول منها في الرقابة ومكافحة الفساد بكفاءة وفعالية، وأيضا يعني أن توفر الحصانة للجهاز الرقابي، مع توفير الموظفين والوسائل المادية بالقدر الكافي، وأن تكفل التشريعات لهذه الأجهزة أكبر قدر من الحرية في اختيار الموظفين المؤهلين علمياً وعملياً، وأن تكون لديهم المقدرة لتنفيذ المهام الرقابية بكفاءة وفعالية، بالإضافة إلي ذلك فإن استقطاب مثل هؤلاء الموظفين يتطلب منحهم الحوافز والمكافآت الكافية والملائمة للمهام الموكولة إليهم مما يتوجب معه منح الأجهزة العليا للرقابة صلاحية تحديد المخصصات المالية الكافية لها بما يتناسب مع حاجاتها ومهامها؛ وعلى الأجهزة أن تقوم بوضع الخطط الرقابية التي تكفل تنفيذ المهام الرقابية بالصورة المثلى دون تدخل أو تأثير أي جهة كانت.
3. تفويض الجهاز الأعلى للرقابة بصلاحيات حقيقية.
       أهمها مراقبة كيفية إنفاق الميزانيات العامة لتحديد جوانب النقص والقصور فيها وتبيانها ومن ثم كشف المسؤولين عن ارتكاب المخالفات المالية وأسبابها. والمهم ألا يقتصر دورها على اكتشاف المخالفات وكشف المسؤولين عنها، وإنما يجب أن يمتد للمساهمة في محاسبتهم عن هذه المخالفات وإنزال العقوبات التي يستحقونها بهم. وحيث أن مهمة التحقيق والمقاضاة تقع ضمن صلاحيات هيئات عامة أخرى مختصة، لذا من الضروري على جهاز الرقابة إقامة علاقات تعاون وتنسيق واسعة النطاق مع هذه الهيئات: الشرطة، وزارة المالية، والقضاء، وهيئات التفتيش الداخلية...الخ، فمثل هذا التعاون سيؤدي بالتأكيد على الوصول إلى نتائج إيجابية واكد من ممارسات الفساد.
4. ضرورة نشر تقارير الأجهزة العليا للرقابة بشكل دوري.
       هناك أجهزة تعمل بفاعلية وكفاءة في محاربة الفساد ومقاضاة المفسدين، وبالتالي يرتدع الآخرون الذين يمارسون الفساد. هذه المسألة تتطلب تعاونا أيضا مع وسائل الأعلام ومع مؤسسات المجتمع المدني المستقلة.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

كيف تنظر إلى ملابس الفنانات خلال المهرجانات الفنية؟

  • عشاء

    06:29 م
  • فجر

    05:22

  • شروق

    06:51

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى