• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:08 م
بحث متقدم

احذروا شهوة الكتب

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

تلعب الشهوات دورًا كبيرًا في حياة الإنسان، ولعل أبرزها وأخطرها هي شهوات النساء وشهوة المال وشهوة الملك والجاه، ويستخدم الناس دومًا لفظ الشهوة في الجانب السلبي والعمل القبيح والشيء المشين، لكنه في حقيقته يمكن استخدامه في جوانب إيجابية عديدة وأعمال نافعة محمودة، فهناك شهوات مرغوب فيها ومدعو إليها، وكثير من الناس تتحول بعض الخصال والعبادات والعادات الطيبة في حياتهم إلى شهوة!
فهناك من يشتهي قراءة القرآن، وهناك من يشتهي الصوم، وهناك من يشتهي الإنفاق في سبيل الله.
ولعل من بعض الشهوات الإيجابية التي تُصيب بعض المثقفين أو غالبهم من حيث لا يدركون أو يعون، هي شهوة الكتب، أو شهوة تجميع الكتب، نعم.. لا تتعجب.. فتجميع الكتب يتحول إلى شهوة عارمة لدى بعض المثقفين، شهوة يبلغ أثرها في النفس أكثر من شهوة جمع المال أو شهوة النساء.!
وراغبي الكتب وعاشقيها يقبلون على جمعها أكثر مما يقبل جماع المال على جمعه، والحرص على كنزه وتجميعه.
ويظل الواحد منهم يجمع الكتب ويحشد المجلدات، ويستف الأسفار، ويصف الحواشي، وإذا نظرت لقراءته وحجم اطلاعه لوجدته صفرا أو تحت الصفر بكثير.!
ربما يبدأ الأمر بالميل للقراءة وحب المطالعة، ثم ينتقل ليصير داءًا، ويتحول لهذه الشهوة، شهوة جمع الكتب، فينصرف إليها بدلاً من القراءة والمطالعة.
ولا أخفيك عزيزي القارئ، إنني صرت واحدًا من هؤلاء الذين ابتلوا بهذه الشهوة، فصرت أصرف عليها مالي، وأنذر لتحصيلها قوتي ووقتي، ابتليت بها منذ وقت مبكر من صباي وشبابي، وكان والدي رحمه الله كلما طلبت منه مالا لأشتري كتابًا يقول لي: هل قرأت ما عندك من كتب؟ وإذا ما حدثته أمي في ذلك قال لها: فليقرأ ما لديه أولا، وكان يحاول كثيرًا أن يقنعني أن الكتب الدراسية التي أتسلمها في الأزهر، أفضل كتب تقتنى وتقرأ، ثم ألمح إلي يومًا أن منهجي القرائي خاطئ مختل ناقص ولا يثمر بشئ فقال لي: كيف تقرأ؟ لقد كنا قديمًا لا نترك قراءة الكتاب حتى نمتص كل ما فيه من معلومات، ونحفظ ما فيه من ثمار العلم، وجواهر الحكم، ولقط الشعر والنظم الفريد، لم نكن نقرأ كما تقرأ اليوم للمتعة اللحظية، ثم نترك الكتاب ونقبل على غيره!
وقد صدقته فيما يقول، ولم أكن لأظن خداعه لي حتى أنصرف عن شهوتي ونهمي في شراء الكتب، لأنه فعلا كان يبهرني بما يحفظ لكثير من المقاطع والنصوص الأدبية لعدد وافر من كبار أدباء عصره، كطه حسين والعقاد والرافعي.
وأذكر وأنا في فوعة شبابي -أوله- كنت أتنافس وبعض أصدقائي من محبي القراءة في تجميع الكتاب، وصارت بيننا في ذلك منافسة شديدة، وتوغلت في رغباتنا حتى صارت ماردًا كبيرًا لا يمكن إيقافه، وكنا نتفنن في الوسائل والطرق التي نحصل بها على الكتب حينما يُعيينا المال، فكنا نذهب إلى بعض الأزهريين القدامى ونطلب منهم ما يحتفظون به من كتب كانوا يدرسونها قديمًا، وكنت أذهب لبعض الأئمة والخطباء في قريتي وأطلب منهم ما زاد عليهم من بعض الكتب التي تكررت طبعاتها، وأهداني أحدهم مرة كتاب الترغيب والترهيب من أربع مجلدات، وكنت به سعيدًا سعادة لا توصف، وحفي به حفاوة من حصل على كنز ثمين.!
وكنت كذلك أذهب للمكتبات العامة والخاصة، وأسألهم عن الركن الخاص بالكتب التي يرخصون ثمنها ويجرون عليها عروضهم الخاصة، وأدمنت الذهاب إلى (مكتبة الأسرة) التي كانت ناشئة مع بداية تطلعاتي المعرفية والتي أمدتنا بزاد قيم وكبير من الكتب الفريدة الرائعة، التي ما كنا نستطيع الحصول عليها لغلو ثمنها أو لندرة وجودها.
ومن جانب آخر حرصت على شراء مجلة الأزهر، مع بداية كل شهر هجري، لأنها كانت تصدر كتابًا هدية مع كل عدد من أعدادها، وجمعت من ورائها كتبًا عظيمة نافعة، وأبحاث طيبة هادفة، لا سيما تلك التي طبعت في عهود الدكاترة أحمد علي الخطيب، والدكتور محمد رجب البيومي، والدكتورة محمد عمارة، وكان كل إنسان يتحدث أمامي عن كتب لديه أو يأتي على لسانه ذكر كتاب، أنهي حديثه عن كل شيء، وأركز على ما ذكر من الكتب، فإن كانت لديه لا أتركه حتى يعطيني إياها، وإن كان لا يتذكر أين مكانها، أعينه وأحاول معه حتى يتذكرها لأحصل عليها، فتضاف لأخواتها من الكتب التي تذخر بها مكتبتي، التي لا تعرف متى وأين سألتفت لما فيها من كتب ومجلدات لأقرأ نصفها أو ربعها، أو حتى سدسها أوعشرها، ووجدت نفسي بعد ذلك منهمكًا في الجمع والتحصيل والترتيب والتستيف، بينما أهملت الرغبة الأساسية التي من أجلها أجمع الكتب، ومن يومها أدركت أن جمع الكتب شهوة، وأنني أصبحت أسيرًا لهذه الشهوة، وصرت مهتمًا بها أكثر من اهتمامي بالقراءة.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:01 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى