• الأربعاء 24 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر07:10 ص
بحث متقدم

مبروك عطية و«فتاوى المول»!

مقالات

ترددت كثيرًا قبل كتابة هذا المقال، واستغرق الأمر مني وقتًا طويلًا _ أصدقكم القول _ للتفكير أو معاودة النظر، حين خطر في ذهني أن هذا الذي أكتبه الآن، ربما يحمل معنى المخاطرة الكاملة بفقدان صديق وأستاذ أعتز بصداقته، وتتلمذي على يديه، أمدًا زمنيًا، أعني د. مبروك عطية (1958 _ ..)، الذي جمعتني به عدة مناسبات، في الندوات واللقاءات التليفزيونية، فلم ألمس فيه إلا دماثة الخلق والتواضع والتمتع بعلم صادق صحيح في تخصص محدد _ قد لا يبدو واضحًا تمامًا للناس _ وهو مجال "اللغويات" أو اللسانيات" أو كما يسميه بعض الباحثين "علم اللغة" Linguistics، فـ د. مبروك عطية لم يكن دارسًا متخصصًا في الدراسة الشرعية  المفضية أو المؤدية إلى "الاجتهاد الشرعي" و"الفتاوى"، بالمفهوم الاصطلاحي الدقيق للكلمة، حتى وإن كانت حياته العلمية كلها في أروقة الأزهر وساحاته، ففي الأزهر أطباء ومهندسون وعلميون وإعلاميون، لم يكن مطلوبًا منهم أن يفتوا، وليسوا _ بالقطع _ مؤهلين للفتوى. و لكن دور الإعلام الخطير، وغواية "الميديا" وفتنتها، دفعت بـ د. مبروك عطية، ليصبح، فجأة، مفتيًا في الحصص الإعلامية (المبهرة) واسعة الانتشار، التي تبثها الفضائيات الخاصة. 
كانت كثافة أضواء الكاميرات، ودرجة الإبهار الإعلامي المتمتعة بفعل "التخدير"، مع ترسخ فكرة ارتباط د. مبروك بحقل الدعوة والفتاوى، وتنادي المذيعين والمذيعات بطريقة ساذجة ضحلة _ في عدد كبير من الفضائيات _ إلى التواصل مع د. مبروك في مسائل وقضايا شائكة تخص أمور الفتوى العويصة، كل أولئك جعل شريحة من الرأي العام تصدق، وجعل د. مبروك عطية نفسه يصدق أنه "مفتٍ" أو "صاحب فتاوى" يمكن أن تقف في خندق واحد مع  الفكر الاجتهادي العميق المؤهل، لطراز من العلماء بقامة د. محمد أبو زهرة، أو د. محمود شلتوت، أو د. "مصطفى المراغي"، ونظرائهم ممن يملكون العدة والأداة لإقامة الأدلة الشرعية ونصبها وتكييفها!.
صدق الناس وصدق د. مبروك قصة الفتاوى، فتصدى لها بلا حساب، وتنقل بين الأستوديوهات بحرية مطلقة ودون أي تحفظ، يحل ويحرم، وجذبته نداهة الإعلام الغلابة، فوثب في فضاءات مدينة الإنتاج الإعلامي، مبحرًا من قارب فضائية إلى قارب فضائية أخرى يتلقى الاتصالات التليفونية من السائلين _ الذين لا يدرون بالقطع طبيعة تخصصه سوى فكرة غائمة مشوشة عن انتسابه إلى الدراسة الأزهرية بصورة عامة _ فيجيب بثقة مطلقة وبلهجة "يقينية" لا تعرف معنى التوقف أو التردد، وأضفى على حصصه الإعلامية _ بمرور الوقت والتراكم الزمني والخبرات المكتسبة _  شيئًا من خفة الظل الكامنة _ والحق يقال _ في طبيعة شخصيته، فوقر في يقين المتصلين أنهم ينالون "الإجابات الشافية"، ويضحكون، في الوقت نفسه، ملء قلوبهم من قفشاته ودعاباته الشهيرة ولوازمه الحركية والأسلوبية، التي تستدر القهقهة إلى حد الاستلقاء على الظهر! وصاحب حصصه الإعلامية عبارات أو لوازم كلامية لا نظن أن "داعية" أو "مفتيًا" في القديم والحديث _ لجأ إليها من نوعية "يا أمورة" / "يا حبيبتي" / "يا أأختشي".. إلخ! أو قد يحاكي لغة بعض الريفيين _ من باب كسر الملل _ في خلط واضح بين "حصة شرعية" للإفادة والتحقق بالعلم الشرعي الصحيح، و"حصة إعلامية" للشو الإعلامي ولفت الأنظار وتصدير الكوميديا ودفع الملل!!.
لم يكن د. "مبروك عطية" ليجرؤ على طرح عشر معشار هذه الفتاوى، أمام زملائه في أقسام الدراسات الشرعية بالأزهر مثلًا، لأنهم سيفندون  _ في كسور من الثانية _ ما يقول بالعلم الصحيح المتثبت منه، وقد يلزمونه مساحة تخصصه الدقيق فلا يتعداها، ولم يكن ليجرؤ على الإفتاء الغزير في هذا الحشد الرهيب من القضايا الشائكة، أثناء سنوات تدريسه في جامعة "الإمام محمد بن سعود" أو جامعة "الملك خالد"؛ لأن علماء السعودية وفقهاءها، كانوا سيخرجون عن بكرة أبيهم للرد والتفنيد، بطرقة استنباطية فقهية سليمة، وقد يطالبونه _ بالطريقة نفسها _ بالتزام تخصصه دون تجاوز أو تعدٍ لتخصص غيره! أما في مدينة الإنتاج الإعلامي فـ"المول" التجاري مفتوح على مصراعيه؛ لأن تقول ما تريد دون أدنى مساءلة علمية أو مراجعة من أحد،  شريطة "تحبيش المسائل بالبهارات" والقدرة على التضخيم ولفت الأنظار بأي ثمن. 
ومنطق "المول" التجاري، الذي يسود في مدينة الإنتاج الإعلامي، يجعل بمقدور د. يوسف زيدان أو "مصطفى راشد" أو "أحمد عبده ماهر" أو غيرهم، أن يقولوا ما يشاءون في الدين _ ولو فرخوا في الجلسة الواحدة مائة فتوى، وغاصوا في عرض مائة عالم! _  فـ"فتاوى المول" تصنع إثارة وتشويقًا وسخونة، لكنها لا تصنع علمًا صحيحًا ولا توعية صادقة ولا بوصلة سديدة للطريق!.
وشخصيًا أرى _ من خلال حصيلة الخبرات ومطالعة المسانيد والصحاح والأصول، والحصاد العلمي المتواضع _ أن "النقاب" ليس فرضًا، وأن ذرائع بعض المفتين، بأن النهي عن "التبرقع" للمحرمة بالحج دليل على أن الأصل هو "التبرقع" أي النقاب الذي لا يظهر إلا العينين، أرى أن هذا دليل واهٍ، لأن الحج "زيادة" في الطاعة، لا "نقص" منها! والمسألة _ في كل الأحوال _ مطروحة للنقاش والمساجلة الفقهية الرفيعة المتشحة بخلق العلماء وأدبهم في الاتفاق والاختلاف على السواء، والخلاف فيها _ كما يتضح محل اعتبار، بين القطبين المتعارضين. 
لكن ما قاله د. "مبروك عطية" مع الإعلامية "وفاء الكيلاني" في أحدث حصصه الإعلامية، لا صلة له بالعلم، ولا علاقة له بالفقه أو المساجلة الفقهية الراقية المقبولة، بل كان "سبًا" مقذعًا وسخرية (عدوانية) سمجة متغطرسة، ذات طابع عنصري، يتعمد تصدير الإهانة، والتعامل بعنصرية وفجاجة مع شريحة قائمة في المجتمع المصري من المنتقبات، وهن أمهات وبنات وأخوات، في كل عائلة! فإذا رغب في أن يوجههن إلى طريق أخرى في الزي والملبس، فليكن ذلك بالنصح والتوجيه التربوي الصبور، لا سخرية "المصاطب" العدوانية، التي يمكن أن يباشرها أي أحد إلا أن يكون "داعية"!.
اندفع د. مبروك، في حصته الإعلامية المشهودة _ يصف _ بضجيج وصوت غليظ أجش _ المنتقبة بأنها "رجل ما فيهاش ريحة الأنوثة..!" _ بتعبيره _ بما دفع كثيرين من المتدينين وغير المتدينين إلى سؤاله بشقاوة أولاد البلد وفطرتهم: "وهي أنوثتها لازماك في إيه؟ أنوثتها تلزم زوجها فقط؟!"، فلم تكن عبارة د. مبروك صادرة بمنطق داعية، ولا طريقته ولا آلياته في الفهم والتوصيل والأداء!.
ثم يعقب د. مبروك بقوله: "أنا حزين، لظاهرة الانتقاب في قلب الأزهر!"، ولن أناقش هنا حزنه أو فرحه، ولكن أسأله _ بصدق _ حزنت من أجل النقاب فقط، ولم تجهر بحزنك أمام فيض النهود والصدور العارية الساخنة في مهرجان "الجونة" السينمائي، حيث تبارى الجميع في كرنفال التعري والافتضاح، لآخر قطعة ملابس؟! ألم يحزنك كم الابتذال والبورنو والجريمة الدامية في دراما رمضان الماضي، حيث سخر كثيرون في الدراما من "الصيام" نفسه في شهر الصيام؟! ألم يحزنك مشهد سحب أكثر من خمسين ألف (ترخيص خطابة) من علماء كبار، كانوا يعمرون المنابر بالعلم الرفيع الصحيح ليحل محلهم كما تابع الناس في كثير من الأحيان متلعثمون لا يقيمون عبارة عربية سليمة؟! ألم يحزنك إهانات الصحابة والتابعين والقيادات التاريخية الإسلامية في "كرنفال استباحة" إعلامية، لا نصدق أنه ينصب في قلب المحروسة؟!.
يقسم الباحث "آرثر بيرجر" في كتابه: "وسائل الإعلام والمجتمع/ وجهة نظر نقدية"، الإعلام إلى نوعين:  "إعلام بارد" و"إعلام ساخن"، وأزمة د. مبروك أنه اعتاد (الإعلام الساخن) الذي يعتمد فكرة التشويق ولفت الأنظار، لا (الإعلام البارد) الذي يعتمد فكرة "نقل المعلومة الصحيحة  بمهنية وهدوء ودقة". 
كانت ابتسامات المذيعات _ فيما يبدو _ تشجع د. مبروك على مزيد من "العدوانية اللفظية السافرة"، والتمادي في الإهانة دون تحسب لأي ثمن!.
قدم د. مبروك للمكتبة ما يقرب من عشرين مؤلفًا، ضمنت له سمعة طيبة _ في تخصصه على الأقل _ أما ما يصنعه في مدينة الإنتاج، منذ سنوات، وما صنعه أخيرًا مع "وفاء الكيلاني" من تعامل فج مع شريحة من نساء الشعب المصري _ سواء اتفقنا معهن أو اختلفنا!، فهو مسلك استفزازي، يخرج به عن "حدود تخصصه"، ويصدر للرأي العام قدوة رديئة في طريقة التخاطب ووسائله. وببقية من ظل صداقة باقية واعتراف بـ"التلمذة" أنصح د. مبروك بالتراجع عن هذا الطريق، والتخلي عن ظاهرة "فتاوى المول"، فحين ينحسر ظل هذه الظاهرة _ آجلًا أو عاجلًا _ سيكون حكم التاريخ على الأكاديمي والإعلامي، الممسك بأعواد النعناع دائمًا، شديد القسوة بأكثر مما يتصور!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • ظهر

    11:44 ص
  • فجر

    04:45

  • شروق

    06:09

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:54

  • مغرب

    17:19

  • عشاء

    18:49

من الى