• الجمعة 19 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر08:39 م
بحث متقدم

الأنبا بيشوي.. رحيل «الرجل الحديدي»

آخر الأخبار

الأنبا بيشوي
الأنبا بيشوي

فتحي مجدي

كان يحظى بالثقة المطلقة من البابا شنودة.. ورشحه في حياته لخلافته في منصبه

كان يعتبر تأييد الأقباط لـ «مبارك» في الانتخابات واجبًا مقدسًا.. وأيد توريث السلطة لـ «جمال مبارك»: ليس هناك من هو أفضل منه

دخل في صدامات حادة مع المسلمين بتصريحاته عن كونهم ضيوفًا في مصر .. وبزعمه عن تعرض القرآن للتحريف

تسبب في خلافات حادة بين الكنيسة والطوائف المسيحية الأخرى التي وصف عقيدتها بـ «الفاسدة»

صرامته الشديدة وحزمه في مواجهة الأخطاء بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وفي ظل مسئوليته عن التجريد والشلح، فهو المسئول عن إدارة المحاكمات الكنسية، جعل الكثيرين يلقبونه بـ "الرجل الحديدي"، أما أتباعه فكانوا يعتبرونه المدافع الأول عن العقيدة الأرثوذكسية، فقد ظل لعقود عمل فيها في خدمة الكنيسة يشكل حائط الصد المنيع الذي يحفظ للكنيسة العريقة تماسكها في مواجهة الانشقاقات.

إنه الأنبا بيشوي، أحد أقطاب الكنيسة الأرثوذكسية على مدار عقود طويلة، الذي توفي الأربعاء، والذي عرفه بقربه الشديد من البابا شنودة الثالث، إذ كان يحظى بثقة كبيرة لديه، وكان له الفضل في ترقيته داخل السلم الكهنوتي، وعمل على مدار سنوات طويلة إلى جانبه كتفًا بكتف، كان فيها كاتم أسرار الكنيسة، والمطلّع على الكثير من الملفات، ما دفع البعض إلى إطلاق وصف "الرجل الثاني" عليه داخل الكنيسة.

كان هو الخيار المفضل للبابا الراحل لخلافته على كرسي الباباوية، الذي شغله على مدار أكثر من 4 عقود، لكن الآراء والتصريحات المثيرة للجدل التي اعتاد هو إلى جانب سكرتير المجمع المقدس، إطلاقها، أدخلته في دوامة لا تنتهي من الأزمات، وكانت على ما يبدو عامل ترجيح لاختيار للمنصب عقب نياحة البابا شنودة في مارس 2012.

الأنبا بيشوي اسمه الحقيقي مكرم إسكندر نقولا من مواليد 1942 بمدينة دمياط حاصل على بكالوريوس الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1963 بتقدير امتياز، وفي عام 1968 حصل على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من نفس الجامعة.

وبينما كان الجميع يتوقع أن يشق طريقه العملي ترهبن بدير العذراء بوادي النطرون باسم توما السريان، ليبدأ بعدها خطواته الأولى داخل الكنيسة الأرثوذكسية، وبدأ رحلة صعوده الكنيسة مبكرًا، حيث رشحه البابا شنودة قبل أن يكمل عامه الثلاثين أسقفًا على مدينتين دفعة واحدة، وهما دمياط وكفر الشيخ في 1979، وذلك في وقت كان يحفل بكبار الأساقفة الذين سطروا أنفسهم في تاريخ الكنيسة الحديث.

وفي عام 1985 تولى الأنبا بيشوي منصب سكرتير المجمع المقدس، عقب غضب البابا على الراحل الأنبا يؤانس السكرتير السابق وأسقف الغربية بسبب قبوله الانضمام إلى اللجنة الخماسية التي شكلها الرئيس الراحل أنور السادات لإدارة شئون الكنيسة إثر خلافه مع البابا شنودة عام 1981، وقد أعيد انتخابه في عام 1988، وظل محتفظًا بالمنصب حتى عام 2012.

ارتبط الأنبا بيشوي بكافة الملفات الساخنة داخل الكنيسة، وهو ما يفسر عدم الرضا عنه من قبل العلمانيين وحتى بعض رجال الكنيسة الذين نالتهم قراراته العقابية التي يرونها تحمل قدرًا كبيرًا من التعسف.   

دخل الأنبا بيشوي في كثير من الأزمات التي تعدت جدران الكنيسة، ومنها أنه في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، أطلق تصريحًا قال فيه إن الإنجيل يدعو إلى تأييده، ومن ثم دعا المسيحيين إلى تجديد انتخابه، مستشهدًا في هذا السياق بقول بولس الرسول في الكتاب المقدس "إن السلاطين الكائنة هي بترتيب من الله ومن يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله".

وهو التصريح الذي أثار آنذاك موجة من الغضب القطبي ومطالبات بإحالته إلى محاكمة كنسية، وهو الذي لم يخف من قبل وبلا مواربة تأييده المطلق لتوريث السلطة، حين قال إنه سيدلي بصوته لجمال مبارك إذا ما قرر الترشح إلى الانتخابات خلفًا لوالده.

وانطلق في تأييده بأنه "ليس هناك من هو أفضل منه لقيادة مصر، في ظل تمتعه بالعديد من المميزات التي تجعله الأجدر بالحكم، ومنها أنه هادئ الأعصاب.. رزين وعقلاني التفكير.. مؤدب جدًا في التعامل مع الآخر.. لا يميل إلى الفرقعة الإعلامية.. يعمل في الخفاء وفي صمت بصورة إيجابية.

لم يكن موقف الأنبا بيشوي رأيًا شخصيًا بقدر ما كان يعبر عن الإطار العام للكنيسة التي تحرص في كل مناسبة على إعلان ولائها التام للسلطة، حفاظًا على علاقة الدفء الوئام التي ظلت تربطها بالدولة طوال عهد مبارك، وهي العلاقة التي جنت الكنيسة من ورائها مكاسب غير مسبوقة وكرست من نفوذها الذي تعدى الإطار الروحي في أوساط أتباعها.

لم يكن بيشوي يتحدث كثيرًا إلى الصحف ووسائل الإعلام، ويبرر ذلك بأنه مثل رجال القضاة الذين عادة ما يرفضون الحديث إلى الإعلام، ويرفض بشدة التعامل مع الصحف التي يقول إنها تهلل للعلمانيين الأقباط، ويقول إنه لا يتعامل إلا مع الصحف التي تؤيد الموقف الرسمي للكنيسة.

بل أنه لا يعتبر من الجائز دينيًا أن يكتب في جريدة لا تتبنى موقف الكنيسة، ويتهم الإعلام الحكومي في مصر بأنه لا يراعي مشاعر الأقباط، لكنه في المقابل يغدق في دعم الصحف القبطية التي تتبنى بالأحرى مواقفه وينشر بها ردوده التي تطعن في آراء المخالفين له في الرأي.

كان من المطالبين بتخصيص "كوتة" للأقباط بالبرلمان أسوة بالمرأة، منطقه في ذلك أن هذا سيساعد الأغلبية على قبول اندماج الأقباط في الحياة العامة.

كما أنه كان من أشد قادة الكنيسة تخوفًا وتحذيرًا من الانشقاقات وعمليات التبشير في أوساط أتباعها، ما دفع إلى مهاجمة الأنبا ماكسيموس، الذي أنشأ كنيسة بالمقطم استطاعت أن تجذب الآلاف من الأقباط الأرثوذكس إليها، واتهم الإنجيليين بأنهم يخططون لغزو الكنيسة الأرثوذكسية.

وهدد كل الكهنة الذين يعتقد بأنهم يتبنون فكرًا إنجيليًا مثل القس مكاري يونان والقمص سمعان إبراهيم بالمحاكمة والشلح من رتبتهم الكهنوتية، كما أنه دائم الهجوم على كل من الدكتور محمد عمارة والدكتور زغلول النجار، بسبب كتاباتهما عن المسيحية.

كان الأنبا بيشوي سببًا في اشتعال الخلاف بين الكنيسة الأرثوذكسية والطوائف المسيحية في عام 2007، عندما تم تسريب "سى دي" له قال فيه خلال مؤتمر تثبيت العقيدة في الفيوم، إن الطوائف الأخرى "فاسدة"، ووقتها شنت تلك الطوائف حملات كبيرة عليه، خاصة على تصريحاته التى قال فيها إن تلك المذاهب تقوم بتضليل الشباب الأرثوذكسي لمحاولة تشويه عقيدته، وإن الكاثوليك والبروتستانت لن يدخلوا ملكوت السماء.

الأغرب، أن الأنبا بيشوي الذي لطالما أصدر عقوبات قاسية بحق رجال الكنيسة، بسبب خروجهم على لوائح الكنيسة وتعاليمها، صمت عن القس زكريا بطرس الذي اشتهر بهجومه وإساءته للإسلام، بعد هجرته إلى الولايات المتحدة، ولم يصدر قرارًا بشلحه، الأمر الذي برره بأن ذلك سيزيد من شعبيته بين الأقباط.

وعندما كتب الدكتور يوسف زيدان روايته الشهيرة "عزازيل" التي نالت جائزة "بوكر" للرواية العربية وتطرق فيها إلى فترة حساسة في التاريخ القبطي، اعتبر الأنبا بيشوي كلامه ينطوي على إساءة للمسيحية، رغم ما يعرفه عن الرجل من فضل في الحفاظ على الوثائق المسيحية.

ولم يكتف بمجرد التنديد بل أصدر كتابًا يتضمن ردودًا على ما اعتبرها افتراءات عن المسيحية، في كتاب تحت عنوان "عزازيل .. الرد على البهتان في رواية يوسف زيدان".

كان بيشوي يزعم أنه لا يوجد في مصر حرية اعتقاد، ويشكو من التضييق على المتحولين إلى المسيحية، بعكس المسيحيين الذين يعتنقون الإسلام، وهو نفسه كان من المعارضين بشدة لدخول المهندسة وفاء قسطنطين الإسلام، والتي مارست الكنيسة للضغط على الدولة لتسليمها.

وبعد سنوات من الأزمة التي انتهت بتدخل الرئاسة وقتها، قال الأنبا بيشوي إن قسطنطين بعد عودتها للكنيسة، قالت: "أنا مسيحية وهاعيش وأموت مسيحية"، وأخبرته بأنها كانت تمر بمشاكل، فحاولت تشكيك نفسها في المسيحية حتى تتخلص من مشاكلها، على حد زعمه.

في سبتمبر 2010، فجر الأنبا بيشوي عاصفة من الجدل بتصريحات أشعلت غضب المسلمين، عندما تساءل في نص محاضرة له ضمن مؤتمر "تثبيت العقيدة" بالفيوم، عما إذا كانت بعض آيات القرآن الكريم "قد قيلت وقتما قال نبي الإسلام القرآن أم أضيفت فيما بعد في عهد عثمان"، ودعا إلى مراجعتها.

وقال بيشوي وقتها: "المسلمون يقولون إن المسيح لم يمت، ونرد عليهم، فلماذا يُقال في القرآن (السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) سورة مريم .33 وكذلك لماذا يُقال (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) آل عمران ،55 فتلك الآيات مكتوبة في كتابهم، يقصد القرآن الكريم".

وأضاف: هم يردون بالنص القائل "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" النساء ،157 وفي هذا الصدد قلت لهم إن المعتدلين من كبار المفسرين المسلمين عبر التاريخ يؤيدون المسيحية ويفسرون هذه العبارة بقولهم إذا كان المقصود شخص يشبهه، لقال "شبه به لهم" وليس "شبه لهم"، فالمقصود أنه خيل إليهم ولم يكن هناك من يشبهه.

واستشهد وقتها بتفسير الرازي، قائلاً "في تفسيره السبعة مجلدات" المعروف بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، الذي وصفه بأنه أقوى المراجع الإسلامية.

ما دفع مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر إلى عقد جلسة برئاسة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر استمرت نحو ثلاث ساعات، أصدر على إثرها بيانًا شديد اللهجة للرد على تصريحات الأنبا بيشوي بشأن القرآن الكريم عبر فيها عن صدمته مما وصفه بـ "التصرفات غير المسئولة"، التي قال إنها "تهدد في المقام الأول الوحدة الوطنية في وقت نحن في أشد الحاجة فيه لصيانتها ودعمها".

وكان لافتًا أن تصريحات الأنبا بيشوي الصادمة للمسلمين جاءت بعد أيام قليلة من تصريحات لا تقل صدمة عنها، حين قال إن الأقباط هم "أصل البلد وإن المسلمين حلوا ضيوفًا في بلدنا (مصر) واعتبرناهم إخواننا.. كمان عايزين يحكموننا".

ولوح بـ"الاستشهاد" للحيلولة دون إخضاع الأديرة تحت رقابة الدولة، أسوة بالمساجد"، كما اقترح المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا وقتذاك، الذي اتهم بعض رجال الكنيسة وعلى رأسهم الأنبا بيشوي، بمحاولة إحداث فتنة طائفية في مصر وملء النفوس بالضغينة والكراهية، وهو ما دفع البابا شنودة وقتها للظهور في التليفزيون الرسمي ليقول إن تلك التصريحات فهمت بالخطأ.

كانت تلك الأزمة العنيفة بمثابة بداية النهاية للأنبا بيشوي، وانزواءه بعيدًا عن الأضواء، وعدم التحدث إلى وسائل الإعلام المصرية، مكتفيًا بالحديث إلى الفضائيات التابعة للكنيسة.

مع رحيل البابا شنودة، قفز اسمه كأحد أبرز المرشحين لخلافته، لكنه استبعد من القائمة الأولية للمرشحين في تصويت لجنة الترشيحات البابوية المنبثقة من المجمع المقدس، خروجًا على كل التوقعات التي طرحت اسمه ليكون على رأس الكنيسة.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:43 ص
  • فجر

    04:42

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:58

  • مغرب

    17:24

  • عشاء

    18:54

من الى