• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر04:27 ص
بحث متقدم

الماهرون في كسب القلوب

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم ابراهيم سلامة

يُعجبني دومًا هذا الرجل الهاش الباش المبتسم، الذي يلقاك بترحاب، ويشعرك باهتمام، ويحوطك بتقدير.. الأذكياء وحدهم من يشعرون من حولهم أنهم يحبونهم ويقدرونهم، ويهللون لرؤيتهم ومجيئهم.. هؤلاء هم أصحاب القلوب الصافية، والنفوس النقية الراقية.. كان لي أحد أجدادي لأمي، رجل ذو مقام كبير، لكنه كان مهذبًا راقيًا، وأكثر ما يميزه شيء مثير، وهو أنه كان يحترم الجميع، ويقدر الجميع، وكان حينما يلقاني وأنا طفل صغير، أراه يتحدث معي باهتمام وكأنني رجل كبير، يجلس أمامي ويتلقاني بوجهه وجوارحه، ويطرح علي الكلام وكأنني في مثل سنه.
إن قلوب الناس تستطيع كسبها بكل سهولة، فقط ما عليك إلا أن تمنحهم مزيدًا من الاحترام والتقدير، وتعزز من كرامتهم وترفعهم للسماء، ولكن من باب الإسعاد والمحبة، والتقرب والمودة، وليس من باب النفاق والتملق والخداع، فالرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه يقول: (تبسمك في وجه أخيك صدقة).. فحاول دومًا أن تنادي كل فرد بما يحب من الالقاب، وما يهواه من الصفات، لأنك بهذا تنقر على قلبه حتى يتنبه لقربك، لأنك سلكت إليه أسرع الطرق التي يحبها.
رحم الله الراحل الشيخ الدكتور (محمود عمارة): فقد كان رجلا مهذبًا يحترم الجميع، ويقدر الجميع، صغارًا وكبارًا، كنت أذهب إلى بيته فيلقاني بترحاب كبير، ويحرص على الجلوس معي ويحدثني بكثير من الاهتمام بلا ضجر أو ملل.. وأذكر مرة ونحن في الجامعة، حيث دخل أحد الطلاب من أصدقائي لحجرة العميد لينجز بعض الأوراق الخاصة به، وكان الدكتور محمود في حجرة العميد مع جمع من أعضاء هيئة التدريس والداكاترة الكبار في الكلية.. فلما خرج زميلي رأيته مبهورًا متأثرًا، وجاءني وهو يقول لي: الدكتور محمود عمارة دا متواضع أوي يا أخي! فقلت له: ماذا حدث فقال: دخلت فسلمت على كل الدكاترة وصافحتهم بيدي فصافحوني جميعا وهم جالسون إلا الدكتور عمارة حيث هب واقفًا ليصافحني.. وحق للطالب أن ينبهر فهذا الفعل لا يكون إلا من خلق الأئمة الكبار، والشخصيات الرسالية الفذة التي تحرص على تمثيل صورة الدين وأدبه العالي.. لقد كان الدكتور عمارة وقتها ملء السمع والبصر، فهو عضو هيئة كبار العلماء، وأحاديثه ترن صباح مساء في الاذاعة والتلفاز.
وكان الصحفي الكبير الأستاذ (بدر محمد بدر) فك الله كربه، ممن تشعر فيهم بهذا، فالرجل قد لا يُهلل لمجيئك، أو يكثر من الحفاوة بك، لكن عينه وبسمته في وجهك، كانت كفيلة بجذبك إليه وحبك في الجلوس معه، والراحة في الحديث بحضوره.. شيء واحد فقط كنت تخشاه منه وهو أن يصيبه الملل من إقبالك عليه ورغبتك في الجلوس معه.
ومن الشخصيات التي تجسد بقوة ما أريد وصفة في هذا المقال الدكتور (صالح الوهيبي) الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي، التي هي اكبر مؤسسة خيرية عالمية إسلامية، والرجل على مستوى دولي له هالة كبيرة، حيث يأتي الوزراء والسفراء لزيارته، كما يلتقي بالملك والعديد من الوزراء في المملكة العربية السعودية.. هذا الرجل نموذج عال للتواضع الكبير، يلقاك فيبتسم لك، وإذا صافحك يربت بقوة على يديك، وتشعر ساعتها أنه إنسان يريد أن يتقرب منك، ويريد أن يقول لك إني أحبك.. لا تجد على جبينه تلك الهيبة التي تفزعك، أو تريبك من أصحاب المناصب العالية، وإنما ترى في وجهه مسحة الأنبياء، وهدوء المصلحين، وسماحة الصالحين.. تستطيع ان تقول له كل شيء بلا خوف أو حرج ، ولكنه مع ذلك صارم في الادارة، حازم في العمل.
هذه النوعيات قل جدًا أن تجدها في الحياة، ومن أهم خصائهم وإن شئت فقل فلسفاتهم التي فهموا بها الحياة أن عقولهم كبيرة ونظرهم بعيد، فهم يبتعدون عن مواطن الخلاف والنقاش والمنافسة، التي يمكن تجلب الفرقة والخصام والنفرة من الآخرين، ومن هنا تجد الجميع يحبهم ولا يختلف عليهم أحد، حتى وإن مالوا لأحد الطرفين على حساب الآخر، فإن ميلهم يكون لينا هينا، لا يشعر معه المُلام بألم أو جراح، أو أي نوع من الانتقاص.
إن معاملة الناس فن يحتاج إلى حرفيين، وليس هناك أيسر من البسمة في وجوه الاخرين، لتلخص لك خبرة هؤلاء الماهرين الذين كسبوا ود الناس وقلوبهم.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:00 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى