• الأحد 23 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر10:33 م
بحث متقدم

القوة الحقيقية

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم ابراهيم سلامة

هل تتخيل أن العروس قديمًا في مصر كانت حينما تتجهز لعرسها لابد أن يوضع في جهازها، نسخة من كتاب المزني في الفقه، الذي شرحه العديد من العلماء، و زاد حجمة عن (550) صفحة، تبركا وبناء لهذه الحياة الجديدة على العلم والفهم والنور والعلاقة الصحيحة مع الله سبحانه.. وكان كذلك كتاب صحيح البخاري له مكانة كبيرة في النفوس، فهو في أغلب بيوت مصر، ويتجمع الرجال في المساجد والأندية لقراءته والتبرك به، حتى طغى على البعض أن يحلف به ويقول لك: والبخاري كذا والبخاري ما فعلت كذا، ومازالت موجودة على ألسنة كثير من المصريين إلى اليوم.. بل بلغ بالمصريين أنهم كانوا يقرؤونه في الحروب للتبرك وطلب النصر على الاعداء من الله تعالى.! كما حدث أيام الخديوي اسماعيل في حرب الحبشة.!
لقد كانت المجتمعات المسلمة قديمًا تقدر كلها قيمة الكتاب والقراءة، ولم يكن المصريون وحدهم في هذه المحمدة، حتى في فترات الجهل، كانت تعتز ببعض الكتب، وتنزلها من حياتها منزلة القداسة، وحينما تم التفريط في حب الكتاب، ساد الجهل والتأخر والركود، بل إنك لو بحثت في أسباب وعوامل التأخر والتراجع، لوجدت الإعراض عن القراءة، والتخلي عن الكتاب، أحد أهم هذه العوامل التي أدت لتراجع هذه الأمة.
ومع أول اللحظات والملاحم التي بدأت فيها تكوين نواة هذه الأمة، كانت القراءة وتعليم الكتابة ضرورة حاضرة.. انظر وتأمل هذا الشيء العجيب المذهل! رجل يقيم دولة ويقود حربًا، ويتولى كبر صراع عنيف بينه وبين طغاة قومه، حتى فصلت بينمها السيوف، ثم يقتل من قتل ويأسر من أسر ويعرض على من أراد أن يفدي نفسه من الأسر أن يُعلم القراءة والكتابة لـ(10) من أبناء المسلمين.
وإني لأتعجب كيف لم تقف عقول القرشيين أمام هذا القرار الخطير.. فيدركون أن الرجل فعلا لم يكن زعيما أو متسيدا أو مشاغبا لسلطانهم، وأنه فعلا لم يكن إلا نبيا وزعيما ومنقذا ومخلصا.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه الحرب للمال والمتاع والفداء، وأجور الجند وتحصيل القوت، وتطبيب الجرحى والانفاق على أسر الشهداء.. يأتي هذا القائد الفذ فيركل كل ذلك بقدمه، وينظر لتعليم الصغار ويجعل منه فداء الأسير.!
إن عدوهم إذن له بُعد سحيق، ورؤية عميقة، إنه يريد أن يصنع دولة، ويقيم أمة قوية فتية عالمة قارئة.. بل كان أولى بهم أن يقفوا متفكرين ماذا يفعل محمدًا، وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، من أين أتاه هذا الإدراك بقيمة القراءة والكتابة.. كل هذه معان كان يمكن أن تهديهم لحقيقة الرجل العظيم والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لولا الحقد والعناد الذي يعمي البصائر.. ثم لنرجع إلى الوراء برهة لنقول كان الأولى بهم أن يدركوا ذلك حينما كان أول ما نزل عليه من أمر الرسالة قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك)
هكذا كانت أمتنا.. الدين والناس والحياة والمجتمع والحرب والسلم والفقر والغنى، كلها حالات كان يصاحبها إيمان قوي بالكتاب، وتدعو الكتاب وترافق الكتاب.. بل فوق هذا كان الزعماء والسلاطين يعشقون الكتب، فحينما تقرأ تاريخ الرشيد وسيرة جده وابنه المأمون، تجد كلامًا يفوق الخيال، في حب الكتب وعشق المكتبات.. وفي الأندلس كان عبد الرحمن الناصر مولعًا بالكتب والقراءة وقيل: إنه جمع (400.000) كتاب نفيس، وذكر الذهبي عنه أنه جمع من الكتب مالم يجمعه أحد من قبله ولا بعده، وكان باذلا للذهب في استجلاب الكتب من البلاد القريبة، و يجد لذة في شرائها، بل قيل إن ما كان يمتلكه من الكتب كان يفوق ما تمتلكه مكتبات أوروبا.. ولهذا كان عبد الرحمن الناصر، وإذا أردت أن تعرف من هو عبد الرحمن الناصر فاذهب للبحث عن ذلك الاسم الذي أرعب أوروبا كلها أيام حكمه.. ربما لأنه كان قارئا مصاحبا للكتب التي هي القوة الحقيقية.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:26 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:55

  • عشاء

    19:25

من الى