• السبت 22 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر01:21 ص
بحث متقدم

لم توجد أبدًا.. ولن توجد أبدًا

مقالات

هكذا يصف كثير من المفكرين والفلاسفة فكرة(الديمقراطية)..وهو وصف يقترب كثيرا من الحقيقة والتى تتأكد تقريبا كل يوم..وأتصور ان الكلمة فى حد ذاتها تحمل الكثير من المغالطة فهى كما نعلم مشتقة من المصطلح الإغريقي القديم الذى تمت صياغته في القرن الخامس قبل الميلاد من شقين(ديموس )الشعب و(كراتوس)السلطة ويعني حكم الشعب لنفسه,, كان ذلك فى أثينا ,,وعلى الرغم من التباعد بين مصطلح الديمقراطية ومصطلح الأرستقراطية (حكم النخبة)إلا ان  الاختلاف بينهما ذاب تقريبا فى الممارسة والتطبيق ذلك أن النظام السياسي في أثينا أشترط لممارسة الديمقراطية وحق التصويت ان يكون( ذكرا )وان يكون( حرا)وتم استبعاد العبيد والنساء من المشاركة السياسية(لم تأخذ المرأة حق التصويت فى إنجلترا إلا عام  1918 /أمريكا 1920/ فرنسا 1944م !!)عمليا على مر التاريخ القديم والحديث تشكلت الممارسة الديمقراطية من(النخبة)والتى اختلف تحديدها وتعريفها بحسب قوتها وقدرتها على السيطرة ..وقد طرح مجيء الرئيس الأمريكي المنتخب من شعبه( دونالد ترامب) أسئلة كثيرة حول فكرة الديمقراطية وتطبيقاتها .. وهل هى هدف فى حد ذاته أم طريق صحيح للوصول للهدف الصحيح ..وكيف يمكن حماية هذا الطريق من(قطاع الطريق..؟وهم بالمناسبة كثيرون ..الشركات العملاقة وأسواق النفوذ/ الماكينة الإعلامية الضخمة للسيطرة على العقول/الأيديولوجيات والأفكار المطلقة ..الخ ونستون تشرشل(1874-1965م) قال ان الديمقراطية هى أسوأ نظام حكم لأنها منح حق السلطة للشعب غير المخول بممارستها أصلا..صحيح تشرشل كان عنصرى ونخبوى وطبقى لكن كلامه يجب ان يؤخذ فى الاعتبار خاصة وان كثيرين يعتبرون ان الإسهام الأكبر الذى قدمته بريطانيا للعالم هو البرلمان والحكومة..برلمان منتخب من الشعب وحكومة مسؤولة أمام البرلمان..سنعرف  اكثر واكثر لاحقا ان كل ذلك تحت السيطرة الساطرة المسطورة(ارجعوا لعلاقة نايجل فراج البريطانى بستيف بانون الامريكى واللعب المتلاعب)...
 وكنت قد كتبت كثيرا من قبل عن فكرة التلاعب بعقول الناس ولعل اشهر كتاب عن هذا الموضوع الخطير هو كتاب هربرت شيللر(1919-2000م)الأستاذ فى جامعة كولومبيا (المتلاعبون بالعقول)وعنوان جانبى أخر(كيف يجذب محركو العرائس الكبار في السياسة والإعلام ووسائل الإتصال الجماهيري خيوط الرأي العام؟)الترجمة الحرفية للكتاب( مديرى العقول)أصدرته سلسلة عالم المعرفة الكويتية العريقة(العدد106)وترجمة الأستاذ عبد السلام رضوان _رحمه الله_ عام 1986 .الفكرة العامة للكتاب تدور حول حقيقة مؤكده تقول : انه أمام الضغط الإعلامي المتكرر لا يجد الجمهور فسحة للتأمل والتفكير والتحليل ويقدم إليه الوعي جاهزا ولكنه وعي مبرمج ومعد سابقا وباتجاه واحد مرسوم ..على ان يكون يتم ذلك كله بدهاء وتحت غطاء من(الديمقراطية) والحياد .
يرى شيللر أن تضليل وبرمجة(عقول البشر)ما هو إلا تطويع الجماهير للأهداف والسياسات السائدة حتى يتم ضمان تأييد النظام السياسى والسلطة..بغض النظر إذا ما كان هذا النظام يعمل للمصلحة العامة أو ضد الصالح العام للشعب!! (مسرحية عدو الشعب  للكاتب النرويجى الشهير هنريك إبسن حيث الدكتور ستوكمان الرجل الطيب الذى حاول كشف الفساد فى المدينة فتم تحويله فى عقول الشعب إلى عدو الشعب  )ويضيف شيلر بأنهم لا يلجئون إلى التضليل إلا عندما يبدأ الجمهور في الاستيقاظ والظهورعلى الساحة لكي يصحح مسار الأمور أما عندما يكون الجمهور مضطهداً غارقا في همومه الذاتية وملذاته الشخصية فدعه ينام بسلام .يحاول شيللر أيضا في كتابه كشف(الأيديولوجيات المستترة) الأفكار والتنظيمات ذات الطبيعة الدينية والعقائدية محاولا فضح المصالح الحقيقية المخفية وراء خطابها ورسائلها الاعلامية والتي تبدو للجميع  فى ظاهرها خالية من القيم والايدولوجيات وكذلك الرسالة الإخبارية التي تبدو محايدة وهى ليست كذلك ..وحتى المعلومة التي تبدو للمتلقي مجرد معلومة مجردة مصاغة ومتركبة على نحو خبيث .
الهدف الأساسي وراء كل ذلك هو الإبقاء على مقاليد(الثروة والسلطة والقوة) والاحتفاظ بها وتكريس وضع من فيها وعليها .. الفيلسوف الفرنسي آلان باديو (81 عاما)مؤلف كتاب (شرنا يأتى مما هو أبعد)والذى أكد فيه أن هناك عصابة تتحكم  في العالم تكونت من الهيمنة على  رأس مال ضخم جدا و الذي تجاوز أفق الدولة هذ العصابة(هى فى حقيقة الأمر شركات ومؤسسات وبنوك واندية وبيوت ازياء...الخ) وتدير الأمور كلها بطريقة إجرامية تامة تستخدم كل أدوات الإجرام التقليدية ..من الرشوة الظاهرة والخفية الى القتل المتعمد والخطأ..!!. وفى النهاية ستكون الصورة أقلية تملك كل شيء وطبقة وسطى تتقاسم الفتات وحشود هائلة من البشر لا مكان لها في العالم.. ثم يقول : لقد أصبحت الجماهير منقادة ومقيدة بالإلحاح الإعلامي  ورسائل التضليل المتنوعة (لاحظ عدد التغريدات التى يطلقها ترامب بشكل شبه يومى).. 
وهكذا يبقى الجمهور في دوامة من الأحداث والتدفق الإعلامي  والإغراق فى التفاهات الكاتب التشيكى ميلان كونديرا يقترب من وصف هذه الحالة فى رواية جميلة اسمها(حفلة التفاهة) ولا يجد فسحة للتأمل والتفكير والتحليل..فالجميع غارق فى التفاهة والاهتمامات الخائبة المليئة بالإثارة والمتعة وعندما يجد البعض فرصة للتساؤل والشك فإنهم يتحولون إلى مجرد مجموعات ضالة تفكر عكس التيار وتخالف المجموع العام ويبدون مغفلين ومجانين ولا يفهمون وقد يضطرون إلى إخفاء تساؤلاتهم وقناعاتهم. 
ما الحل أمام تلك المعضلة العضيلة العاضلة ؟ .. إنها (السلطة المضادة)كما يقولون..سلطة أخرى تواجه كل هذه الحرب غير المعلنة على البشر.. أى (المجتمع المدني) وحركات الحقوق وجمعيات التثقيف والتوعية والعمل اليومى للارتقاء بمستوى النقاش العمومي بين الناس وفي تنمية مستوى (الذكاء الشعبي) وفي تثقيف الرأي العام ووتوسيع دائرة التنوير العام.. الفيلسوف الفرنسى (باديو) يعتبر الآن فى فرنسا وأوروبا من اهم الوجوه الفكرية والفلسفية والمهتمة بالدفاع عن الانسان وقيمه  الكبرى.. يقول عن نفسه :انه  يكتب لكي يقرأه من يقرؤون ومن يؤثرون على الرأي العام ومن يصوتون وينتخبون ويقترعون ومن يحسمون نتائج التصويت ومن يؤثرون على قرارات السلطة ..إنها معركة وحرب غير معلنة بالفعل ضد الإنسان والقيم الإنسانية وفضائلها الأخلاقية والرجل يستخدم فيها (سلاحه) ..قلمه وأفكاره.
هذه هى الفريضة السياسية الغائبة والفضيلة الإصلاحية المفقودة (الاخلاق والوعى والتعليم)..حيث الاختيار الصحيح لميدان المعركة الحقيقى ومواجهة الأعداء الحقيقيون لا الاندماج فى لعبة الخداع والتضليل والدخول فى خلاط (الزيطة)حيث الزمروالطبل السياسى والانتخابى..ستشير أصابع الألم والندم والاتهام أيضا إلى التيارات الإصلاحية فى السبعينيات(جيل الزيطة العظيم)والتى دخلت الخلاط أربعون عاما بإرادتها واختيارها وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا..!! ذهبوا إلى المستحيل وما لا يمكن الوصول اليه وتركوا ما يمكن إدراكه بسهوله.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:25 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:48

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:20

  • مغرب

    17:57

  • عشاء

    19:27

من الى