• السبت 22 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر01:01 ص
بحث متقدم

صحفيون تحت الحراسة

مقالات

صحفي يقضي إجازته السنوية في القاهرة، ويكتب بأسلوب جميل جذاب عن انطباعاته كمغترب عما يشاهده من تغيرات.
ولأني جربت الاغتراب سنوات طويلة أدري أن المغترب عندما يغيب عن مصر ولو لبضعة شهور يرى الأمور على غير ما تركها، وغالبا إلى الأسوأ، خصوصا تكاليف المعيشة اليومية التي تزداد غلاء، وقس على ذلك جوانب أخرى مثل الزحام والنظافة والسلوكيات الاجتماعية والمعاملات الحكومية.
الصحفي عاشق لمصر منذ زاملته في قناة العربية، وقد كان أكثرنا تفاؤلا وهدوءا، وله قدرة عجيبة على امتصاص الأحداث. ليس معارضا بل ناقدا متفحصا، يقرأ المشهد من العمق ولا يستعجل في الحكم عليه أو حتى التأثر السلبي به.
لكنه في انطباعاته الأخيرة التي كتبها على صفحته في الفيسبوك تراه متأثرا بشدة كصحفي من مشهد إحاطة رؤساء المؤسسات الصحفية، بالحراسات الأمنية المبالغ فيها، واستخدامهم لسيارات مرسيدس مرفهة، وقد صادفهم بينما كان ينهي معاملة له على ما يبدو في مقر الهيئة الوطنية للصحافة، حيث تزامنت زيارته مع اجتماع مهم.
أترككم مع ما كتبه الزميل ..
اقتضت معاملة حكومية لي أن اختم مستندا من جهة عملي ثم النقابة ومن بعدهما المجلس الأعلى للصحافة والإعلام.
في الحقيقة هو تغير اسمه مؤخرا، ولا اتذكر الاسم الجديد. لكن حتى عند البحث على جوجل ماب، استخدمت الاسم القديم وظهر لي الموقع.المقر يقع خلف مجمع التحرير مباشرة، فيلا صغيرة أنيقة من الزمن القديم، نجت من بطش العشوائية.
المنطقة اجمالا لا تزال تتسم بعض الهدوء المفقود في معظم القاهرة. يبدو أن المكان يخضع لبعض التجديدات والترميم. دلني الحارس على مدخل جانبي أقصى اليمين. دخلت من البوابة، لاحظت حركة لا تبدو اعتيادية في مكان كهذا.
عدة أشخاص يرتدون حللا سوداء وقمصانا بيضاء، بعضهم بربطات عنق وآخرون بدونها.
سألني أحدهم عن حاجتي، فاخبرته. طلب مني انتظر في غرفة جانبية، يبدو أنها مخصصة للحراسة.
الغرفة نظيفة بها مكتبان خاليان، وبضعة أشخاص يجلسون على مقاعد حولهما. سألت عن الشخص أو المسئول عن ختم الأوراق، رد أحد الجالسين قائلا: "فوق لأنه في اجتماع "مهم" البوم وممنوع حد يصعد للمبن".
انتظرت قليلا.. ثم خرجت من الغرفة للتدخين. رأيت سيارات تدخل من البوابة وأشخاصا يهرولون نحوها لاستقبال القادمين وإرشاد سائقي سياراتهم لأماكن الانتظار.
طلب مني أحد أصحاب البدل السوداء العودة للغرفة، ورددت عليه أنني سأعود حين انتهي من التدخين. أثناء وقفتي دخلت عشرات السيارات بعضها ترافقه سيارات حراسة وبعضها بدون.
من نوافذ السيارات أو عند فتح الأبواب للنزول تعرفت على وجوه بعض المشاركين في هذا الاجتماع "المهم" والذي كان مخصصا تقريبا لبحث رفع أسعار الصحف الورقية!!!
معظم السيارات التي دخلت المقر تقريبا كانت من طراز مرسيدس، والاختلاف كان في سنة الموديل.. بعضها قديم جدا يعود لأواخر التسعينيات، وقليلها حديث موديل العام. وأثار في هذا التفاوت شهية التخمين لمعرفة هوية المسئول من خلال السيارة إن لم اتعرف عليه من وجهه.
فذهب تخميني إلى أن السيارات الأقدم تخص رؤساء المؤسسات الصحفية القومية الصغيرة والفقيرة نسبيا، مثل التعاون ودار الهلال والشعب وخلافه.. ثم صعودا إلى المؤسسات الأكبر، دار التحرير ثم الأخبار فالاهرام.. لكن السيارة الأحدث على الإطلاق نزل منها شخص لا ينتمي لأي من هذه المؤسسات ولم يسبق لي أن رأيته.
كان أنيقا في كل شئ.. من السيارة إلى ملابسه وجهاز التدخين الإلكتروني الذي يمسك به.
انتهت المواكب، وعاد الموظف المسؤول إلى الغرفة. أخذ ورقتي، وقال لي حضرتك ممكن تتأخر شوية لأن السكرتير العام للمجلس سيكون في الاجتماع. قلت له ماشي.
غاب الموظف وقتا وحضرت الأسئلة التي تزحم عقلي.. ألسنا بلدا فقيرا؟.. لماذا يستخدم مسؤولون في أجهزة حكومية سيارات تصنف حسب ظروفنا على أنها فاخرة؟
لماذا يحتاجون لسائق خاص؟..
لماذا لا يستخدم المسئول سيارته الخاصة ويقودها بنفسه، خاصة وانه يتقاضى بدل مواصلات؟!..
لماذا تتحمل الدولة تكلفة تنقلات لأشخاص لا يصل إنتاج بعضهم حتى لتكلفة البنزين الذي تستهلكه سيارتهم؟!
هل يحتاج الصحفيون حراسة..!!! .. هل يستحقونها... من الذي سيفكر في مهاجمة رؤساء صحف لا يقرأها أحد؟!.. لماذا تعودنا على هذا الأداء المظهري جدا "للمسؤولين المهمين"..؟!
قطع الموظف انتظاري والأسئلة..وخفف من ضيقي من الانتظار، أعطاني ورقتي وهو يقول آسفين لتاخيرك يا محمد "بيه". شكرته.. وفي داخلي اقول أنا مش "بيه" البهوات هما اللي "فووووق"..
لكنني كنت سعيدا فعلا انه لا يزال في مصالحنا من يعرف ثقافة "الاعتذار " بصرف النظر عن هذه المواكب وأصحابها. 
انتهى ما كتبه الصحفي المغترب، وأعتقد أن تأثره نابع من عمله في الخارج، حيث إن الصحفيين والإعلاميين سواسية، لا فرق بين مشهور وجالس في الكواليس، كل منهم يؤدي عمله بمهنية، ينشد النجاح وتحقيق الأرقام القياسية، وبعد ان ينتهي من عمله ينضم إلى الناس ويذوب في حياتهم العامة، لا سائق خاص ولا حراسة ولا خوف ولا مكاتب مغلقة عليهم.

[email protected]

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:25 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:48

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:20

  • مغرب

    17:57

  • عشاء

    19:27

من الى