• الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:49 ص
بحث متقدم

من غرائب اقتصاديات السلوك الإنساني

وجهة نظر

محمود يوسف بكير
محمود يوسف بكير

د. محمود يوسف بكير

عندما كنا ندرس نظرية الاحتمالات في علم الاحصاء كنا نعتقد أن احتمال تحقق ظاهرة معينة في العينات الإحصائية الصغيرة ذات المفردتين هو 50% مهما كان عدد مرات تكرار الظاهرة وهذا افتراض نظري ومنطقي ولكن ثبت لدينا بعد ذلك أن استنتاجنا هذا غير متوافق مع الواقع. وكمثال على هذا كنا نقول إننا إذا ألقينا عملة معدنية في الهواء بشكل عشوائي عشر مرات أو عشرين مرة فإن احتمال سقوطها على جانب الصورة مساوي لعدد مرات سقوطها على الجانب الآخر "الكتابة" باحتمال 50% لكل وجه. وفي الواقع العملي فإن هذا الاحتمال صعب جدا أن يتحقق. ويمكنك عزيزي القارئ أن تجرب بنفسك وما عليك إلا أن تلقي بالعملة عشر مرة وأن تحصي عدد مرات سقوطها على كل جانب. وإذا ما تحققت لديك نسبة ال 50% فلك جائزة عندي.  وهذا يعني ببساطة أن احتمال سقوط العملة على جانب معين هو إما أكبر من أو أصغر من 50% وليس 50%.  مثل هذه التجارب العملية البسيطة جعلتنا نغير طريقة تفكيرنا إزاء الكثير من المسلمات القديمة التي كانت تجعلنا نحصر طريقة تفكير الطلاب في الجامعة داخل إطار محدد.


ومنذ نحو أربعين عاما تم دفع النساء في أمريكا الى الاقبال على التدخين من خلال حملة اعلانات قامت خلالها شركات السجائر بربط قضية المساواة بين الرجل والمرأة وقتها وحرية التدخين فظهرت المرأة المدخنة في الاعلان على انها ند للرجل وليست أقل شأنا منه في المجتمع. وكان الشعار المرافق للسيجارة في الاعلان هو انها " شعلة الحرية" ومن بعدها زاد عدد المدخنات في أمريكا بمعدلات كبيرة بالرغم من المضار الخطيرة للتدخين خاصة بالنسبة للمرأة.    


ما حدث وغيره كثير مثل علامة استفهام كبيرة حول فرضية أن الإنسان رشيد في أفعاله وردود أفعاله والتي تمثل أحد الفرضيات الأساسية التي يقوم عليها علم الاقتصاد السياسي. وبالفعل تراجعت كثيرا أهمية هذه الفرضية مع تطور فرع علم الاقتصاد السلوكي في العقود الأخيرة حيث يمكن الآن دفع الإنسان إلى التصويت ضد مصالحه الاقتصادية في الانتخابات العامة واتخاذ قرارات غير رشيدة بالمرة بسب معلومات مزيفة أو دوافع عاطفية أو ثقافية أو دينية .... الخ. كل هذا أصبح ممكنا من خلال الحملات الدعائية والاعلانات والمعلومات المضللة التي يتم تصميمها بعناية وبشكل علمي تشعر الإنسان بإنه سيد قراره وإنه يتصرف بعقلانية وانه غير منصاع لإعلانات الشركات الكبرى التي باتت تعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا وذلك من خلال كم هائل من المعلومات عن سلوكياتنا تستخدم لكتابة لوغاريتمات رياضية تجعلنا أسرى لعادات وسلوكيات معينة دون أن ندري أننا ضحية عملية تلاعب كبيرة. 
وهكذا أصبحت شركات مثل فاسبوك وجوجل وأمازون من أكبر الشركات في العالم خلال فترة زمنية قصيرة نتيجة استخدامها البارع لعلم الاقتصاد السلوكي وتحليل المعلومات الضخمة المتوفرة حاليا.


فرضية الرشادة في قصة السجائر السابقة لم تعمل كما كان يفترض بسبب الدعاية وبسبب أن العقل الانساني يميل إلى الأخذ بالحلول الجاهزة للمشاكل المركبة "وهي هنا مشكلة عدم المساواة بين الجنسين" كما أن العقل يميل إلى الحكم بمظهر الأمور وليس بجوهرها " وهو هنا أن المرأة المدخنة مساوية للرجل" رغم ان الواقع الحياتي يصرخ بكل أنواع التمييز بينهما.




وكما أن كثرة المعلومات المتاحة عن ثقافة وهموم وعادات الناس يمكن استغلالها كما أوضحنا سابقا للتلاعب بعقولهم وطريقة اتخاذهم للقرار، فإن حجب المعلومات وعدم التواصل بين الناس يؤدي أيضا إلى اتخاذ قرارات خاطئة. وقد بين هذا أستاذ الاقتصاد الرياضي الأمريكي الراحل جون ناش عنما قام بإدخال تطبيقات جديدة على نظرية اقتصادية رياضية أسمها نظرية المباريات The Game Theory” “نال عليها جائزة نوبل في الاقتصاد.
وهدف النظرية الأساسي هو محاولة التنبؤ برد فعل الخصم وكأننا في مباراة معه. 
وتزداد عملية التنبؤ صعوبة عندما لا يكون هناك أي نوع من التواصل أو التعاون مع الخصم، فمثلا عندما تقرر شركة ما إطلاق منتج جديد فإنها تحاول من خلال السيناريوهات المختلفة لنظرية المباريات أن تتنبأ برد فعل الشركات المنافسة وبناءا على النتائج تقوم بتحديد السياسية التسعيرية الملائمة لتحقيق نقطة التوازن المثلى بين العرض والطلب المتوقع على هذا المنتج في ظل المنافسة السائدة في السوق. 


والجديد الذي أتى به جون ناش هو أنه في حالة عدم توافر معلومات كافية عن الطرف الآخر في المباراة فإن التوازن لن يتحقق في الغالب عند المستوى الامثل لأي من الطرفين. ومن أشهر الأمثلة التي توضح هذا الموقف في نظرية المباريات هو مثال "دوامة السجينين". في هذا المثال يتم القبض على أثنين تحوم حولهما الشبهات في التورط في جريمة كبيرة. يتم استجواب كل منهما بشكل منفصل مع عدم السماح لهما بالتواصل من أي نوع. 
يتم إعطاء المجرمين الخيارات التالية:


1.إذا اعترفا بالجريمة فإنه سيحكم على كل منهما بالسجن لمدة 5 سنوات.
2.إذا اختارا الالتزام بالصمت فإنه سيحكم على كل منهما بالسجن لمدة عام واحد.
3.إذا اعترف أحدهما بينما التزم الآخر بالصمت فآن الأول سيطلق سراحه، بينما سيحكم على الآخر بالسجن لمدة 20 سنة وبالتالي فإن مستقبله سوف يدمر.
وهنا فإنني أرجو يا عزيزي القارئ أن تتوقف للحظات وتفكر فيما ستفعله في هذا الموقف، هل ستعترف أم ستصمت؟
بالطبع فإن الخيار الافضل لهما في هذه المباراة هي أن يلتزما الصمت ويحكم على كل منهما بالسجن لسنة واحدة ولكن غريزة الأنانية في الانسان وغياب الرشادة وانعدام الثقة في الآخر ستجعل كل منهما يعترف بالجريمة على أمل التمتع بالحرية وتفادي مخاطرة أن يكون هو الوحيد الذي أختار الصمت ومن ثم الحصول على أقصى العقوبة. وكنتيجة طبيعية لاعترافهما يحكم على كل منهما بالسجن لمدة 5 سنوات. 
هذا المثال يبين أن الانسان لا يتصرف برشادة ولا يختار البديل الافضل في بيئة غير آمنة. 


أليس هذا هو حال المواطن المسكين في عالمنا العربي الذي يعاني من الخوف وعدم الأمان واختلال كل أنواع التوازنات في حياته وهو ما يجعله يقبل بالظلم والامتهان والفتات؟


أه يا وطن.
 

مستشار اقتصادي مصري

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    05:04

  • شروق

    06:31

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى