• السبت 17 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر05:31 م
بحث متقدم

من القاتل الحقيقي لطفلي الدقهلية ؟

مقالات

شغلت قضية الطفلين المغدورين "ريان ومحمد محمود نظمي" الرأي العام في مصر بصورة ملحوظة ، وعلى الرغم من إلقاء الجهات الأمنية القبض على والد الطفلين واتهامه بأنه قتلهما وألقى بهما في ترعة فارسكور ، ورغم تقديمه إلى النيابة التي أنهت التحقيقات معه وقررت إحالته إلى محكمة الجنايات سريعا بتهمة القتل العمد ، إلا أن الرأي العام ما زال ممزقا أمام الواقعة ، ما بين مصدق ومكذب ، وما بين متحدث يروى حكاية مختلفة تماما ، ويتهم شخصيات وجهات بالتورط في الجريمة انتقاما من الأب لأنه كشف عن انحرافات هنا أو هناك .
نيابة شمال الدقهلية الكلية انتهت من مذكرة الإحالة إلى محكمة الجنايات ، وجاء فيها : (أن الأب محمود نظمي محمد قتل عمدا نجله «ريان» مع سبق الإصرار بأن بيت النية وعقد العزم على التخلص منه بقتله وتحين الفرصة لذلك حتى واتته الفرصة فإقتاده بالسيارة إلى مكان الواقعة أعلى كوبري فارسكور، وألقى به من أعلى الكوبري بمجرى النيل فسقط به حتى لقى حتفه غرقا على نحو ما أورده تقرير الطب الشرعي المرفق بالأوراق على النحو المبين بالتحقيقات ، أون تلك الجناية اقترنت بجناية أخرى وهي أن المتهم في ذات الزمان والمكان سالفي الذكر قتل نجله الثانى محمد بنفس الطريقة وبنفس النية وألقى به من أعلى كوبرى فارسكور خلفا لشقيقه، كما حاز المتهم بقصد التعاطي «جوهرين مخدرين» حشيش ومادة ترامادول هيدروكلوريد، في غير الأحوال المصرح بها قانونا).
الأهالي في قرية المتهم بقتل طفليه "محمود نظمي" وضعوا كل تلك الروايات الرسمية وراء ظهرهم وتظاهروا في موجة غضب واحتجاج عنيف على اتهام "محمود" بقتل نجليه ، وقالوا أن هذا تزوير وباطل ، وأن الدولة تعرف القاتل الحقيقي أو القتلة الحقيقيين ، وقامت قوات الأمن بإلقاء القبض على عشرات من المتظاهرين ويجري التحقيق معهم الآن بمعرفة النيابة ، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ الآن بأخبار وتسريبات مخيفة حول هذه الواقعة ، وتذهب إلى تورط شخصيات كبيرة على خلفية تجارة سلاح ومخدرات ، وبعض الروايات تربط الواقعة بملف تهريب آثار ، والجامع الوحيد بين كل تلك الروايات هو انعدام الثقة في الرواية الرسمية ، وهذا هو الخطير في الأمر .
كثير من التعليقات تستغرب من ضعف المنطق أو التبرير في الرواية الرسمية ، فأن يعقد أب النية على قتل طفليه الوحيدين ويتحين الفرصة للخلاص منهما وكأنهما عدوان له امتلأ قلبه بالمرارة والحقد عليهما ، وبدون أي سبب ظاهر مفهوم أو معقول هو أمر خارج عن المألوف ، ولم يتم تقديم أي رواية أخرى مقنعة عن أسباب ارتكابه تلك الجريمة الوحشية ، ومسألة اتهامه بتعاطي المخدرات يبدو أنها لم تقنع الرأي العام كسبب للجريمة ، خاصة وأن الإدمان على المخدرات يتفشى بين ملايين المواطنين ولم نسمع أن أحدهم ـ بسبب المخدرات ـ قام بقتل أولاده أو إلقائهم في البحر .
غضب المواطنين وتظاهرهم ورفضهم للرواية الرسمية يعني ـ ببساطة ـ انعدام الثقة في مؤسسات الدولة وأجهزتها ومصداقيتها ، غضب المواطنين وتكذيبهم للرواية الرسمية وتقديمهم روايات أخرى يعني أن الناس فقدت الثقة في أي إجراءات أمنية ، وأصبحت تتصور أن سلوكيات الجهة الأمنية الرسمية ليست دائما دعما للعدالة ، وإنما تضليل للعدالة وتستر على الحقيقة كما يزعم الغاضبون على صفحات التواصل الاجتماعي ، وأسوأ من ذلك هو التشكيك في القضاء نفسه ، وفي إجراءاته ، لأن ملف القضية الآن أصبح في حوزة القضاء ، ومع ذلك يتواصل الغضب ويتواصل تكذيب الرواية الرسمية ويتواصل تقديم روايات أخرى ، بل إن بعض الكتابات حذرت من محاولة الخلاص سريعا من الأب المتهم بقتل نجليه لطي صفحة الحقيقة ودفنها ، هذا واقع مخيف فعلا ، وعندما يصل التشكيك في منظومة العدالة إلى هذا الحد فنحن أمام ناقوس خطر على المجتمع والدولة بكاملها ، بغض النظر عن تلك الواقعة ، فقدان الثقة في القضاء مرعب ، ويعني أن المجتمع يقترب من حافة الفوضى ، فإذا فقد الناس الثقة في القضاء ففيم يثقون بعد ذلك ، خاصة وأن القضاء ـ في أي مكان ـ هو رمز وجود مجتمع إنساني ، هو رمز وجود دولة وليس غابة .
أتمنى أن تكون هناك جهات رسمية وأهلية مدنية تعكف على رصد تلك الظاهرة ، وتتدارسها بجدية تليق بها ، وتحلل أسبابها وأيضا مآلاتها ، وتقديم المقترحات الضرورية لأصحاب القرار من أجل إصلاح ما يستوجب إصلاحه ، واستعادة الثقة والهيبة في مؤسسات الدولة وأجهزتها ، قبل أن نصحو يوما على انهيار كل شيء في الوطن .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • عشاء

    06:31 م
  • فجر

    05:02

  • شروق

    06:29

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:01

  • عشاء

    18:31

من الى