• الخميس 20 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:00 م
بحث متقدم

الهلافيت

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم ابراهيم سلامة

ما زلت أتذكر ونحن في كلية أصول الدين أن أستاذ الخطابة أمر كل طالب منا أن يتجهز ليلقي خطبة عملية أمام الطلاب غيبا ويتخيل نفسه فوق المنبر وأمام الجمهور، وخرج عدد من الطلاب المجدين الذين نتوقع منهم أداءً حسنًا فتحدثوا قدر استطاعتهم، ثم جاء الدور على طالب لم نعهد عليه إلا الهلس والتهريج والتفاهة والسطحية والهلفتة، ولا أعلم كيف تكونت هذه النظرة عنه؟ ولكن لعلها تكونت من ملامح وجهه أو طريقة حديثة.. ووقف الفتى ليخطب في جموع الطلاب، ونظر بعين ثاقبة لأعلى، ثم شاح بيده يمينا ويسارا، ويالصاعقة من هول ماطالعنا به هذا الخطيب، لقد كان الفتى من أخطب ما رأيت، وأبلغ ما سمعت، وأجسر من بحديثه أُخذت، كان إلقاءه جبارًا، وصوته ساحرًا، وجمله ترن في القلوب قبل الآذان، جلسنا جميعا مشدهوين مأخوذين من جمال كلماته، وجلال بيانه، وروعة بلاغتة وصوته، وفورًا تغيرت النظرة منا إليه، وبعد أن انتهى من الخطبة مدحه الدكتور وأثنى عليه، وأخذنا ننهال عليه بالتساؤلات: كيف ومتى وأين تعلمت وخطبت.؟ وللأسف لا أذكر إلا أنه من دمنهور وكم تمنيت لو تذكرت اسمه، ولكن النسيان سطى على كثير من الذكريات .
وحكى لي والدي رحمه الله وكان مثقفًا قويًا، ولغويا عميقا، وأديبا لوذعيا، وخطيبًا لا يشق له غبار، أنه ذهب يومًا لبلدة مجاورة في خطبة ابن أخته، وكان أهل العريس بما فيهم الوالد، يرتدون ملابسهم العادية وهي ملابس الفلاحين القروية (الطاقية والجلابية البلدي) وكان عم العروس، شخصية متعلمة ذا منصب مرموق، أما أهل العريس باستثناء الوالد، فكانوا فلاحين بسطاء طيبين، ومنهم أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، وجاء هذا العم وجلس أمام الضيوف ووضع رجلا على رجل، وبدت على وجهه مسحة من كبرياء وتعال ممجوج، وما أن تبادل أطراف الحديث مع الوالد كخال للعريس، حتى شعر الرجل بضآلة حجمة، وقلة وزنه، ورأى أن هذه القدم المرفوعة في غير محلها.. فأسرع ليوازيها بأختها ويحترم نفسه أمام هذا الذي يخاطبه بما لا قبل له به من الحديث في الأدب والسياسة والثقافة العامة.
هناك أناس لا تدل هيأتهم على مكانتهم أو علمهم أو عبقريتهم، وحينما تراهم ربما تصفهم بالهلافيت إن كنت من أصحاب المظاهر، لكن بمجرد ما أن تحادثهم حتى تنهار نظرتك وتدرك على جناح السرعة أنك ممن يقال عنهم وفيهم: إنه الأعمى المبصر! 
وكذلك كان من العظماء الكبار من كان لديه نفس الصورة فقد وصف العريان أديب العربية الأكبر مصطفى صادق الرافعي بقوله: (كان الرافعي كبعض من ترى من الناس، فلم يكن الناظر حينما ينظر إليه ليلمح له امتيازا في الخلق يدل على نفسه أو عقله أو عبقريته! بل لقد يشك الناظر إلى وجهه في أن يكون وراء هذه السحنة وهذه الملامح نبوغ أو عبقرية أو فكر سام)
إن الذكي هنا هو الذي لا يعتمد على العين في تقييم الاشخاص والناس من حوله، فإن هناك أسرار وغيب خلف هذه الصور تنبئ على حقيقة تغاير ما هم عليه.. 
ولعل الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه قد لفت إلى هذا المعنى حينما قال: (رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه)


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:24 ص
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:22

  • مغرب

    17:59

  • عشاء

    19:29

من الى