• الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر06:39 ص
بحث متقدم

أين الخطأ في اعتقال السفير معصوم مرزوق ؟

مقالات

تواترت الأخبار اليوم عن قيام جهات أمنية باعتقال السفير معصوم مرزوق ، مساعد وزير الخارجية الأسبق ، وأحد أبطال الجيش المصري في حرب أكتوبر وحرب الاستنزاف ، وصاحب المبادرة الشهيرة الأخيرة التي طالبت بالدعوة إلى استفتاء على بقاء النظام بوضعه الحالي ، لحل أزمة الانقسام الوطني التي تعيشها البلاد ، وفيها تفاصيل عديدة ، وكان أخطر ما فيها ـ في تقديري ـ هو دعوته للاحتشاد في ميدان التحرير في 31 أغسطس الحالي ، أي بعد حوالي سبعة أيام من اليوم الذي تم اعتقاله فيه ، وكانت دعوته للاحتشاد ـ حسب قوله ـ لمناقشة الموقف الوطني من المبادرة إذا ما رفضت السلطات الحالية الاستجابة لها .
الأخبار تحدثت عن حملة أمنية ، شملت عددا من رموز الحركة الوطنية المصرية ، غير المنتمية للتيار الإسلامي ، وكان من الأسماء التي أكد المعلومة فيها أكثر من مصدر حقوقي وصحفي الدكتور يحيى القزاز الأستاذ بجامعة حلوان والمناضل الوطني الذي يحظى باحترام من جميع القوى الوطنية لنبل مواقفه وانحيازه دائما لما يراه مصلحة الوطن والناس ، كما ذكرت أسماء الدكتور رائد سلامة ، الخبير الاقتصادي ومعد الملف الاقتصادي لحملة المرشح حمدين صباحي ، وتوجهت قوات الأمن إلى منزل الناشط سامح سعودي غير أنه لم يكن موجودا فيه وقتها حسب ما ذكرت المصادر الحقوقية .
حتى كتابة هذه السطور ـ بعد ساعات من تداول الأخبار محليا ودوليا ـ لم تنشر أي صحيفة مصرية قومية أو قريبة من دوائر السلطة عبر مواقعها أي معلومات عن الحملة الأمنية الجديدة ولا عن حالات الاعتقال ، وهي حالة جديدة على الإعلام المصري منذ سبع سنوات على الأقل ، لكن ربما تشير إلى أن الحملة كانت واسعة نسبيا ولا تريد الجهات الأمنية الكشف عن أبعادها لحين استكمالها ، وأنها قد تشمل آخرين ما زال العمل على ضبطهم جاريا ، أو ربما انتظارا لما تكشف عنه الجهات الأمنية من مذكراتها للنيابة والتي ستطالب على أساسها بحبس هؤلاء النشطاء احتياطيا ، لكي يدخلوا في دوامة الحبس الاحتياطي التي ابتلعت عدة آلاف من النشطاء المصريين حتى الآن .
أيا ما كانت مذكرات الضبط ، فإنها لن تغير شيئا من "الرسالة السياسية" التي استقبلها الرأي العام المصري والدولي ، وهي أنها حملة مرتبطة بالدعوة للاحتشاد في ميدان التحرير بعد أسبوع من الآن ، حيث مركز ثورة يناير ورمزها العالمي ، والساحة الشعبية التي أسقطت نظام مبارك ، والتي مثلت ـ وما تزال ـ فزعا لأي سلطة سياسية في مصر منذ 2011 وحتى اليوم ، وكان الرئيس السيسي قد تحدث بنفسه أكثر من مرة ملمحا للميدان وما يرتبط به ، وقال أن ما حدث قبل سبع سنوات لن يتكرر مرة أخرى ، ولن يسمح به أبدا أن يتكرر ، ودرج المصريون على توقع اتخاذ تدابير أمنية في محيط ميدان التحرير لو أن عشرة أنفار على صفحات التواصل الاجتماعي قالوا أنهم سينزلون إليه غدا أو بعد غد ، ويمكن أن تغلق بسبب تلك الدعوة الهشة محطة المترو فيه وتغلق بوابة شارع القصر العيني وتتمترس المدرعات في مداخل عبد المنعم رياض وشامبليون وكوبري قصر النيل وجميع مداخل الميدان المعروفة .
مشكلة مثل هذه "الغارة" الأمنية أنها تعطي انطباعات شديدة السلبية عن الأوضاع السياسية والأمنية في مصر ، بدون أي داع حقيقي يستدعي ذلك ، ولا أظن أن دعوة السفير معصوم للاحتشاد في ميدان التحرير كانت ستحظى باهتمام واسع من القوى السياسية ، هي دعوة رمزية ليس أكثر ، وكان يمكن التعامل معها سياسيا بأقل التكاليف ، ويمكن أن يتم التواصل معه من خلال رئاسة الجمهورية أو حتى من مستويات أقل ، سواء من كتل برلمانية أو أحزاب قريبة من السلطة ، وكانت الأمور ستمر بهدوء شديد ، لكن الذي حدث الآن أن "العاصفة" السياسية وقعت ، وجزء كبير من الهدف السياسي الذي سعى إليه السفير معصوم مرزوق قد تحقق بالفعل ، لأن أصداء الحملة الأمنية تتردد الآن في أنحاء العالم ، بينما يوم 31 أغسطس كان يمكن أن يمر دون أن يشعر به أحد على الإطلاق ، وهذه من "موبقات" استسهال الردع الأمني في إدارة الملفات السياسية .
أيضا ، أعتقد أن توالي عمليات الاعتقال السياسي بهذه الصورة مضر جدا بمصالح مصر الحيوية ، وخاصة في المجال الاقتصادي ، لأنها تعطي رسالة للآخرين بأن الأوضاع قلقة في مصر ، وأن هناك توترات أمنية عالية ، وهي أجواء طاردة للاستثمار أو محجمة من حضوره ، كما أنها محرجة لأصحاب أي توجهات للاستثمار في مصر ، وكلنا تابعنا هذا الأسبوع المذكرة التي وقعها أكثر من مائتي عالم وأكاديمي بريطاني تندد بمحاولة جامعات بريطانية فتح فروع لها في مصر معتبرة أنها تدعم "منظومة استبداد" حسب البيان الذي أصدروه وسيناقش برلمانيا عما قريب ، كذلك مردود هذا التوتر الأمني المفتعل على السياحة ليس حسنا .
مشكلة السلطات الحالية أنها لا تريد أن تستوعب أن مصر بعد يناير2011 تختلف كثيرا عن مصر قبلها ، وأن مساحة الفضاء العام اتسعت ، والكتل الجماهيرية المشغولة بالشأن العام والإصلاح السياسي تضاعفت أضعافا كثيرة ، وسقف أشواق الجيل الجديد من الطبقة الوسطى في مصر أصبح عاليا وغير قابل للتفاوض ، رغم انتشار الخوف وإدراك التكاليف العالية لأي نشاط سياسي معارض ، وفكرة أن تخاطب العالم بأنك تحارب الإرهاب تضعفها مثل هذه السلوكيات الأمنية ، لأنك تعتقل يساريين وليبراليين وقوميين وإسلاميين معتدلين وأكاديميين وحقوقيين وصحفيين ، وجميعهم ضد الإرهاب وضد العنف ، ولا يملكون إلا أقلامهم أو حناجرهم ، ولو أدرك النظام الحالي تلك الحقائق البديهية لأي مشتغل بالسياسة لوفر على نفسه وعلى الوطن نزيفا لا نهاية له ، ولا جدوى منه أيضا ، ولأدرك أنه لا حل في مصر إلا بالسياسة وأدواتها ، وليس بالأمن وأذرعه ، وأن مثل هذه "الغارات" الأمنية لن تنهي شيئا ، فقط ستعقد الأمور أكثر .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • ظهر

    11:44 ص
  • فجر

    04:59

  • شروق

    06:25

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:03

  • عشاء

    18:33

من الى