• الأربعاء 14 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر05:18 ص
بحث متقدم

النخبة عندما تصبح نكبة ووبالا على وطنها

مقالات

استعرضت أمس افتعال قطاع واسع من النخبة المصرية معارك صاخبة تشغل بها بال الناس وتغيب عقولهم ، رغم أنها لا تمثل أي قضية حقيقية ولا أولوية بأي معيار في المجتمع المصري والتحديات التي تواجهه ، وضربت مثلا بافتعال قضية الشذوذ الجنسي وحق الشواذ وقضية الحجاب وقضية ميراث المرأة ، وكيف أن إثارة تلك القضايا الآن هي خيانة للشعب وأوجاعه وآلامه ومتاعبه الحقيقية ، وخيانة للوطن وأولوياته في الحرية والديمقراطية والعدالة بكل أبعادها ، حق الناس في العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية .
تغرق النخبة في معارك الأزقة المظلمة هذه بسبب الإحباط عادة ، والإفلاس الفكري ، والعجز عن المواجهة والرهق من النضال الحقيقي وتكاليفه ، غير أن أخطر ما في تلك الظاهرة أنها ـ مع الوقت ـ تعيد تشكيل وعي النخبة بالفعل ، كما تحولها تدريجيا من عامل تنوير وإنقاذ للوطن إلى جلادين للشعب وجزء من الدعم الفكري والمعنوي للنظام السياسي الذي يتنكر للديمقراطية والحريات العامة والعدالة ، حتى وهو يدعون غير ذلك ، وقد رأينا أيام مبارك نماذج من هذه في اليسار المصري الذي تحول تدريجيا إلى ما أسماه الصديق عبد الحليم قنديل : الذراع السياسي للأمن المركزي ، هناك أيضا الذراع الفكري للأمن الوطني أو ما شئت من أجهزة للسيطرة والتحكم .
الشعب عادة ـ في تلك الحالة ـ يكون في واد وتلك النخبة في واد آخر ، هذا الوضع أشبه بكون قطار السكة الحديد انفصل عن عرباته ، فهو يمضي وحده دون أن يستفيد منه الركاب في شيء أو يقدر على نقلهم من مكان لآخر ، لكن أكثر من ذلك أن تلك النخبة تنقلب على الشعب نفسه ، وتسفه من أفكاره ومن قيمه ومن اختياراته ، لأنه لم يستجب لرؤاها وأولوياتها وتصوراتها ، هم أصحاب النور والاستنارة والفهم والعقل والعقلانية ، وبالتالي فمن يختلف معهم هو ظلامي بالضرورة وضد العقل والعقلانية وضد الحضارة أيضا ، ومن هنا تصبح النخبة جلادا ضد الناس وضد الشعب وضد الوطن وأهله ، وتتعمق الكراهية والاحتقار كلما أدار الشعب ظهره لهم ولأفكارهم ، وتزداد سفاهة النخبة في إهانة الشعب واتهامه بالجهل والتخلف .
تتطور الأمور في هذا السياق المحبط إلى اعتراف النخبة بأن هذا الشعب غير مؤهل للديمقراطية وغير جدير بالحرية وما تصل بهما من قيم ، لأنه سيسيء استخدامها ، وأن هناك عقودا من الزمن يحتاجها الشعب لتربيته وتأهيله لكي يكتمل وعيه بقيم الحداثة والتنوير ، وبعدها يكون مؤهلا للديمقراطية ، وهذا الكلام شبيه بما قاله اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية الراحل في حديثه إلى الصحافة الأمريكية لتبرير القمع والديكتاتورية في عصر مبارك ، كما أنه مشابه لما يقوله قادة العالم الثالث تكرارا بأن الناس مختلفة هنا عن هناك ، وما يصلح للغرب من حقوق وقيم لا يصلح لنا ، في معرض ردهم على اهدار الكثير من حقوق الإنسان والحريات العامة ، أي أن النخبة في النهاية تتحول إلى منبر ثقافي دعائي لخدمة النظام السياسي الديكتاتوري ودعم اختياره لمسارات بعيدة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان .
يعيش "الكائن" النخبوي حالة من "التأله" أو في أدنى الأمور حالة أشبه بتقمص دور النبي ، فهو لا يخطئ ، وهو يرى ما لا يراه الناس ، وهو الذي يعرف كيف يكون الطريق ومن أين ومتى ، رغم أنه في النهاية يرتكب الحماقات والانحياز لقيم وممارسات ضد التنوير وضد الحرية وضد الديمقراطية ، ولا يدرك كارثته إلا بعد فوات الأوان ، وقد رأينا ذلك أيام مبارك ، ورأيناه في ثورة يناير ، ورأيناه في الأحداث الصاخبة في 2013 وما بعدها ، وكثير من النخبة التي تتأله الآن وتقدم للشعب "نبوءاتها" كانت شريكة شراكة حقيقية في كثير من تلك الكوارث التي عانى الشعب من تبعاتها ، ويمنعهم الكبر عن الاعتذار أو المراجعة العلنية .
شعوب كثيرة هي أقل من الشعب المصري في مستوى التعليم ، وفي المستوى الاقتصادي بكل سوءاته ، وفي التطور التاريخي للبنية المؤسسية للدولة ، وفي الميراث الثقافي بكل أبعاده ، وفي العمق الحضاري ، نجحت لديهم التجربة الديمقراطية وبدأوا ينتقلون خطوات نحو الأفضل ، في الهند وفي باكستان وفي ماليزيا وفي كوريا وفي وسط أفريقيا وفي القرن الأفريقي ، بل إن الديمقراطية ولدت ونمت وحكمت في أوربا وأمريكا قرنا من الزمان وصنعت حضارة زاهية وارفة في الوقت الذي كانت فيه الكثير من القيم الأساسية لحقوق الإنسان مهدرة ، حتى المرأة لم يكن لها حق التصويت ولا حق الترشح لأي انتخابات ، والعزل العنصري المقنن على أساس اللون يسود الدولة وقوانينها ، والشواذ في وضع أقرب للعنة والعار الاجتماعي ، وغير ذلك الكثير ، ولم يمنع ذلك أن تكون الديمقراطية هي الحاكمة وهي التي تتطور وتطور المجتمع ، ولم يمنع ذلك أن تولد دول عظيمة وناجحة وناضجة ، بل دول امبراطورية ، ولم يقل أحد أنه كان عليهم الانتظار قرنا آخر لكي يكتمل وعيهم بحقوق الشواذ وحق المرأة في الانتخاب فضلا عن الترشح للانتخابات أو حق السود في المساواة الكاملة .
الحداثة وتطور وعي الشعوب ثقافيا وقيميا ليس حالة جامدة ، ليست نصا دستوريا يتم استيراده ثم يتم بناء الدولة على مخططه ، وإنما هي عملية تراكم خبرات إنسانية مستمرة ، وميزة الديمقراطية أنها تملك آلية ذاتية للتطور ، وعمليات التدافع والحوار والشراكة والصراعات الاجتماعية وما يصحبها من نضال فكري وإنساني وسياسي ، كل ذلك يحقق في النهاية صيغة أفضل للمجتمع ، وبدون أن يكون هناك حياة تقوم على الديمقراطية ، وبدون أن يمتلك الشعب حريته ، فهو لن يمتلك آليات التدافع الفكري والاجتماعي في إطار سلمي صحيح ، وبالتالي لا يمكن أن ينمو وعيه الثقافي والقيمي بشكل صحيح .
إن النخبة التي تحتقر شعبها وتحاول فرض وصاية ثقافية وقيمية كاذبة ومتعالية عليه ، هي الأحق بالاحتقار ، فهي معطل لتطور الأمم ، وعبء حقيقي على أي فرصة لتطور الشعوب وانتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية ، والتجارب التاريخية عندنا خير شاهد .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • شروق

    06:26 ص
  • فجر

    05:00

  • شروق

    06:26

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:42

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى