• الأربعاء 19 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر06:27 م
بحث متقدم

قدرات وروافد صمود تركيا أمام الحرب الاقتصادية

مقالات

يحلو للبعض أن يشير إلى أن ترامب لم يخص تركيا بعقوبات اقتصادية أو بحرب اقتصادية، وإنما هناك قرارات أخرى تم اتخاذها ضد روسيا والصين وإيران، كما أن هناك خلافات قائمة مع الاتحاد الأوربي، وهذا صحيح، غير أن محركات كل تلك المواجهات مختلفة تمامًا، فالصين وروسيا تصنفان ـ تقليديا ـ ضمن العداوات الاستراتيجية للولايات المتحدة، وهناك صراعات نفوذ في الأرض والبحار والمحيطات وحتى في الفضاء، وروسيا هي وريثة الاتحاد السوفيتي العدو الأول والتاريخى لأمريكا، وهناك نزاعات قائمة بعضها عسكري مثل احتلال روسيا لأوكرانيا ومثل اتهام روسيا باستخدام السلاح الكيماوي لاغتيال معارض على أرض بريطانيا، وبخصوص الصين هناك نزاعات تجارية تتعلق بتصور الولايات المتحدة لعدالة الميزان التجاري الضخم بين البلدين وصراع أيديولوجي نمطي بين بلد شيوعي وبلد رأسمالي، وفي إيران هناك مشكلة معقدة تتصل بالبرنامج النووي الإيراني ومخاوف دول المنطقة من أبعاده والاتفاق الذي تراه ادارة ترامب غير عادل وتريد تصحيحه، إضافة إلى تورط إيران في حروب أهلية عديدة في المنطقة بصورة عرضتها كلها للخطر .
في الحالة التركية لا شيء من ذلك، بل هناك العكس تمامًا، فتركيا هي حليف استراتيجي وعسكري تاريخي لأمريكا، منذ أكثر من نصف قرن، وهي عضو فاعل في حلف الناتو، وهي صاحبة رابع أقوى جيش في هذا الحلف، من بين حوالي عشرين دولة، وتأتي في الترتيب بعد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وهم أعضاء مجلس الأمن الدائمون، وبالتالي فعندما تعلن الحرب الاقتصادية لتدمير شريكك، فإن الأمر يتعدى أي خلاف تجاري أو حتى قانوني، وإنما هو صراع له بعد استراتيجي ، صراع إرادات كما أشرت أمس، وقضية القس المسجون كانت في طريقها للتسوية قبل أشهر، بعد إفراج القضاء عنه ووضعه في بيته قيد الإقامة الجبرية في خطوة فهمت على أنها تمهيد لإطلاق سراحه، فاستبقت الإدارة الأمريكية الوضع بتهديد تركيا علنا بالعقوبات إن لم تطلق سراحه فورًا، وهو موقف فهم منه بداهة أنه محاولة إذلال وكسر كرامة، وتوظيف قضية القس من أجل تبرير حرب اقتصادية واسعة على أحد أهم شركاء واشطن وحلفائها في المنطقة، وفي مقاله الذي نشرته النيويورك تايمز أبدى الرئيس التركي دهشته من أن تضحي أمريكا بشريك استراتيجي في حجم تركيا بدعوى قضية حبس رجل دين، لا يوجد أي عقل سياسي يمكن أن يستوعب أن هذه الحرب الاقتصادية المدمرة من أجل إطلاق سراح رجل دين كان في طريقه للإفراج عنه فعلاً، ولكني أعتقد أن إطلاق سراحه أصبح أكثر تعقيدا الآن بعد أن جعلته واشنطن رمزًا لتركيع تركيا، عن قصد واضح .
لذلك لا أحد في المنطقة أبدى تعاطفه مع العقوبات الأمريكية على تركيا، حتى تلك العواصم التي لها بعض الخلاف أو "العتاب" معها، باستثناء الإمارات، لأن الجميع فهم أن تلك المواجهة تتعلق بسيادة الدول وكرامتها ورفض التدخل الأجنبي في شئونها أو شئون قضائها، فإذا قبلت الموقف الأمريك هنا فسوف تقبل ضمنًا بتدخل الآخرين في شئونك بنفس المنطق، وكان ملاحظًا أن أهم اتصال إقليمي جرى بعد القرار الأمريكي كان بين وزيري الخارجية السعودي عادل الجبير والتركي جاويش أوغلو، وحملت التصريحات التي أعقبته اتفاق الطرفين على عدم جواز التدخل في شئون الدول تحت أي ذريعة، حيث تواجه المملكة نفسها الآن ضغوطًا من كندا ومن الاتحاد الأوربي على خلفية أمور تتصل بوضع حقوق الإنسان، وهو ما ترفضه السعودية بشدة، وأيدتها في ذلك تركيا، وكلا الموقفين ـ من جهة العلاقات الدولية ـ متشابه إلى حد كبير.
الولايات المتحدة عملاق اقتصادي كبير، لا شك في ذلك، وهو قادر على إلحاق الأذى بأي دولة في هذا الجانب، غير أن الحسابات أكثر تعقيدًا من لغة المال والاقتصاد وحدها، فهناك شراكات أمنية وعسكرية واستراتيجية لا تقل أهمية عن الشراكة الاقتصادية، وهي أوراق لعب على طاولة أي صراع من هذا النوع، لذلك يراهن البعض على تسوية قريبة لتلك الأزمة بين أنقره وواشنطن، لأنها من النوع الذي لا يخسر فيه طرف واحد فقط .
تركيا ستعاني بالتأكيد من تلك الحرب الرعناء لأكثر رؤساء أمريكا رعونة في التاريخ، ولكن تركيا قادرة على التحمل، والانتصار في مثل هذه المواجهات لا يعني تفادي الأذى أو الإفلات من الضربة ، ولكن الانتصار هو في قدرتك على تحمل الضربات ، فلا تعجزك ، وتنهض بعدها ، وتركيا تملك بنية اقتصادية قوية وليست ضعيفة ، فهي من الدول التي تنتج أكثر مما تستورد ، تركيا أحد أكبر اقتصاديات أوربا ، وأكبر من اقتصاديات أغلب دول الاتحاد الأوربي نفسه ، تركيا تملك شبكة من التصنيع الضخم من الإبرة إلى الصاروخ ، ومن صناعة المنسوجات الراقية إلى صناعة السيارات التي تصدرها للسوق الأوربي القوي إلى الصناعات الغذائية المتفوقة ، فضلا عن صناعة السلاح ، والشركات التركية تشارك شركات أمريكية في صناعة أحدث الطائرات الحربية "إف 35" ، تركيا تملك احتياطيا نقديا جيدا للغاية يصل إلى 120 مليار دولار ، منهم حوالي 25 مليار سبائك ذهبية قامت بنقلها من أمريكا مؤخرا ، تركيا تملك قدرة تصدير حققت 157 مليار دولار العام الماضي ، ويبلغ ناتجها القومي السنوي أكثر من 863 مليار دولار، ونسبة الديون أقل من 28% من الناتج القومي، والقطاع السياحي وحده حقق لها حوالي 26 مليار دولار العام الماضي .
تركيا ليست اقتصادًا هشًا، ولا ريعيًا، ولا أحادي المورد، وبالتالي فهي تملك القدرة على احتمال الضربات، صحيح أنها ستتأذى وتضار عملتها بشكل مرحلي، لكنها قادرة على الصمود والتعافي، وعلى أن تلحق خسارة مؤلمة بالطرف الآخر، إن لم يكن في الاقتصاد ففي غيره بكل تأكيد.

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • عشاء

    07:31 م
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:01

  • عشاء

    19:31

من الى