• الإثنين 20 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر06:34 ص
بحث متقدم

لماذا هاجموا مبادرة السفير معصوم مرزوق ؟

مقالات

لم تكن مفاجئة لي أبدا ردود الفعل ـ داخل مصر وخارجها ـ على مبادرة السفير السابق ومساعد وزير الخارجية معصوم مرزوق ، والتي طرحها كمخرج من أزمة الانسداد السياسي في مصر والانقسام العنيف في المجتمع ، والخريطة السياسية التي كشفت عنها ردود الفعل توضح بجلاء أن شيئا لم يتغير منذ أربع سنوات على الأقل ، وخاصة في ثلاثة كتل رئيسية ورؤيتها للأحداث ، وتقييمها لمسارات الخروج من الأزمة ، وأيضا لمصالحها الخاصة وربما الشخصية من الأزمة الحالية .
كان من الطبيعي والمنطقي أن نسمع على جانب أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسي من يرفض مبادرة معصوم مرزوق ، لأن ما تطرحه يعرض النظام بكامله لخطر التفكك وانتهاء حكم السيسي نفسه وحل البرلمان والحكومة ، وفي هذا الجانب فريقان ، فريق من المتمسكين بالوضع القائم باعتباره الأقل تكلفة وخطرا ولأن البدل مجهول وغامض وغير مضمون ، وهؤلاء لديهم قلق حقيقي وإن كان مبالغا فيه من التيار الإسلامي وتصور أنه يرتب للانتقام والثأر ونشر المذابح ونصب المشانق في عموم البلاد إذا عاد للسلطة ، وبالتالي فالسيسي هو صمام الأمان للبلد هنا وفي الوقت الراهن ولا داعي للمغامرة ، وهذا الكلام لم أسمعه فقط من "دراويش" السيسي ، بل سمعته شخصيا من بعض النخبة المصرية حتى المعارضة للسيسي .
وهناك فريق آخر من المتطرفين في حب السيسي ، أو بمعنى أدق متصنعي التطرف في حب السيسي ، وهؤلاء هم الفريق الأكثر تربحا من الوضع القائم ، والذي تمثل له الحالة السياسية المأزومة والاستقطاب الحاد واحتياج النظام لأدوات وأذرع مقاتلة عنه مقابل الحماية وتوسيع فرص الانتفاع فرصة نادرة التكرار ، وهؤلاء يشملهم كثيير من أعضاء البرلمان الحالي والأذرع الإعلامية التي تقبض بالملايين وأغلبهم بلا أي تاريخ إعلامي ولا قيمة فكرية ولا سياسية ولا أي شيء ، وهؤلاء إذا انفض المولد الحالي فسيكونون أكثر الخاسرين ، وسيعودون إلى وظائفهم في الصحف القومية ـ غالبا ـ ليتقاضوا ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه شهريا بدلا من ثلاثة عشر مليون جنيه سنويا ، وهذه الأصوات كانت الأكثر عنفا في الهجوم على معصوم مرزوق ، لأن رد فعلهم لم يكن فقط دفاعا عن النظام ، وإنما دفاع عن أرزاقهم هم ومصيرهم هم .
ومن هذا الفريق أيضا قطاع عريض من الأحزاب الهامشية والتي لا وجود لها على الأرض ويحتاجها النظام كلافتات لكثرة العدد في بيانات التأييد أو صناعة صورة مزيفة عن خريطة سياسية مؤيدة ، ورجال أعمال وأطباء وشماشرجية تحت الطلب ، يقدمون أوراق اعتمادهم في سوق مفتوح وسهل ورخيص للغاية .
على الجانب المقابل لهؤلاء ، هناك فريق متطرف في عداوة السيسي أيضا ، أو بمعنى أدق يتصنع التطرف في تلك العدواة ، لأن مصالحه ـ وكلها خارج مصر الآن ـ ترتبط باستمرار هذه الأزمة وتعميق انسدادها والحيلولة دون أي خطوة نحو الحل أو إنقاذ الوطن ، وهؤلاء أيضا منتفعون من الحالة القائمة ، ويقاتلون دون بقائها ، لذلك كانوا الأكثر عنفا وخشونة في الهجوم على السفير معصوم مرزوق شخصيا وعلى مبادرته بالتالي ، وهم هاجموا جميع المبادرات السابقة وسيهاجمون جميع المبادرات اللاحقة ، بشكل آلي ، لأنهم يرتبطون بمصالح مالية ووجودية مرتهنة ببقاء حال الأزمة وانسدادها ، وأي نجاح في حلحلتها هو خصم من قيمتهم ووجودهم ودورهم ومصالحهم وأرزاقهم أيضا ، وهؤلاء عادة لا يقدمون أي بدائل لما يرفضون أو أي أفكار تتصل بالواقع ، فخطابهم يقوم على اللاءات : لا ولن ، ولا توجد لديهم أي أفكار أخرى أبعد من ذلك ، سوى تأكيدهم الدائم على أن أول خطوة للحل هي عودة الدكتور محمد مرسي لرئاسة الجمهورية ، وبطبيعة الحال هو لن يعود حتى لو تحولت مصر إلى بركة من الدماء ، وهم يعرفون ذلك ، ويعرفون أن الانقسام عليه هو في المجتمع نفسه وليس في السلطة وحدها ، وأن الدعوة الحالمة لعودته لا تؤدي إلى حل الانقسام الوطني الذي نبحث له عن حل أساسا ، وإنما تعزيز الانقسام وتعميقه وإدخال البلد لحال من الفوضى أكثر خطورة مما سبق ، هم لا يجهلون ذلك ، ولكنهم على طريقة ما يقوله المصريون : وضع العقدة أمام المنشار ، لوقف أي حركة وأي اختراق للأزمة ، لأن بقاء الوضع مصلحة أكيدة لهذا الفريق .
هناك فريقان آخران ، فريق معارضة جادة وتفكر بحسابات سياسية تتصل بالواقع وتوازناته ، وهو شرائح مختلفة داخل مصر وخارجها ، وهي تلك التي تطرح عادة مبادرات أو أفكار للحل أو تتفاعل معها قبولا أو تصويبا أو تعديلا ، لكنها لا تعاديها ولا تنشغل بهجاء أصحابها ، ولا بالخوض في نواياهم وادعاء تآمري ساذج ورخيص أنهم مبعوثوا الأجهزة ، وفريق آخر من أنصار النظام ، وأغلبهم كانوا رجال دولة ، يرون أن الواقع في مصر الآن غير قابل للاستمرار ، وأنه مخاطرة ، ولكنهم لا يتقدمون كمعارضين ، وإنما كمحللين سياسيين أو خبراء اقتصاد وقانون ونحو ذلك ، وهؤلاء يطرحون علاجات جزئية لبعض المسائل مع الدعوة للإصلاح بمفهومه الواسع ، وهؤلاء عادة ما يمتنعون عن التعليق على المبادرات المطروحة ، لا سلبا ولا إيجابا .
تلك هي الخريطة السياسية في مصر حاليا ، لم تتغير من ثلاث أو أربع سنوات ، ولك أن تتصور ردود أفعالها على أي مبادرة أو أفكار سياسية جديدة للسنوات المقبلة ، ما لم يتغمد الله مصر برحمته ويفتح لها بابا للحل .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:03 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى