• الأحد 23 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر08:29 م
بحث متقدم

قيرغيزيا.. حكاية قرية (4)

مقالات

الفرسُ التي أمتطي تخبُّ بي عبر ذلك السهب الساحر باخضراره الممتدّ أمامي، هناك في أجمل منطقة في قيرغيزيا، عند بحيرة "اسيكول" الشهيرة. ثمة شعور ينتابك لا تعرف كنهه، مزيجٌ من عزة وخيلاء ونشوة عارمة وأنت على ظهر الفرس متواكباً بجسدك مع ايقاعها، وهي تعبرُ بك الجدول المعترض، ومنظر الماء المتطاير -كما في أفلام رعاة البقر- يطير بلبّك ونفسك، فتزداد إثارة.
 تصعدُ بك الفرس الكميت عبر تلّة وعرة، فتتواءمُ بجسمك -رغماً عنك- وتتمايلُ مع حركاتها كيلا تسقط. تقفُ هناك على رأس التلة شامخاً مِنْ عليها؛ تطالعُ أشجار الصنوبر الباسقة التي ترمقك –بدورها- ببهاءٍ وحنو، وقد أّخذتْ نفسك بروعة اخضرارها في أشهر الصيف هاته، فيما البحيرة الصافية بلونها الأزرق تتمطّط بغنجٍ أمام عينيك، وتتدلّه أنْ تأتيها.
عشتُ اللحظات هذه قبل أسبوعين، وأرسلتُ بصري من على تلك الرابية الأجمل إلى السفوح –تحتي- المتغايرة الاخضرار، فيما ماء النهر المتعرّج -كأفعى منفلتة- يُضفي على المشهد أمامك روعة وسحراً، فتتموسقُ روحك مع إيقاعها الصاخب لا شعورياً،
 فيأتي نسيمُ الجبل البارد ليداعبَ وجناتك بلسعاتٍ لذيذة، لا تود أن تتوقف؛ فتأخذ نفساً عميقاً ما تستطيع، تملأُ رئتيك بكاملهما من هذا الهواء الأنقى، لتطلق ما تجمّع فيهما زفيراً طويلاً يحمل معه كل الأوصاب والأكدار التي علقت بنفسك، وتتمتم بكل إيمان وروحانية: يا لله!! أيّ جمالٍ هذا أمامي، وأيّ سحرٍ أطالع!! يا الله ارزقنا الجنة بما رزقتني ما أنا فيه..
عادت بي الذاكرة إلى العام 1992م، في زيارتنا الثانية لهذه البلاد، ومجيئنا للمرة الأولى لهذه المنطقة "اسيكول"، وقتما دهمت البلاد جحافل التنصير، وقد اهتبلوا فرصة الانفتاح، فأتوا بكل ملايينهم من الدولارات الخضراء لهذه الأرض التي تئن من الفقر وقتها، وأخصًّ من تلك الجحافل: الكاثوليك، الذين أتوا من أوروبا وأمريكا، فبنوا الكنائس، وقاموا بكثلكة بعض الروس الذين كانوا يملأون قرغيزيا ويتحكمون في معظم البلاد، والروس في أصل ديانتهم أرثوذكس، ولكنهم -كما باقي الأديان- بعيدين عنها بسبب الشيوعية التي حاربت الأديان، واعتبرتها أفيون الشعوب، وتجاوز هؤلاء المنصّرون أبناء ديانتهم؛ إلى تنصير المسلمين ودفع الرواتب الشهرية لهم، 
وشهدنا نحن تلك الحقبة التي انفلتت طلائع المبشّرين منهم لقيرغيزيا، وكنت أقوم بتصوير الكنائس، من فرط حرقتي من جهة، ومن اعجابي الشديد بنمط عمارتها، إذ كانوا يتفننون في بنائها.
لأحبتنا في "القرية الشرقية" دورٌ في مناهضة هؤلاء المنصّرين، الذين كانوا في البدء مهذبين يدعون الروس فقط، ولكنهم تحوّلوا بعدها -بهنيهة زمن- للهجوم على الإسلام، وتسفيه نبينا الأعظم محمد -صلى الله عليه وسلم- طمعاً في تنصير المسلمين، فاستشاط أهل القرية غضباً، وقام مضيفنا البطل "محمد خزائن"، وذهب مع ثلة من شباب القرية لتجمّع هؤلاء المنصّرين في المكان الكبير الذي يخاطبون فيه القرغيز، وعندما وصل القسّيس –في حديثه- للنيل من نبينا والاستهزاء به؛ انفلت صديقنا محمد خزائن معترضاً، وقام عليه –والقسس- محتداً يزجرهم، بأننا لا نتعرض لعيسى عليه السلام لأنه نبينا أيضاً، ولكن لا نسمح لكم بالنيل من رسولنا الأعظم، وحدث هرجٌ ومرجٌ وفوضى، ووصل الأمر إلى السلطات، وأتى رجال المخابرات في القرية يسائلونه، وعندما أخبرهم بما يقوله القُسس عن نبينا، أخذتهم بقية نخوة وشهامة، رغم عدم تديّنهم ولكنها الفطرة، فأيّدوه ورفعوا الأمر لحكومتهم التي قامت بوضع ضوابط بعدها، حتى رحل معظم المنصّرين عن البلاد بعد سنوات. 
كانت حادثة شهيرة يتذكرها أهل القرية بكل الفخر، وعند سؤالي في زيارتي الأخيرة هذه عن المسلمين الذين تنصّروا وقتها، وكدّر خبرَهم خواطرنا حينذاك؛ أخبرني الشيخ موسى بأن جميعهم عادوا للإسلام بعد انقطاع الأموال عنهم، والحمد لله.
 بتلك الفترة التي أتحدث، كان للجمعيات الخيرية والدعوية من الخليج حضورٌ قويٌ بتلكم الجمهوريات الإسلامية، ولربما كانت رابطة العالم الإسلامي عبر هيئة الإغاثة الإسلامية من أكثر الهيئات حضوراً، وهناك جمعية الوقف الإسلامي كذلك، والتي عملت بنشاط كبير في بناء المساجد والمدارس وافتتحت مكتباً لها، غير ناسٍ حضور الهيئة العالمية للقرآن الكريم كذلك، بنشاط مميز في افتتاح مدراس تحفيظ القرآن ورعايتها، كانت تعمل بكل اعتدال ووسطية وبُعد نظر،
 وأحمد الله تعالى في ذلك الحضور النشط للهيئات والدعاة المسلمين وقتها، الذين كانوا يقومون بعقد دورات صيفية لتعليم القوم الدين، وعقدنا العزم –صديقي الحبيب إبراهيم حجار يرحمه الله وأنا- على المجيء وتعليم القوم الإسلام، واصطحبنا من عامنا الثاني صديقنا الثالث يوسف القاسم الذي أضفى لمسة قصيمية مميّزة لرحلتنا.
انخرطنا مع جمعية الوقف الإسلامي، عبر عضو مجلس إدارتها الصديق العزيز المهندس فهد المبارك، لنأخذ الغطاء الرسمي للعمل هناك، وكنا نستأجرُ مدرسة بملاحقها وغرف نومها في منطقة "اسيكول" الآنفة، ونأتي كل إجازة صيفية، ولمدة شهرين، ننقطع فيهما عن العالم تماماً، إذ لا جوالات ولا وسائل اتصالات، نعلّم طلاب هذه القرى، والذين يتم انتقاؤهم من قبل مضيفنا الشيخ موسى الدرقيني ومكتب الوقف بالعاصمة "بيشكك"، 
وكنا رفقة كريمة نأتي من السعودية، قرابة الستة أو السبعة، ونستعين بمترجمين من إخوتنا السودانيين والجزائريين من الذين عاشوا بالبلاد في المرحلة السوفيتية ويتقنون الروسية، ونمضي في جدول يومي في تعليم هؤلاء الأبناء كيفية الوضوء والصلاة وحفظ الفاتحة، ودروس مبسطة في العربية، والنجباء منهم، يتم رفع أسمائهم للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي قامت بدور عظيم في احتضان هؤلاء الأبناء، وكذلك جامعتا أم القرى والإمام، وكان للشيخ يحيى اليحيى من الجامعة الاسلامية -يحفظه الله- دور كبير في رعايتهم وتسجيلهم، والتحق بعض الطلاب بجامعات مصر والأردن التي انفتحت عليهم، والذين عادوا بعد دراستهم ليكونوا مشاعل نور لقومهم، وأفرحني ثمار ما لقيتُ بعد كل هذه السنوات من فشو الإسلام بهذه الديار.
أمضينا خمس سنوات كاملات، نأتي كل عام، ولشهرين كاملين نقضي الإجازة الصيفية في "اسيكول" الساحرة، وكان صديق العمر يوسف القاسم، يحضر معه عدة "الكشتة"، من أدوات القهوة والتمر السكري والزنجبيل، وكل ما يلزم ليكرمنا كل صباح وعشية، بتلك القهوة القصيمية السمراء التي يتفنن بها، فنجلس –وقد انضم لنا ابنا عمه يوسف وعبدالله السليمان القاسم مع الصديق العزيز عبدالعزيز المرشد- على دكة خاصة هناك في تلك الصباحات الباردة والأصايل الساحرة، لنحتسي هذا المشروب الفاخر الذي أدمنّاه من يد حبيبنا يوسف، ولم أطعم ألذ من تلك القهوة المميزة بنكهتها ليومي هذا، فكنا نتسابق لإرضائه، يبتزنا بهذه القهوة التي بقيت روعتها في فمي، ينبجس ذكراها كل ما سافرتُ إلى مناطق خضراء ذات طبيعة، أتذكر صفيّ النفس وقسيم الروح وقهوته اللذيذة.
في زيارتي الأخيرة قبل أسبوعين لمنطقة "اسيكول"؛ أخذني الشيخ موسى الدرقيني للمدرسة، التي آتيها بعد غياب ربع قرن كامل، وفوجئنا بطلابٍ ومعلمين بها، فما زالت تقدم نور الإسلام ليومنا هذا، وفور دخولي من بوابتها العتيقة؛ تهاطلت الذكريات وتزاحمت، وانبعثت المواقف والأحداث، وانفردتُ عن الرفقة التي أتيت معها، وبتُّ أتجول لوحدي –بيدي الكاميرا- في أرجاء المدرسة، وعيناي مغرورقتان بالدموع، والنفس تُقبض تارة وتبسط أخرى، وأنفاسي تتلاحق من فرط تأثري من انثيالات الذاكرة الملأى، فيما الكلمات تتحشرج في فمي وأنا أعلق على الأمكنة الشاهدة على حضورنا من 27 عاماً، ففي كل ركن لنا ذكرى، وكل زاوية لنا فيها حكاية. دخلتُ للمطبخ؛ لتبزغ صورة الطاهية البدينة التي تعدّ لنا الطعام المحلي المكرور، والتي صبّرنا النفس عليها، وأبسم –رغم حالة التأثر التي أنا بها- عندما أتذكر أنه أتانا وقتٌ كنا مستعدين أن ندفع نصف ما نملك في مقابل بيتزا صغيرة أو برغر بكفِّ اليد نحلم بهما بتلك الأصقاع البعيدة على حدود الصين.
دلفتُ لداخل المبنى، ودخلت غرف النوم التي كنا نتزاحم ونتحاشر فيها؛ هالني صغرها، وسوء فرشها وملاءاتها، فأتعجب وأتساءل: كيف كنا ننام فيها وهي بهذا الحجم والسوء!! فحتى دورات المياه لم تك وقتها، بيد أننا صبرنا واحتسبنا –إن شاء الله- الأجر من كريمٍ متفضل.
ولجتُ الفصولُ بتلك المدرسة الحاضرة أبداً في ذواكرنا، ليتنصبَ أمامي شخوصُ رفقتي الصغيرة وقتذاك، بكل وجوههم البريئة التي لم تتلّوث بأوساخ الدنيا، كانت وجوهاً متوضئة الإيمان، تشعّ بالبراءة والنقاء والحب، يحملون مضغاً صغيرة يسمونها القلب؛ لا تعرف سوى الطهارة، وأنفساً تتسابق للبذل والدعوة. كنا نقوم بكل الحبّ بتلقين ذاك الجيل -الذي خرج من رحم الشيوعية- أركان الإسلام، أو تحفيظهم الفاتحة، أو تعليمهم الوضوء، وكيفية الصلاة.
عندما أتيتُ فصل القرآن الكريم؛ أخذتني حرفتي الإعلامية و طلبت قلماً وكتبت: "كنا هنا"، وسجلتُ أسماءنا على السبورة، التفتُّ في أرجاء الفصل بعينين أثقلتهما الذكريات الغابرة التي انبعثت، وإذا بشعور قوي يملأني، ولكأن خيال رفيق رحلتي إبراهيم حجار –يرحمه الله- يمثل حاضراً، فقد كان هذا فصله الذي يدرّس فيه القرآن الكريم. أحسست بروحه ترمقني بكل الرضا، عبر تلك البسمة الجميلة على ثغره أبداً. أتلفّتُ في الزوايا، وأناجيه بقلبٍ يتقطّع: يا لذكراك التي تمضّني أيها الأخ الحبيب الذي فقدت!! ونحن اللذان تعاهدا على إخاءٍ خالص، ومحبةٍ في الله لا تنقطع. 
اغرورقت عيناي أكثر،  فيما نياط القلب تتمزق لذكرى صديقي الراحل، الذي أرى صورته الآن يبكي بأنين يميّزه، إذ كان سريع الدمعة والبكاء إن قرأ آيات العذاب أو النعيم، كنا في الخامسة والعشرين من أعمارنا وقتما أتينا هنا، وخلته يهمس لي: أحمدُ الله تعالى أن قضيتُ بعض شبابي في هذا الخير يا أبا أسامة، واسأل ربك الإخلاص والقبول.
خرجتُ –مندفعاً- من الفصل بكل اللواعج التي سكنت نفسي من تلكم الصور التي بعثها المكان، إذ لم أعد أتحمّل أكثر مما تلبّسني من حُرقِ الذكريات، رغم خيريتها،  وطالعتُ صبية المدرسة يلعبون كرة القدم، فشاركتهم، وأنا أتذكر الصديق عبدالله سليمان القاسم الذي كان أمهرنا في كرة القدم، ونبدأ صباحنا بتمارينه الرياضية، وننتظر مبارياته الساخنة في العصر، كوسلية الترفيه الوحيدة لنا، إذ لا نخرج إلا لمَماً من المدرسة طيلة الشهرين، ووقتما صوّرت المقاطع التي سردتُ في بداية المقالة، من الجمال الذي رأيت، والنهر الذي يصخب، إذ كان المكان لا يبعد عن مدرستنا سوى نصف كيلو متر، نستطيع المشي سيراً له، ولم نعلم عنه أبداً من فرط حرصنا على تعليم القوم؛ 
ردّ عليّ صديقي الحبيب أبو آلاء يوسف القاسم : "دعنا نسأل الله أن يعوّضنا -ما فاتنا هناك- في الجنة"، وبدّد بدعائه تحسّري على عدم ترفيهنا لأنفسنا بتلك الأزمنة، وقَبلَ الصديق اقتراحي، وتكفل بشراء هذه المدرسة ووقفها لتعليم الإسلام، وتسميتها باسم صديقنا الراحل ابراهيم حجّار -يرحمه الله- وفاءً منا له وللمنطقة.
التقيتُ –في زيارتي الأخيرة- مفتي قيرغيزيا الأسبق الشيخ  تشوباق جليلوف، وصليت معه الجمعة، وتحدثنا لساعات، وحكى لي قصة زيارته لمدينة "قم" في إيران، ورؤيته الشباب القرغيز هناك، وعن الذي فعله بعد ذلك لوقف الملالي في قيرغيزيا، وهو ما سأحدثكم عنه في مقالتي المقبلة.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:26 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:55

  • عشاء

    19:25

من الى